الاعداد لفيلم عن كارثة تيتانيك الالمانية

برلين - من إرنست جيل
جراس يدعو للتصالح مع التاريخ

اثار جونتر غراس، الاديب الالماني الحائز على جائزة نوبل، ضجة هائلة في بلاده بروايته الجديدة التي تتحدث عن غرق سفينة لاجئين كانت تتبع البحرية الالمانية في عهد هتلر.
وفي مهرجان برلين الاخير للسينما تم الاعلان عن اعتزام شركة "يوفا" للانتاج السينمائي والتلفزيوني تقديم دراما سينمائية مطولة يتم تصورها في استوديوهات بابلزبيرج الشهيرة تتناول قصة أسوء كارثة بحرية في التاريخ وهي واقعة تعرض أحد سفن نقل اللاجئين والجنود للقصف بالطوربيدات في أواخر الحرب العالمية الثانية مما أودى بحياة 9000 شخص.
وأعلنت استوديوهات بابلزبيج في بيان لها "إن هذه القصة تعتبر مادة سينمائية رائعة, كما أن كتاب غراس الجديد يأتي بها في وقت مناسب بصورة أكبر".
ومن المقرر أن تطرح الرواية، وهي في واقع الامر قصة قصيرة مثل الكثير من مؤلفات غراس، هذا الصيف في مختلف أنحاء ألمانيا، ولكنها أصبحت بالفعل موضوعا لمناقشات حامية في البرامج الحوارية التي تعرض على شاشات التليفزيون وعلى صفحات الرأي في الصحف.
وتجمع الرواية، التي تحمل عنوان "إمز كريبزجانج" (وتعنى تقريبا: التقدم مثل سرطان البحر)، بين قصة غرق السفينة، التي كانت تتبع الجيش الالماني في زمان هتلر، ومعاناة الركاب الذين كانوا على متنها، وبين مأزق اللاجئين في العصر الحديث الذين يسعون للجوء إلى ألمانيا.
وتعتبر جميع مؤلفات غراس من أفضل الكتب مبيعا في ألمانيا، ولكن هذا الكتاب بصفة خاصة حظي بدفعة غير تقليدية في وقت سابق عندما أسهب أبرز ناقد في ألمانيا في الاشادة به.
وكان هذا الناقد، وهو شخص غضوب في العقد التاسع من عمره يسمي مارسيل ريش-رانيكي، شديد المعارضة لغراس. ولكن هذه المرة، وفي برنامج تليفزيوني يبث على مستوى ألمانيا، تلألأت الدموع في أعين ريش-رانيكي وهو يسرد أشعارا وردت في الكتاب الجديد, ويصفه بأنه قد يكون أفضل عمل كتبه غراس طيلة حياته.
وبغروره الذي يعتبر من صفاته المميزة، ذكر ريش-رانيكي المشاهدين أنه على الرغم من انتقاداته الكثيرة لغراس خلال السنوات الاخيرة، كان هو أول من أشار إلى أن هذا الكاتب يستحق الفوز بجائزة نوبل.
وعقب انتهاء البرنامج، انهالت على دور بيع الكتب طلبات شراء الرواية قبل طرحها في الاسواق، فيما ذكر ممثل إحدى كبرى دور بيع الكتب "لقد غمرتنا طلبات الشراء. فنحن لم نر مثل هذا الاقبال من قبل منذ صدور كتاب هاري بوتر".
وذكرت دار النشر شتيدل فيرلاج في جويتينجن، التي تولت إصدار الرواية، أنها سوف تجمع المترجمين خلال الايام القادمة للعمل على إصدار طبعات أجنبية للكتاب في عشر لغات.
بل وحتى النقاد الذين لم يطلعوا على الكتاب شرعوا بالفعل في كتابة المقالات بشأن ما إذا كان الالمان، من بين سائر البشر، لهم حق الحزن على ما تعرضوا له من معاناة. وهل من حق الكتاب الالمان أن يسردوا الاهوال التي كابدها اللاجئين الالمان فرارا من القوات السوفيتية التي كانت تتقدم أثناء تهاوي الجبهة الشرقية؟ أليس الالمان في الاساس هم المسئولون وحدهم عن معاناتهم الشخصية؟
وقال غراس"إن أحد أكبر عيوب الادب الالماني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أننا نحن الكتاب، بما في ذلك أنا، عجزنا جميعا عن تناول هذا الموضوع".
وأضاف الكاتب الالماني الحائز على جائزة نوبل "إن ألمانيا الغربية استقبلت اللاجئين من المناطق التي تضم العرقيات الالمانية في شرق أوروبا ولكنها اعتبرتهم مطرودين ودفعت بهم إلى الجماعات اليمينية المتطرفة في المجتمع. أما ألمانيا الشرقية فقد رفضت تماما تحمل مسئولية أي شئ قائلة أن أي شر وقع هو من أفعال النازيين أو الرأسماليين أو الاستعماريين".
وقال غراس " وافقنا نحن الكتاب على هذا وظللنا صامتين، في حين أننا كنا في واقع الامر، وجها لوجه مع أكبر قصة في حياتنا".
جدير بالذكر أنه لم يكن يتم التطرق إلى أزمة اللاجئين الالمان عادة في كل الكتابات الالمانية والاوروبية سوى بصورة سطحية.
وقال جراس "لقد خصصت فصلين فقط من كتاب (الطبلة المصنوعة من الصفيح) لتناول هذه القضية. وقد ركزت على احتلال السوفييت لغدانسك وهروب الالمان من الاقاليم الشرقية السابقة التي كانوا يعيشون فيها. ولكني لم أتناول أبدا هذا الموضوع بعمق".
وقال غراس إن الاسباب وراء ذلك الامر واضحة.
وأكد الكاتب الالماني "قبل كل شئ، يتعين على الالمان الا ينسون أبدا أننا في واقع الامر مسئولون عن معاناتنا الشخصية ومعاناة عشرات الملايين من الشعوب الاخرى".
واضاف "ومن ثم، ففي حين أن قضية اللاجئين كانت توجد دائما في الخلفية، فإن الجرائم الشنيعة التي ارتكبها الالمان ما تزال تلوح في المقدمة ولا تترك متسعا من الوقت أو الطاقة لسواها".
ويختلط هذا المزيج من المعاناة التي تعرض لها الغير وكابدها الالمان أنفسهم خلال الكتاب، ويشير غراس إلى أنه أصيب بالدهشة إزاء النقاد الذين يقولون أن هذا الكتاب تدور قصته حول "سفينة تحمل لاجئين".
وقال غراس "فبالاضافة إلى اللاجئين المدنيين الذين كانوا على متن تلك السفينة، كانت السفينة تحمل أيضا ألفا من جنود سلاح الغواصات بالاضافة إلى 370 مجندة في البحرية وكانوا يرتدون الزي العسكري وقاموا بتثبيت مدافع مضادة للطائرات على أسطح السفينة".
وأراد غراس أن يعرف "لماذا يتجاهل النقاد هذه الحقائق؟".
وكانت السفينة "فيلهيلم غوستلوف" قد دشنت في منتصف الثلاثينيات باعتبارها السفينة الرئيسية في أسطول سفن الرحلات السياحية الخاصة التي بناها أدولف هتلر لتناسب المقدرة المالية للعامل الالماني المتوسط حتى يحصل على فرصة قضاء نزهة في البحر لمدة أسبوعين قبل أن يعود إلى ورش خرط الذخائر وهو متجدد النشاط.
وعندما اندلعت الحرب، تحولت السفينة "فيلهيلم غوستلوف" إلى سفينة لنقل الامدادات والجنود. وعندما تحول مسار الحرب، كانت السفينة تستخدم بصورة متزايدة لمساعدة الالمان الذين يفرون من القوات السوفيتية المتقدمة.
وكانت فيلهيلم غوستلوف تقوم بتلك المهمة عندما انطلقت من ميناء غدينيا في الممر البولندي في ليلة 25 كانون الثاني/يناير من عام 1945 وكانت ليلة قارصة البرودة. وكانت السفينة متخمة على نحو يثير الشفقة بالمدنيين والجنود المصابين وجنود البحرية. ولا يعرف أحد عدد الافراد الذين كانوا على متن السفينة التي تشير التقديرات إلى أن عددهم يتراوح ما بين 8000 إلى 10000 فرد.
وكانت فيلهيلم غوستلوف تمخر عباب البحر بسرعة وقد طليت نوافذها باللون الاسود، غير أنها لم تكد تخرج إلى عرض البحر حتى رصدتها إحدى الغواصات السوفيتية وأطلقت عليها طوربيداتها.
وفي خضم حالة الفوضى التي خلفها الهجوم، احتجز الالاف في الطوابق السفلية للسفينة التي كانت تغرق بسرعة كبيرة. وقد لقي الكثيرون ممن قفزوا خارج السفينة مصرعهم متجمدين من شدة البرد في الظلام. ولم يتعد عدد الاشخاص الذين تم انتشالهم على قيد الحياة ألف شخص.
وتعتبر كارثة "فيلهيلم جوستلوف" أسوء كارثة بحرية في التاريخ حيث يتراوح عدد ضحاياها ما بين ستة إلى تسعة آلاف قتيل. وبالمقارنة، فإن غرق السفينة تيتانيك، الذي يعتبر أسوء حادث غرق سفينة في تاريخ الملاحة البحرية في وقت السلم، أسفر عن مقتل ما يزيد قليلا عن 1.500 شخص كانوا على متنها.
ولا يعتبر هذا العمل السينمائي الجديد الذي استعدت استوديوهات شركة يوفا لتصويره في بداية العام القادم في واقع الامر أول عمل يجسد كارثة فيلهيلم جوستلوف على شاشات السينما.
فقد تم إنتاج فيلم ألماني يتناول تلك الكارثة في عام 1960 ويركز على قصة سيدة تفر من زواج غير سعيد وضابط بحرية يهرب من صدمة الحرب. ولم يلق هذا الفيلم الذي يحمل اسم "ناخت فيل أوبر جوتنهافن" نجاحا لدى المشاهدين الالمان، الذي كانوا يفضلون بعد مضى 15 عاما على نهاية الحرب الهروب من الواقع.
ويعرض هذا العمل من وقت لاخر على التليفزيون الالماني. وعادة ما يسبق عرضه تحذير يشير إلى أن هذا الفيلم يعرض لاغراض تاريخية وليس من منطلق التعاطف مع النظام النازي.
ويعتقد جراس أن الوقت قد حان لتنحية هذه التحذيرات جانبا والتصالح مع التاريخ الالماني على أساس أدبي.
ويقول"إنني لم أنس أبدا السفينة فيلهيلم جوستلوف، وأتذكر كيف كان الجميع يشعرون بالفخر إزاء هذه السفينة البيضاء العظيمة قبل الحرب. وعندما بدأنا نخسر الحرب، أتذكر كيف أن فيلهيلم جوستلوف كانت تمثل لدى الجميع الامل في بلوغ بر الامان".
وقال جراس "أنى أتذكر أيضا أن الكثيرين من الاصدقاء وأفراد الاسرة حاولوا بشدة الصعود على متن السفينة في تلك الليلة الاخيرة وكيف كان حالهم عندما قيل لهم أنه لم يعد هناك المزيد من الاماكن الخالية.. ثم كيف عرفوا إنهم كانوا محظوظين عندما علموا أن السفينة قد غرقت وأنهم لم يكونوا على متنها".
وقال الكاتب الحائز على جائزة نوبل وهو ينفث دخان غليونه إن "لقد غرقت السفينة.. ومعها النظام النازي وكل أمل في النجاة .. وبقى علينا التصالح مع التاريخ".