الاعتبارات الإسرائيلية للتحريض على الحرب الأميركية ضد العراق

بقلم: ماجد كيالي

ينبغي أن يثير اهتمام إسرائيل بالحملة العسكرية الأميركية المبيّتة ضد العراق، ولاسيما التحريض عليها والاستعداد للمشاركة فيها، قلق ومخاوف جميع القادة العرب، وعلى الأدقّ فإن ذلك ينبغي، أيضا، أن يدفعهم باتجاه نبذ التردد أو الاكتفاء بمجرد الحديث عن رفض هذه الحرب، على خلفية وهم مفاده الحفاظ على الذات، فالمطلوب أكثر من ذلك ويستدعي وقفة عاجلة لرسم سياسة عربية مشتركة وفاعلة تفوّت على إسرائيل أهدافها وتجنّب العرب خسائر فادحة في المعركة الجديدة على خارطة المنطقة وعلى مكانة العرب ومصالحهم.
وتؤكد المواقف الصادرة عن إسرائيل بأن هذه الدولة المصطنعة ترتب أوضاعها لاستغلال الحرب الأميركية القادمة ضد العراق للتحرك سياسيا وعسكريا لإحداث "لخبطة" في المنطقة تمكنها من تمرير ما عجزت عن تمريره، طوال الفترة الماضية، على أساس من الاعتبارات التالية:
أولا، أن الحرب ضد العراق هي بمثابة خدمة مجانية لإسرائيل إذ ستقوم دولة أخرى (أمريكا) بشن حرب لإضعاف دولة عربية كبيرة ومعادية وتدمير مقدراتها وربما رسم خرائط جديدة لها تضفي المزيد من الشرعية على الكيان الإسرائيلي؛ وفي هذا الإطار، أيضا، ثمة حديث عن سيناريو إسرائيلي مخيف يتمثل بتوجيه ضربة نووية مدمرة للعراق.
ولا تخفي إسرائيل نواياها العدوانية تجاه العراق فهذا أرئيل شارون يؤكد بأن إسرائيل سترد على أي هجوم عراقي حتى لو لم يتسبب بسقوط ضحايا".(هآرتس 15/8) وهذا شمعون بيريز يقول:"نحن جنود في معسكر يقف على رأسه الرئيس جورج بوش".(هآرتس 16/8). ويفسر يوآف ليمور ذلك بقوله:"الظروف الدولية والإقليمية الراهنة مغايرة لعام 1991، وتتيح لإسرائيل الرد دون تعريض الائتلاف الأميركي ـ العربي غير القائم للخطر..الولايات المتحدة سلمت أيضا بهذه الحقيقة."(معاريف 9/8) أما زئيف شيف فيوحي بإمكان رد إسرائيل بالسلاح النووي، بمعرفة أمريكية، من خلال كشفه وثيقة رفعها الخبير العسكري طوني كوردسمان إلى لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي يؤكد فيها أنه إذا تعرضت إسرائيل لتهديد وجودي في تل ابيب أو حيفا فإنها ستهدد برد نووي ضد مدن عراقية وضد قوات العراق العسكرية. وإذا نفّذ هجوم بيولوجي على مدن إسرائيلية، فسترد إسرائيل بضربات نووية ضد مدن عراقية، وهذا الرد يمكن أن يحطم العراق كدولة".(هآرتس 15/8) وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت (16/8) فقد أيّدت محافل امنية إسرائيلية هذه التقديرات.
ثانيا، إن أجواء الحرب يمكن أن تكون أفضل تغطية لتحركات إسرائيلية عسكرية ذات طبيعة استثنائية، فثمة تسريب لسيناريوهات تتحدث عن احتمال قيام إسرائيل باستغلال هذه الأجواء لإجبار أعداد كبيرة من الفلسطينيين على مغادرة الضفة الغربية إلى الأردن، وتقويض السلطة الفلسطينية وطرد رئيسها ياسر عرفات وتنصيب موالين لها؛ على قاعدة أنه كما أن أمريكا ستتخلص من صدام فإن إسرائيل ستعمل للتخلص من عرفات! يقول حيمي شاليف:" رئيس الحكومة يدرس استغلال الضجة الإقليمية، التي ستنشأ، لتحقيق أهداف إسرائيل على الصعيد الفلسطيني، عن طريق تشديد السيطرة على المناطق، وربما طرد ياسر عرفات، وإذا أمكن، فرض "نظام جديد" في الضفة الغربية وغزة، مع قيادة جديدة تعرف كيف تكتفي بالقليل".( معاريف 9/8) أما ميرون بنفنستي فيحذر من مخططات الترانسفير بقوله:" "الهجوم الأمريكي على العراق والتدخل الإسرائيلي سيؤديان إلى انهيار النظام الهاشمي في الأردن. عندئذ ستطبق إسرائيل "الخيار الأردني" وتطرد مئات آلاف الفلسطينيين إلى ما وراء النهر". (هآرتس 15/8)
وإضافة إلى ذلك فإن إسرائيل تتوقع أن تتيح لها أجواء الحرب القادمة توجيه ضربة عسكرية ثأرية لحزب الله وربما لسورية أيضا! ويقف وراء هذه الاجتهادات رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد، الجنرال موشيه يعلون الذي صارح الأميركيين بأن المواجهة في الشمال لا بد ستأتي، وأنها ستندمج في إطار الحرب الأميركية ضد الإرهاب. وأنه عندما يبدأ الأميركيون المرحلة الثانية من حربهم ضد الإرهاب – ضد النظام العراقي – ستقدم إسرائيل مساهمتها في المحيط القريب. وسيقوم الجناح الإسرائيلي بتوجيه ضربات إلى مراكز الإرهاب في لبنان، وإذا كانت هناك حاجة، فسيضرب في سوريا، أيضا".(يديعوت أحرونوت 29/6)
ثالثا، توطيد العلاقة الأميركية الإسرائيلية على قاعدة أن إسرائيل ذخر استراتيجي للمصالح الأميركية في المنطقة وأنها الحليف الموثوق لأميركا على قاعدة "أن ليس للغرب في الشرق أفضل من الغرب نفسه". فمن وجهة النظر الإسرائيلية فإن مناخات هذه الحرب وآثارها (السياسية والمعنوية) ستثير مشاعر العداء لأمريكا بين الشعوب العربية وتعمق الفجوة بين الإدارة الأميركية والأنظمة الصديقة لها، في مقابل ازدياد الاعتمادية الأميركية على إسرائيل. وتحاول إسرائيل، في هذا الإطار، التحرك كلاعب رئيس في استراتيجية الولايات المتحدة إزاء المنطقة، ولا يتوقف ذلك على التنسيق بين القيادتين الأميركية والإسرائيلية، والمتعلقة بتبليغ إسرائيل بموعد الهجوم على العراق قبل وقوعه(هتسوفيه 21/3) إذ وصل الأمر بإسرائيل حد إبداء استعدادها لتقديم تسهيلات ومساعدات لوجستية للقوات الأميركية.
وبحسب يوئيل ماركوس، فقد وجدت إسرائيل نفسها أمام خيارين" إما ان تكون هدفا للحل القسري كثمن للدعم العربي (لأمريكا) أو أن تكون لاعبا مركزيا إلى جانب تركيا كقاعدة لوجستية للأمريكيين. وشارون وبن اليعازر سارعا الى التبرع بتقديم كل مساعدة مطلوبة مؤكدين بأن القضاء على نظام صدّام هو مصلحة إسرائيلية استراتيجية".(هآرتس 19/3)
رابعا، ترى إسرائيل في الحرب فرصة سانحة لها لصرف الأنظار عن ما يعانيه الشعب الفلسطيني جراء الممارسات الإرهابية والعدوانية والعنصرية التي تمارسها ضده في الأراضي المحتلة، ولترحيل عملية التسوية التي تأسست في مدريد وفي أوسلو، وصولا لصرف الأنظار عن أساس المشكلة المتمثل بالاستيطان والاحتلال، وفرض الاملاءات التي تريدها على الفلسطينيين.
خامسا، إن هذه الحرب ستضعف بالإجمال الموقف العربي، ولاسيما ما يتعلق بمكانة مصر والمملكة العربية السعودية في الولايات المتحدة الأميركية، وبذلك تتحرر إسرائيل من المناكفة مع هاتين الدولتين وتتخلص من الازعاجات المصرية ومن مبادرة السلام العربية التي بادرت إليها المملكة العربية السعودية، ما يتيح لها فرض املاءاتها على المنطقة، باعتبارها في معسكر "المنتصرين" في الحرب، ومن موقع الشريك مع أمريكا.
وهكذا فإن إسرائيل لا تترك فرصة إلا وتستغلها لتحقيق أهدافها، فما بالك إذا كانت هذه الفرصة تمكنها من تحقيق هذه الأهداف بضربة واحدة ومن دون أي ثمن مباشر؟!
على أية حال فإن ساعة الحقيقة تقترب والعد العكسي للحملة العسكرية الأميركية ضد العراق بدأ، وثمة تمهيد سياسي وعسكري للميدان، ومن الواضح أنه إذا لم يكن بمستطاع العرب إيقاف "الثور" الأمريكي المنفلت من عقاله فإنه على الأقل ينبغي التحرك والتشاور ووضع الخطط واستعمال الأوراق كلها لتجنب الخسائر التي قد تعم المنطقة بأسرها أو على الأقل التقليل من تبعاتها وتحجيمها.
يبقى القول أن الخطر لا يكمن فقط في الهجوم الأمريكي أو في التدخلات الإسرائيلية فيه، وإنما هو يكمن، أيضا، في غياب الإرادة العربية وتشتتها وفي هدر طاقات الأمة العربية وعدم نقل أوراق القوة التي تمتلكها من حيز الكمون إلى حيز التفعيل وعدم استعمال ورقة المصالح المتبادلة في العلاقات الدولية.
وأخطر ما في الأمر أن إسرائيل تريد أن تبدأ الحرب الأميركية ضد العراق لتنتهي بحرب تعيد رسم خريطة المنطقة العربية كلها كي تتمكن من التحكم بحاضرها ومستقبلها أيضا! وما من شك في أن هذه الأحوال البائسة هي التي شجعت الإدارة الأميركية، على الدوام، على الاستهتار بقوة العرب وتجاهل مصالحهم ومحاولة الحطّ من كرامتهم، وهي الأحوال ذاتها التي شجعت إسرائيل على ذلك، أيضا، وهي دولة يفترض أنها صغيرة بل ومصطنعة! فهل يستيقظ العرب قبل فوات الأوان لتدارك الخطر الكبير الذي يقف لهم بالمرصاد في المدى القريب.