الاشكاليات الإسرائيلية للتسوية الفلسطينية

بقلم: ماجد كيالي

لايقتصر اعتراض التسوية على بعض الاتجاهات في الساحة الفلسطينية (والعربية عموما)، فثمة اعتراض إسرائيلي، أيضا. والمفارقة أن هذه التسوية التي تعتبر مجحفة بالمعايير التاريخية والقانونية بحق الفلسطينيين، تلقى مقاومة عنيدة من بعض الاتجاهات المتطرفة في إسرائيل، المحسوبة على تيار اليمين والوسط (الديني والقومي)؛ والتي ترى في التسوية، المتضمنة مجرد الانسحاب من معظم الاراضي الفلسطينية المحتلة والاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم فيها، انحرافا عن الصهيونية وكارثة ربما تودي بإسرائيل.
للأسف فإن هذه المعارضة لم تلق الاهتمام المناسب بها في التحليلات العربية، فالخطاب العربي، عموما، اعتاد التعامل مع إسرائيل بوصفها كتلة صماء، وظاهرة سرمدية، لا تخضع لتفاعلات أو إلى تطورات وتغيرات! وحتى إذا فرضت بعض التغيرات أو التناقضات الاسرائيلية نفسها على مسرح الأحداث، فإن هذه التحليلات غالبا ما تستهتر بها أو تحيلها إلى نوع من مسرحية معدة مسبقا، أي باعتبارها شأنا لا يستحق الاعتبار، لا في استراتيجيات الصراع ولا في تاكتيكاته!
عموما لايجد الخطاب العربي نفسه معنيا بتفحص الداخل الاسرائيلي وما يعتوره من تعددية أو تناقضات، باعتبار ذلك فائضا عن الحاجة أو ترفا (وربما انحرافا) فكريا، باعتبار أن إسرائيل هي عدو، بالجملة وبالتفصيل، وكفى.
اللافت في مناقشة هذا الموضوع أن المعارضة الإسرائيلية للتسوية، خصوصا مع الجانب الفلسطيني، احتلت المشهد السياسي الاسرائيلي، منذ التوجه لعقد مؤتمر مدريد (1991)، وخصوصا بعد عقد اتفاق أوسلو (1993) وإلى الآن. وطوال هذه المرحلة اتضح أن إسرائيل هي التي تعوق هذه العملية، وتسعى للتملص من استحقاقاتها (أكثر بكثير مما يعوقها العرب)، برغم كل الاجحاف الكامن فيها بالنسبة لحقوق الفلسطينيين؛ وذلك على خلاف الانطباع السائد، في الساحة العربية، بأن إسرائيل تلهث وراء التسوية.
ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة. فإسرائيل في ظل شامير عارضت مؤتمر مدريد، ودخلت في مواجهة مع إدارة بوش الأب، وهي شهدت مصرع واحد من أهم رؤساء حكوماتها، وهو اسحق رابين(1995)، على يد متطرف إسرائيلي، لكونه وقع اتفاقا للتسوية مع الفلسطينيين. وبعد ذلك صعد بنيامين نتنياهو إلى الحكم لاجهاض هذه العملية. وفي ظل حكومة باراك نشطت جماعات المستوطنين لفرض واقع الاحتلال بالاستيطان في الاراضي المحتلة. وبعد ذلك جاء شارون ليحرر إسرائيل تماما من استحقاقات اتفاق اوسلو، بهذه الحجة أو تلك. وطوال هذه الفترة لم تكمل أية حكومة ولايتها الدستورية، وذلك بسبب الخلافات الحاصلة بين التيارات الاسرائيلية بشأن عملية التسوية. ومؤخرا شهد شارون، بكل ما يمثله في إسرائيل، هزيمتين في حزبه الليكود لمجرد طرحه خطة للانسحاب من طرف واحد، من قطاع غزة وأربعة مستوطنات في الضفة الغربية! أي أن حزب الليكود هزم زعيمه الذي يحظى بتأييد 65 ـ 70 بالمئة من المجتمع الاسرائيلي، والذي جلب له نصرا بحجم 40 مقعدا في الكنيست، لمجرد طرح خطة تتطلب الانسحاب من 360 كم مربع فقط (وهي مساحة غزة)، وإجلاء بضعة ألاف من المستوطنين فيها، من حوالي 400 ألف مستوطن في الضفة والقطاع؛ برغم أن هذه الخطة لاتمت بصلة مطلقا إلى المجالات المتعلقة بقضيتي القدس واللاجئين!
ويمكن تفسير الاحجام الاسرائيلي عن الاستجابة لاستحقاقات عملية التسوية بانقسام المجتمع الإسرائيلي على نفسه في هذا الموضوع. فبرغم الاجماع الاسرائيلي حول أمن إسرائيل وهويتها اليهودية ورفض حق العودة للفلسطينيين والتمسك بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل والعلاقة مع الولايات المتحدة، فإنه ثمة طيف واسع من الخلافات بشأن مساحة الأراضي التي ينبغي الانسحاب منها وقضايا الحدود والمستوطنات والدولة الفلسطينية والتعاون الإقليمي.
بالنسبة للتيارات اليمينية القومية والدينية، في إسرائيل، فإن عملية التسوية تفترض ترسيم حدود إسرائيل: الجغرافية والبشرية والسياسية، ما ينتهك مبررات وجودها الأيدلوجية ـ الصهيونية والأسطورية، وما ينتقص من دورها السياسي الوظيفي المفترض، بتحويلها إلى مجرد دولة عادية في المنطقة.
وهذه التيارات تركز على إعلاء شأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي (الخارجي) وعلى التعبئة الأيدلوجية الصهيونية، والاستيطان باعتباره قيمة عليا، وعلى قوة إسرائيل وفرادتها في المنطقة، وعلى أرض إسرائيل الكاملة مقابل دولة إسرائيل، وعلى الشعب اليهودي مقابل شعب إسرائيل. وهي تنطلق في مواقفها من أن إسرائيل قادرة على فرض التسوية (تسوية الأمر الواقع على العرب) بوسائل القوة والإملاء. وأما بالنسبة للمشروع الشرق أوسطي فهذه التيارات لا ترى أية ميزة بالتعاون الإقليمي، للدرجة التي تفرض على إسرائيل تقديم تنازلات معينة مقابله، بحكم علاقات إسرائيل الدولية وتقدمها الاقتصادي، وهي ترى بأن على الولايات المتحدة أن لا تتدخل في شؤون إسرائيل التي لا تدين لها بشيء! بل على العكس فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تدين لإسرائيل!
من كل ذلك يتبين بأن عملية التسوية مع الطرف الاسرائيلي ليست عملية سهلة أو عملية مسلم بها، فثمة اشكاليات عديدة تعاني منها إسرائيل تجعلها حذرة وأميل إلى الاحجام عنها، ولعل أهم هذه الاشكاليات تكمن في الجوانب التالية:
أولا، أن الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين، يكتسب طابعا فريدا في نوعه، فالصراع هنا ليس بين الشعب الفلسطيني والدولة الاسرائيلية المغتصبة أو المحتلة، فحسب، وإنما هو أيضا صراع مع المجتمع الذي ينتمي لهذه الدولة، ويتماهى مع أيدلوجيتها وسياساتها. وهذا الصراع لا يقتصر على الجوانب العسكرية أو الأراضي، وإنما يشمل الرموز والرواية التاريخية والمعتقدات الدينية، وهذا الصراع في الإدراك الإسرائيلي يبدو كأنه صراع على الأرض ذاتها، وعلى الوجود (يختلف عن الانسحاب من سيناء أو الجولان أو جنوب لبنان).
ثانيا، الترابط بين الاستحقاقات الداخلية والخارجية، فالتسوية مع الفلسطينيين تتطلب من إسرائيل تعريف حدودها وهويتها ودورها، في المنطقة، وهو ما يفسر التعقيدات المتعلقة بهذه العملية. فالانسحاب من الأراضي الفلسطينية يقوض أسطورة "أرض الميعاد"، والاعتراف بالشعب الفلسطيني يقوض أسطورة "أرض بلا شعب"، وهذا يعني مراجعة إسرائيل لمبررات وجودها وقطعها ركيزتين من ركائز الصهيونية التقليدية. لذا فإن النقاش حول التسوية يبدو وكأنه نقاش يخص الإسرائيليين وحدهم وكأنه نقاش داخلي لا علاقة للأغيار به.
ثالثا، الطابع التاريخي والسياسي الملتبس للدولة العبرية، فهذه الدولة لم تنشأ بنتيجة التطور التاريخي الطبيعي للتجمع اليهودي في فلسطين، وإنما بفعل عمليات الهجرة الاستيطانية ـ الإحلالية، وبرغم إرادة أهل الأرض الأصليين، وبفضل القوة والهيمنة والعون الخارجي. وبسبب من ذلك فإن إسرائيل، على خلاف الدول العادية، تتهرب من إيجاد أجوبة حاسمة على الأسئلة المطروحة عليها. والمشكلة أيضا أن طبيعية النظام السياسي فيها يتطلب نوعا من الاجماع، لاسيما في قضية كقضية التسوية، وهو غير متوفر في الظروف الحالية. واللافت أن إسرائيل استثمرت اللعبة الديمقراطية فيها، للتملص من عملية التسوية والاطاحة بها.
رابعا، طوال المرحلة الماضية اتضح أن اليسار في إسرائيل (كما تمثل بحزب العمل) غير ناضج تماما لعملية التسوية، وأنه تبناها للتكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية، ومع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، لانتزاع أكبر قدر من المكاسب والمكافآت، من العرب ومن الولايات المتحدة، في مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة؛ على شكل قبول العرب برواية إسرائيل للصراع في المنطقة والدخول معها في علاقات وترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية وأمنية ثنائية وإقليمية، وتعزيز العلاقة الإسرائيلية ـ الأميركية. وهذا التيار ينطلق من دعمه للتسوية من واقع الحفاظ على إسرائيل وهويتها اليهودية وصورتها الديمقراطية، وهو يرى بأن الانسحاب من الأراضي المحتلة يجنب إسرائيل المخاطر الديمغرافية الناجمة عن وجود ثلاثة ملايين عربي في الضفة والقطاع، ويحافظ على نقاوة الدولة اليهودية ويخلصها من الأعباء السياسية والأمنية والأخلاقية الناجمة عن الاحتلال. هذا فضلا عن أن هذا الاتجاه، وبسبب من تطورات العولمة الاقتصادية والتغير في عناصر القوة لدى الدول، لم يعد يرى أن مساحة الدولة مهمة لاستقرار إسرائيل وازدهارها، بقدر ما بات يرى ذلك في ميدان التطور الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي، بخاصة بعد أن ضمنت الولايات المتحدة أمن إسرائيل وتفوقها في المنطقة. ومعنى ذلك أن المقاربة البرغماتية لهذا الاتجاه، والتي تنبني على الاستعداد للانسحاب من معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة والاعتراف بالشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في إقامة دولة مستقلة، ليس لها علاقة بالمصالحة التاريخية أو بمفاهيم الحق والعدالة، بقدر ما هي تتعلق بحسابات السياسة الدولية والاقليمية ومصالح إسرائيل باعتبارها دولة يهودية.
خامسا، عمليا فإن إسرائيل تستمد غطرستها، في عملية التسوية، من تفوقها العسكري والاقتصادي، وانتمائها للغرب، ومن تغطية أقوى دولة في العالم (الولايات المتحدة) لسياساتها وضمانها لأمنها وتفوقها في المنطقة. وتدل التجارب بأن المجتمعات الاستيطانية المصطنعة، بخاصة المجتمعات الأيدلوجية (القومية والدينية) والعنصرية، تحتاج إلى وقت كبير، وإلى تجاذبات وضغوطات عديدة ومتواصلة، حتى تحسم خياراتها. وفي واقع كهذا فإن البنى والدوافع الداخلية لوحدها تشكل شرطا ذاتيا لازما، ولكنه ليس كافيا لعملية التغيير التي تحتاج إلى عوامل دفع وضغط خارجية، إلى الدرجة التي تحيّد عناصر قوتها وتهدّد مصالحها، ما يجبر هذه المجتمعات على مراجعة خياراتها وسياساتها، هذا ما حصل في الجزائر وفي جنوب افريقيا، وهذا ما ينطبق على إسرائيل ذاتها إلى حد كبير، كما بينت التجربة.
لذلك فإن إسرائيل (بوضعها هذا) ستبقى عقبة كأداء أمام عملية التسوية، وهو ما ينبغي وضعه بعين الاعتبار وعدم الارتكان على مقولة أن التسوية هي مصلحة خالصة لإسرائيل، وما ينطبق على اتفاق أوسلو ينطبق على خطة شارون. ماجد كيالي