الاسلام يعود إلى غرناطة بعد 500 عام

غرناطة (أسبانيا)
قصر الحمراء، شاهد تاريخي على الهوية المشتركة

بعد أكثر من خمسة قرون من انتهاء الحكم الاسلامي في أسبانيا، بدأ المسلمون في العودة إلى غرناطة (جرانادا) عاصمة آخر الممالك الاسلامية في أسبانيا.

ويمكن للمرء أن يشاهد الرجال الملتحين والنساء اللاتي يرتدين الحجاب في شوارع المدينة التي تكتظ بمحلات الجزارة الاسلامية ومحال بيع المنتجات اليدوية التي يمتلكها مغاربة.

وتنافس المقاهي المقامة على الطراز العربي المقاهي الاسبانية التقليدية، وثمة لافتة تعلن عن إقامة مسجد كبير في الحي العربي القديم من منطقة البايسين.

ويعيش نحو ستة آلاف مسلم في المدينة التي يقطنها 270 ألف شخص، وذلك حسب تقديرات مالك عبد الرحمن رويز رئيس إحدى الجمعيات الاسلامية في غرناطة. وتشير تقديرات أخرى إلى أن عدد المسلمين يبلغ نحو 20 ألف شخص.

ومن بين هؤلاء، نحو ألف أسباني يسعون لاحياء تراثهم العربي-الاسلامي وقد تحولوا إلى الاسلام. والباقون أغلبهم من الطلاب والعمال المهاجرين المغاربة.

وتشرف على غرناطة قلعة الحمراء التي كانت مقر الحكام العرب الذين هزموا على يد الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، واضعين بذلك نهاية للحكم الاسلامي الذي استمر 800 عام لاجزاء واسعة من أسبانيا وذلك عام 1492.

واندثر الوجود العربي في المدينة عندما تم طرد جميع المسلمين عام 1609. ويرى خبراء كثيرون أنه تم لقرون التقليل من أهمية التراث الاسلامي لاسبانيا، وأن الاهتمام الحقيقي به لم يبدأ إلا بعد وفاة الدكتاتور فرانشيسكو فرانكو عام 1975.

ويقول رويز أنه رغم أن أسبانيا صارت الان واحدة من أشد دول العالم تمسكا بالكاثوليكية، فإن الاسلام جزء من هويتها.

ويؤكد رويز أن كثيرا من المسلمين الذين شيدوا بنيان الحضارة العلمية والفنية في الاندلس لم يكونوا من الفاتحين العرب، بل كانوا من الاسبان الذين اعتنقوا الاسلام ومن نسلهم.

ويرأس رويز الطائفة الاسلامية في أسبانيا، ومعظم أفرادها من الاسبان الذين اعتنقوا الاسلام أو من أتباع الزعيم الاسكتلندي المسلم عبد القادر المرايط.

وصار المتعاون السابق مع فرقة البيتلز أحد مفسري الصوفية الاسلامية. ويقول رويز "إننا نمثل فرعا أوروبيا للاسلام".

ويريد مسلمو أسبانيا في غرناطة أن يستعيدوا الحقوق التي منحها فرديناند وإيزابيلا للمسلمين ولكنها لم توضع موضع التنفيذ. وكانت هذه الحقوق تسمح للمسلمين أن يكون لهم قضاؤهم الخاص فضلا عن إدارة جزئية.

ويعلم أتباع عبد القادر المرابط أبناءهم في المنزل رغم أن بوسعهم تلقي تعاليم الاسلام في مدارس الدولة. وهم يصكون العملة الخاصة بهم وهي الدينار الذهبي والدرهم الفضي.

ويوضح رويز الامر قائلا "نريد أن يكون لنا نظام مالي خاص بنا، لان الاسلام يحرم الربا". ولا تستخدم هذه النقود إلا على نطاق محدود ويقر رويز بأن المسلمين يواجهون مشكلات كثيرة مع السلطات.

وكثير من الاسبان الذين اعتنقوا الاسلام هم من اليساريين السابقين أو من الاشخاص الذين لم يجدوا ضالتهم في الكاثوليكية. وعدد كبير منهم من النساء اللاتي يغطين رؤوسهن بقبعات بدلا من الحجاب حتى لا يجذبن الانتباه.

وتقول أمبارو سانشيز وهي ممثلة تجارية في السابعة والاربعين من عمرها "لقد ملا الاسلام الفراغ الروحي الذي كنت أشعر به".

وينقسم المسلمون في غرناطة وباقي أنحاء أسبانيا، والذين يصل عددهم الاجمالي إلى نحو 600 ألف نسمة، إلى تيارات عديدة بدءا من الليبرالية وحتى الاسلام الصارم.

وتقول مصادر في غرناطة أن الانقسامات ترتبط غالبا بالبلاد التي تمول الانشطة الاسلامية في أسبانيا، ويقال أن من بين هذه الدول المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة والمغرب وسوريا وليبيا وماليزيا وباكستان.

ويوجد في غرناطة نحو 10 مساجد - مقامة في منازل عادية - كما تضم المدينة مقبرة إسلامية. وعادة ما يكون الذين تحولوا إلى الاسلام أشد تزمتا من أولئك الذين ولدوا مسلمين.

ويقول قسامي المصطفى رئيس إحدى الجمعيات الطلابية الاسلامية في غرناطة وهو مغربي، "لن يحدث أبدا أن يصك المغاربة في غرناطة عملات خاصة بهم".

وتابع المصطفى "إنني ضيف في هذا البلد ولن أتدخل في قوانينه".

وأثار اعتقال أشخاص يشتبه في أنهم على علاقة بالمليونير السعودي المتشدد أسامة بن لادن في أسبانيا، مخاوف من اندلاع أعمال عنف في غرناطة لكن هذا لم يحدث حتى الان.

ويشكو بعض المسلمين من وقف رجال الشرطة لهم بشكل متزايد لفحص بطاقات هوياتهم ولكن قسامي المصطفى يصف هذه المشكلات بأنها تافهة. ويقول مبتسما "الوضع هادئ في غرناطة".