الاستهلال كترميز سردي عند آن الصافي

الكاتبة السودانية تصطحب في كل فصل من فصول الرواية استهلالا يجعلك تتوقف عنده قبل رحلة العبور.


كيف للحياة أن تصنع الحياة؟


الكون ليس واحدا كما الأوتار التي تخرج نغماتها

بقلم: عمر النعمة أرباب
 رواية "توالي" للكاتبة السودانية آن الصافي مقسمة لثلاثة وعشرين فصلا، كل فصل يبدأ باستهلال يشكل ترميز سردي له علاقة بالسرد الذي يحويه الفصل. تكمن أهمية الاستهلال عندما يصير لوحة تجمع خيوط السرد في خلفيتها، وبذلك تمثل تركيزا لجميع الصور في بؤرة الوعي، مما تحفز العين على التقاط التفاصيل الدقيقة التي تشكل فسيفساء اللوحة قبل الدخول إلى عالم السرد لاستشكافه واستبصاره.
هذا ما قامت به الكاتبة من خلال روايتها توالي، إذ اصطحب كل فصل من فصول الرواية استهلالا يجعلك تتوقف عنده قبل رحلة العبور، فكأن الكاتبة تضع الاستهلال كلوحة، ومن ثم تنشد تفاصيلها داخل واحة السرد، أو كأنها تقول لك توقف عند العتبة فثمة تفاصيل دقيقة لا تظهر إلا من هنا، لذا يصير الاستهلال عندها قوس قزح سردي يدخلك إلى عالم النص. 
وفي هذه الدراسة سنأخذ بعض الاستهلالات التي وردت في فصل الرواية ونرحل في عالمها لكي تكشف لنا ولو قليلا عن المعنى التي تكثفه في داخلها، وسنقوم بوضع الاستهلال بين قوسين تمييزا له عن الكلام الذي يتبعه.
 (كيف للحياة أن تصنع الحياة؟)
 هو تساؤل يتطلب التفكير فيه عميقا، فالحياة تصنع الحياة عندما نحياها بشرطها الأعمق، ونكافح في سبيلها ونتحدى ونتجاوز عقباتها بكامل الإبتسام، فالحياة التي تصنع الحياة هي نمتلئ فيها حياة، وشغفا، ووعيا بأقدارنا وبما يحيط بنا، ستجد هذه المعاني مبثوثة في سرد هذا الفصل، كيف كافحت شخصيات الفصل رغم ظروفها لتقتلع حقها في الحياة رغم الظروف والتحديات، فبعضهم يمتلئون بالحياة وإن كانوا عند أطرافها.
 (العصافير الملونة تلهم العين سبل الجمال)
فهنا ليست الحياة في المادة وحدها، بل في طاقة الروح، في الشفافية وإدراك الجمال في عوالمه المختلفة، الجمال لا حصر له، وكذلك الكائنات الجميلة والملهمة تملأ الكون بطاقتها، وجمالها، وتحليقها.
 (قد تكون هناك كائنات مثلنا أو مختلفة عنا، لم نجزم بأن الإنسان أرقاها)  

نص مواز
استفزت الشغف ليرحل في عوالمها

 العالم ملئ بالاكوان والحيوات، والمخلوقات، ما الذي يجعل البشر يتطاولون على الكل ويظنون أنهم الأرقى، أليس الله هو الخلاق، أليس التفضيل ليس على الإطلاق بل على كثير من الخلق؟ إذن لا جزم، ففي براحات ثمة الكثير الذي لم ندركه بعد، والذي ربما يحتاج لطاقة إدراك لا نملكها.
 (الحقائق غير حاسمة تتفاوت بنسبيتها في تعاريج الفكر ومدى تصديق القلب والحواس)
هنا بناء للحقائق على نسبيتها، فما تراه تخاريفَ، ربما يمتد كحقيقة لغيرك والعكس، كما العقول تختلف في إدراكاتها، يختلف الناس حول ما يرونه سواء كان حصادا فكريا، أو معتقدا قلبيا فلمَ نضيق الواسع ونضيق بالمختلف؟ والبراحات تسع حتى ما لا نراه.
 (أصابع اليد الواحدة لها مهمة البسط والقبض كما القلب ولليدين فعل التماسك كما الروح والعقل)
هنا تأتي فلسفة الروح التي تمتاح من حالات الوجدان قبضا وبسطا، فكما تعمل اليدين ويضخ القلب الدماء في الشرايين، كذلك ترحل الروح علوا وهبوطا، ويذهب القلب في رحلات الإنارة والإظلام.
(في دواخلنا فرق موسيقية تنتظر الحب وأجنحة الخيال)
نحن كون من الروعة، الجمال يسكننا والدهشة تسور تفاصيلنا، فقط ننتظر اللحظة التي تفك شيفرة القلب لتعطينا إمكانية التحليق ورسم الحياة على شفاه الأفق، سيحولنا الحب إلى كائنات أخرى، ناضجة الوجدان سامقة الفكر وريثة المعرفة والحب والجمال.
(بين الظاهر والباطن تكمن الحقائق ورغباتنا الدفينة)
هنا المساحة التي تفصل العمق عن السطح، السير عن السكون، السر عن العلانية، إنها مساحة الحياة لنكتشفها بوعي لندرك ذاتنا بتبصر، لنعمر لحظاتنا بشهي المعرفة وخلاصات زاد الروح.
 (الكون عزف موسيقي ليس إلاّ)
الكون ليس واحدا كما الأوتار التي تخرج نغماتها، في اللحظة التي أكتب فيها الآن ربما ثمة كائنات تنام على حروفي لكني لا أراها، لذا الأبعاد ليس كما نرى، فامتدادات الكون لم تسبر بعد، وحيواته كذلك، ما عليك إلا أن تعزف موسيقاك المفضلة وتحترم مساحتك، فأنت ليس الكون وليس كل الكون لك، فالعزف لك ولغيرك، وما تراه لك قد يعمره معك غيرك توازيا لا تراه.
 (الأدب الحقيقي لا يلزمه شعارات جوفاء)
(حين تكون الكتابة عملا ترفيهيا متعالية عن هم البسطاء لن يصنع الترف إبداعا) هكذا قالت الكاتبة في نفس الفصل، حيث رسالة الأدب تحمل دوما مشعل الاستنارة وتحتضن أحلام البسطاء، وتلهم الروح لتصنع جمالا، لتكون حياة تشهد لنا بأننا قد عشناها.
(موطن الجمال روح تسبر النقاء في كل عين) 
هنا مكمن السر فموطن الجمال في تلك الروح التي لا ترى غير الجمال في شغفها وبحثها عن التفاصيل، بل تقمصها حتى لروح كاتبة التي تحبها لتسرد علينا هذه القصة متسلقة جدر المخيلة ومتقمصة للخارطة الذهنية لتسرد علينا تفاصيل رواية رأتها بعين النقاء.
خاتمة
يبدو أن فك ترميز هذه الاستهلالات يقود لنص مواز لما حوته هذه الرواية من جمال سردي امتاح من الفلسفة والمعرفة والعلم والتاريخ، بلغة ثرة ورقيقة ومنسابة وجميلة، وقد أحسنت الكاتبة في استهلالاتها التي استفزت الشغف ليرحل في عوالمها.
كما أشير بأن هذه الرواية صدرت عن دار فضاءات، الأردن (عمان)، عام 2015.