الاستثناء الهندي بعيون تونسية.. قوة ناعمة تحتكم للفكر والفن

'عنوان لكل أنواع المفاجآت ومهد لكل العجائب والغرائب'

تعد الهند استثناء بين مختلف دول العالم، ولعلها البلد الوحيد الذي يفوق عدد المهرجانات والمناسبات الاحتفالية فيه عدد أيام السنة، اذ لا يكاد يمر يوم واحد في الهند دون احتفالات بعيد الشكر للأرض او الالهة التي تعد بالاف اوالشمس اوالبقر او النهر وكل المناسبات مهمة ومطلوبة لاحياء الاحتفالات وضمان الخصوبة واستمرار الحياة والتغلب على ما فيها من تحديات وصعاب في بلد يفوق عدد سكانه المليار وثلاث مائة مليون نسمة وهو مرشح لتجاوز عدد سكان الصين خلال عقد من الزمن.

كيف وجدت الهند؟ ذلك هو السؤال الذي يتعين على العائد من الهند الاستعداد له والبحث في ذاكرته المحملة بالصور والاحداث المليئة بالتناقضات لإرضاء فضول المتطلعين لاخبار هذا البلد، وهو بالتأكيد واحد من أكثر الأسئلة تعقيدا والتي قد لا يكون بإمكان اكثر العارفين بشؤون هذا البلد تقديم اجابة محددة بشأنه.

بل لعله البلد الذي يشكل استثناء في العالم حيث يكاد يجمع أغلب من كتبوا ودونوا جولاتهم في شبه القارة الهندية على أن الهند يظل بلد كل المتناقضات وهو الذي اتسع ليكون حضنا لاكبر فسيفساء بشرية بمختلف اللغات والاديان والتقاليد والحضارات لذلك فان الحديث عن الهند ليس بالامر الهين بل انه يكاد يكون السهل الممتنع.

فالهند الذي كان ولا يزال يعرف بطريق التوابل ويوصف بأكبر ديمقراطيات العالم عنوان لكل أنواع المفاجآت ومهد لكل العجائب والغرائب، انه رحلة متواترة بين الماضي والحاضر بين القديم والحديث وفيه تتعايش وتتآلف كل أنواع الحيوان مع البشر تعايشا غريب بدأ قبل الاف السنين واستمر مع الحضارات المتعاقبة.

وفي كل محطة من محطاته يستعيد الزائر عناوين كل القصص والاساطير والحكايات المتوارثة بين مختلف الثقافات في العالم، وقد لا تكون رائعة كليلة ودمنة لابن المقفع ومآثر الحكيم بيدباء التي تعد ترجمة لاساطير بانشاتتنرا التي تعود للقرن الثالث قبل الميلاد سوى واحدة منها.

في الهند او شبه القارة الهندية يتقابل الشيء وضده من خصوصيات الشرق الى ابرز مميزات الغرب في بلد دخل النادي النووي بقوة واتجه الى اكتساح الفضاء والى التحول الى قوة اقتصادية و تكنولوجية يحسب لها الف حساب ولكنه في ذات الوقت البلد الذي يعاني اكثر من ثلث أبنائه من الجوع والفقر والتهميش والضياع والبلد الذي لا يزال وباء السل ينهش أطفاله... في شوارع العاصمة السياسية وانت تشق طريقك صباحا في شوارع العاصمة دلهي صباحا ستتعود على رؤية مجموعات من الأطفال وأحيانا عائلات باكملها وهي تستقبل نهارها الجديد وتطوي فراشا بسطته أمام افخر المباني والمؤسسات تأوي اليه ليلا.

عائلات مشردة تفترش الأرض وتلتحف السماء تستيقظ ببطء في الساعات الأولى للصباح غير مكترثة بما يدور حولها ولا مهتمة بأنظار المتطفلين فقد تعودت على حياة التشرد والشوارع.

تستيقظ صباحا وتوقد نارا على حافة الطريق لتصنع ما تحتاجه من شاي وخبز ثم تمضي بحثا عن رزق يومها.

تلك صورة من صور التناقضات الحاصلة في بلد القوة الناعمة التي تقتفي اثر الصين وتسعى لاكتساح العالم عبر التجارة ولكن أيضا عبر سلاح التكنولوجيا الحديثة والاستثمار في العقل البشري وتنمية قدرات أطفال المداس والطلبة على البحث العلمي وتحفيزهم على المبادرة والاقتداء بانشتاين الذي اوجدوا له نوادي علمية في كل المدارس والمعاهد وجعلوه رفيقا لاطفال المدارس وشريكا لهم في اكتشافاتهم العلمية الصغيرة.

تماما كما جعلوا من صناعة السينما بوليود طريقا لغزو القلوب وهي اليوم قبلة نجوم الفن والسينما في العالم وعنوان للانتشار الثقافي الجديد واختراق كل البيوت عبر الشاشات التلفزية.. والهند قبل كل ذلك حديقة من الازهار والألوان الزاهية التي يقبل عليها افقر الفقراء كما أغنى الأغنياء في مناسباتهم اليومية واحتفالاتهم الدينية يصنعون منها البساطات والمفارش التي تزين مداخل البيوت والمعابد والمحلات والفنادق لاستقبال الزائرين من مختلف انحاء.

كيف يتعايش الهنود اذن في خضم كل هذه التناقضات؟

انت ايها الفن حاكم عقول الجميع...

ربما يكون من المهم وقبل البحث عن إجابة شافية عن سر التعايش السلمي في هذا البلد الإشارة الى أنه قد يكمن في حكمة من كتب النشيد الوطني للهند وعنوانه الذي جعل من الفن حاكما للعقول ومرشدا لها، بما يعني أن الفن يمكن أن يكون نبراس الأوطان و طريقها الى تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والانتصار للمواطنة وحدها دون اعتبار لكل الانتماءات والتوجهات الدينية والمذهبية.. وتقول كلمات النشيد الوطني للهند "انت أيها الفن يا حاكم عقول الناس.. انت ياصانع مصير الهند".

ولعل أيضا في الإرث الثقافي والتاريخي والتمازج الحضاري الغني لهذا البلد ما يعد رافدا إضافيا للتعايش في هذا البلد ولكن أيضا محفزا للهند ليكون قوة ناعمة تتطلع الى استقطاب دول الجنوب وتعزيز التعاون في مختلف المجالات العلمية والطبية والفضاء والطاقة البديلة التي باتت الهند أخد اكبر وأهم روادها.

الهند أيضا أشبه بالمتحف الاثري المفتوح يمنح الزائر فرصة الوقوف واستكشاف الإرث الذهبي للمغول في المثلث الذهبي للهند انطلاقا من العاصمة السياسية نيودلهي الى اغرا مقر الحكم السابق لحكام المغول ومقر تاج محل أحد اعاجيب الدنيا السبعة الى جايبور المدينة الوردية... انه المثلث الذي صنع امجاد الهند عبر التاريخ وهو الذي يمنحها اليوم أسباب الصعود والتميز كقوة اقتصادية وعسكرية نووية و تكنولوجية و علمية وثقافية يحسب لها الف حساب.

الهند طريق التوابل والاساطير

الطريق الى الهند مؤثث بحكايات وأساطير رسمت عناوينها بدقة على المباني التاريخية في مختلف رحاب هذا البلد حيث تتنافس معابد الهندوس والسيخ والبوذيين بالكنائس المسيحيين وماذن المساجد والمزارات الاسلامية ولكنه مرسوم أيضا بالفن... و لكل طائفة من الطوائف المكونة للشعب الهندي الذي تجاوز المليار وثلاث مائة مليون نسمة ومرشح للتفوق ديموغرافيا على الصين خلال العقد القادم مواقعها وطقوسها وأتباعها ولكل فضاءاته ورواده... بل لعل من بين الاسباب الواضحة للعيان عن التعايش السلمي الحاصل بين كل هذه التناقضات أن عدد المهرجانات والمناسبات الاحتفالية في بلد المهاتما غاندي يكاد يفوق عدد أيام السنة فكل الايام احتفالات وتبركات بالمواسم الفلاحية وبما تدره الارض من خيرات على أصحابها وكل المناسبات مطلوبة للتزين واستعراض الالوان الزاهية وشكر الالهة على الخصوبة على جبال الهملايا وعلى مشارف الانهار والطرقات والغابات.. المثير أن النشيد الوطني للهند يبدأ بعبارة مفادها "أنت أيها الفن يا حاكم عقول جميع الناس" ولعل هذا ما يفسر ثقافة الاقبال على الحياة والفرح في هذا البلد الذي يعد السابع في العالم من حيث المساحة والثاني من حيث عدد السكان ومهد حضارة وادي السند قبل خمسة الاف سنة على ميلاد المسيح.. تعرف بأنها شبه القارة الهندية والواقع أنها أقرب الى القارة وفيها نحو 1600 لغة بينها 18 لغة معترف بها رسميا كما تصدر فيها اكثر من الف صحيفة يوميةوفيه أيضا نشأت البوذية الاكثر انتشارا وظهر السيخ أما الهندية فقد جاء بها الاريون وجاء الاسلام والمسيحية مع قوارب التجار العرب.

من نيودلهي العاصمة السياسية التي تعد اكثر من أربعة عشرة ملايين نسمة وكانت مقر حكم المغول الذين حكموا الهند اربعة قرون وتركوا ارثا تاريخيا مهما من المباني والمساجد والقصور التي تستهوي السياح الاجانب الى اغرا حيث يمتد قصر تاج محل احد اهم اعاجيب الدنيا السبعة الى جايبور المدينة الوردية تعرض الهند ما ظهر وما خفي من خصوصيات بلد يعترف له العالم بأنه الاكثر نموا اقتصاديا منذ العقد الماضي وبأنه عنوان للقوة الناعمة الصاعدة وهو الذي يمتلك ثالث اكبر جيش في العالم وما انفك يزعج القوى التقليدية بتجاربه النووية الناجحة وينافسها على اكتساح الفضاء وتحقيق النجاحات في تطوير الاسلحة التقليدية الحفاظ على مخترعيه وعلمائه وتعزيز سجله في الاكتشافات العلمية ولكن أيضا في مجال صناعة وتطوير الادوية بأسعار زهيدة قد تعزز موقعه في دول الجنوب أو الدول النامية وهو أيضا البلد الذي يفاخر بتحقيق اكتفاءه الغذائي الذاتي ويتفرد باستهلاك ما تنتجه مصانعه ولكنه مع ذلك لا يزال يواجه تعقيدات وتداعيات الفقر المدقع الذي ينتشر بين اكثر من ثلث السكان ويعيش مخاطر الجوع والتشرد والامراض لاسيما في الارياف.. التناقضات في الشارع الهندي كثيرة والسلطات الهندية لا تحاول اخفاء ذلك ولا تنكر التحديات الماثلة أمامها ممثلة في الفقر والامية خاصة.. و لاغرابة أن تجد المشردين الذين يفترشون الارض ويلوذون بالاشجار لقضاء الليل وهم يستيقظون صباحا ويشعلون نارا حيث قضوا ليلتهم للتدفئة أو اعداد الشاي ولا مواقع محددة لهؤلاء وقد تجدهم في الاحياء الفقيرة او الاحياء الفاخرة وحتى امام مقرات الوزارات وعلى ابواب اصحاب القصور الفاخرة من أثرى أثرياء الهند الذين يمسك واحد بالمائة منهم بثروات البلاد.

والمثير فعلا في هذا البلد ان الكل مقتنع بما هو عليه لا الفقير يشتكي ولا الغني ينزعج ولا يضير اصحاب القصور ان يتواجد المشردون والفقراء على ابواب بيوتهم ويقيمون هناك تماما كما انه لا يضير الفقراء والمعدمون ان تمر السيارات الفاخرة بجانبهم.

قد تصادفك في نفس الشارع افخر المحلات التجارية والمطاعم والبيوت وعلى مقربة منها ابسط وافقر المباني والمحلات.. والامر ينطبق على المدارس أيضا فبعضها أشبه بالمدارس الملكية البريطانية يؤمها تلاميذ يتمتعون بكل الامكانيات التقنية يتنقلون في عربات فاخرة وغير بعيد عنها تلاميذ يفترشون الارض ويدرسون تحت ظل شجرة.. وقد لا يكون هذا المثال الوحيد عن التناقض الحاصل في بلد يتطلع الى أن يكون قياديا في التأسيس لعلاقات جديدة للتعاون جنوب جنوب واعتماد القوة الناعمة وسلاح الديبلوماسية لاستقطاب الدول النامية وبناء جسور من الثقة معها.

في الهند الحديثة يتقابل وجها لوجه الشرق في عصور بدائيته مع الغرب في عصور حضاراته وتطوره من ناطحات السحاب واحدث أنواع وسائل النقل والسيارات الفارهة الى اكثرها بدائية ممثلة في العربات التي يجرها الانسان او تجرها الحيوانات، تسير جنبا الى جنب على الطريق السريع ولا يبدو ان التناقض يثير الهنود الذين تعودوا على كل صوره في تناغم مثير وكأن الكل مقتنع بنصيبه في الحياة.

في الهند فقط يمكن لعربات "التك التك" ان تقف بك في منتصف الطريق السريع لتلتقط صورة للذكرى .طريقة الهنود في سياقة تثير الرعب في النفوس لمن لم يتعود على شوارع الهند ولكن طريقة الهنود في المراوغة عالية فاغلب الطرقات لا تعتمد الاشارات المروروية التي توجد على المفترقات الكبرى فقط ولذلك فان اغلب السائقين تجدهم يقودون بيد على المقود واخرى على المنبه وهو الصوت الذي لا يكاد ينقطع عن شوارع دلهي ولا غيرها من المدن الهندية والتي برغم درجة الازدحام والاكتظاظ وبرغم كل مظاهر الفقر المدقع فيها فلا يمكن أن ترى او تسمع فيها خصاما او صراخا باستثناء اصوات الباعة والتجار.

هدوء في الطباع

والواضح ان طبيعة الهنود على درجة من الهدوء المثير وليس من السهل استفزازهم وانجرارهم الى الغضب فلا شيئ في قناعتهم يستحق ذلك ولهم في مختلف الثقافات والاديان والعادات والتقاليد التي تؤثث للمجتمع الهندي المتنوع وللفسيفساء التي تجعل من المجتمع الهندي كتابا وثائقيا مفتوحا للحضارات التي مرت بهذا البلد، تشهد عليها تلك البنايات العظيمة التي تخلف بهندستها وطابعها المعماري مختلف الاحقاب الهندوسية والاسلامية المغولية التي تركت بصماتها بقوة في القارة الهندية التي يفخر سكانها بارث غني لا يزال يوفر لهم الكثير من العائدات السياحية ويغري السياح من مختلف انحاء العالم على اكتشاف معالمه وقراءة ما تضمنته سطوره من اساطير وحكايات تمتزج بين الخيال والواقع وتحاكي ماثر ومواعظ بيدباء في كتاب كليلة ودمنة الذي يقدم دروس الحياة والحكم على لسان الحيوانات في زمن لم يكن من المباح مصارحة الملك بما يجري في البلاد من فساد او ظلم اوانتهاك للحقوق والقوانين.

ولكن الهند التي غالبا ما توصف بانها أكبر ديمقراطية في العالم تدرك جيدا أن العبور الى صفوف الدول الكبرى يمر عبر كسب رهان التحدي في مواجهة الفقر والامراض والتخلف وفي القضاء على كل مظاهر تردي البيئة.

دلهي القديمة ودلهي الجديدة

تعد القلعة الحمراء واحدة من أروع المواقع الاثرية في دلهي، تتكامل مع الحجر الرملي الأحمر، وأيضا إحدى العجائب المعمارية التي بناها الامبراطور المغولي والمهندس المعماري العظيم شاه جهان.

وهي لا تزال بعد اربعة قرون تقف في شموخ شاهدا على احداث تاريخية ومواعيد كبرى وتحولات في تاريخ الهند الحديث ومنها كان اعلان استقلال الهند عن التاج البريطاني واليها يعود رئيس الوزراء الهندي سنويا للاحتفال بالعيد الوطني.

ولان لكل معلم حضاري في الهند حكاية تتناقلها الاجيال فان القلعة الحمراء لم تخرج عن هذا الامر وقد بدأ بناء القلعة الحمراء، سنة 1640 واستغرق نحو ثماني سنوات لاستكمالها على ضفاف نهر يامونا عندما قرر الامبراطور شاه جيهان باني تاج محل الاسطورية الانتقال بالعاصمة من اغرا الى دلهي.

عبر البوابات الهائلة يمكن الوصول الى القلعة التي تضم مدينة باكملها مؤثثة بالرخام والمجالس مع الديوان العام او مجلس الجمهور العام والديوان الخاص مجلس الجمهور الخاص والحدائق والممرات.

كان وقع عرش الطاووس الأكثر شهرة في هذه القلعة التي تضم من الحمامات والبيوت الخاصة بالحريم والنوافير ما يجعلها متحفا فريدا من نوعه.

وغير بعيد في الجهة الموازية يطالعك مسجد الجامع الكبير أومسجد موتي الجميل، الذي بناه الملك أورنغزيب ابن شاهجهان بالرخام أبيض اللون.

والقلعة الحمراء هي واحدة من أفضل القلاع المحفوظة في الهند وشهدت أيضا كثيرا من الاضطرابات الداخلية. وكانت مركزا للحركة السياسية في عهد الامبراطورية المغولية. وقام البريطانيون بسجن الامبراطور الأخير بهادور شاه ظفر في هذه القلعة واستخدموا قلاعها لبناء بعض المباني لعسكرهم الاحتياطي.

ومن هذه القلعة أعلن أول رئيس الوزراء في الهند جواهر لال نهرو حرية الهند.

ومنارة قطب هي احدى المعالم الكبيرة غير بعيد عن القلعة الحمراء في الهند وكذلك احدى أروع الأمثلة في فن العمارة الإسلامية التي تتميز بها مدينة دلهي. قام قطب الدين آيبك ببناء أطول مبنى في الهند في القرن الثاني عشر، وهو أطول برج في الهند مع ارتفاع 72.5 مترا.

يتكون البرج الجميل من الحجر الرملي الأحمر ويملأ بآيات القرآن الكريم المنقوشة عليه. الى جانب النقوش الاخرى للزواحف والزهور والهندسة المعمارية الفريدة التي تجعل منارة قطب واحدة من الأبراج الأكثر مثالية في العالم.

ويقال ان البرج بني من مجموعة من المعادن ولا يعرف سرها او تركيبتها او حتى من اقامها في ذلك الموقع وهي الى جانب معبد اللوتس وضريح الزعيم غاندي ولال نهرو لا يمكن لاعين الزائر أن تغفل عنها.

جايبور..المدينة الوردية... الاذن تعشق قبل العين احيانا

تعرف بأرض الملوك جمعت على سطحها كل عجيب من الفنون والمعمار والمباني، وهي تحفة فنية تسر الناظرين ولا يسوءها سوى مظاهر الاوساخ المتراكمة التي تمثل احد اكبر التحديات للحكومات المتعاقبة في الهند.

وتبقى جايبور تحفة فنية تفنن في صنعها مهندسين ونحاتون ورسامون مهرة برعوا في تخليد مرحلة تاريخية من مراحل الحضارة الهندية.

وتقع جايبور شرق الهند على الحدود مع باكستان وتعرف بالمدينة الوردية وهي عاصمة ولاية راجستان اكتست ولا تزال حلة وردية لا تزال ترافق مختلف مباني المدينة منذ زيارة أمير واليز للمدينة حيث اختار الأهالي هذا اللون للتعبير عن كرمهم وترحيبهم بالضيف حتى وان تعلق الامر بأحد رموز عائلة المحتل البريطاني لبلادهم.

وتبقى جايبور اليوم أحد أهم الأقطاب السياحية للهند وهي مركز تجاري هام و تبقى أول مدينة ذات تخطيط عصري وهي مزيج بين الفن الإسلامي والهندوسي وتنتشر بها القصور واشهرها قصر "هواء محل" او قصر الهواء الذي شيد بطريقة هندسية رائعة تمنح الاميرات ونساء القصر إمكانية الاطلاع على كل ما يحدث في الأسواق والساحات المجاورة للقصر دون ان يقع عليهن نظر الأجانب وذلك بفضل مئات النوافذ التي تحيط بالجدران.

تاج محل حكاية عشق ازلي وسحر الهند

وزيارة الهند لا تكتمل بدون زيارة تاج محل تلك التحفة الفنية المصنفة ضمن اعاجيب الدنيا السبعة وهي جوهرة وسر الفن الإسلامي بل انها من حكايات العشق الاولي التي تجاوزت كل اساطير الحب.

ويقال ان من زار الهند ولم يكحل ناظريه بقصر تاج محل كمن حج ولم يرو عطشه بماء زمزم.

ويستقبل هذا المعلم نحو 35 الف زائر يوميا يتطلعون لمعايشة قصة عشق تحولت الى اسطورة خالدة.

وشيد القصر الامبراطور المغولي الملك شاه جيهان القادم من اوزباكستان تخليدا لذكرى زوجته ممتاز محل التي توفيت وهي تضع مولوها الرابع عشر عندما كانت ترافقه في أحد غزواته ويقال انه أراد للقصر ان يكون مستوحى من اوصاف الجنة.

وشيد القصر من الرخام الأبيض الرفيع سنة 1632 وهو يتخذ شكل تاج ملكي سمي بجوهرة الفن الإسلامي في الهند.

واستوجب تشييده استقدام 22 الف من المهندسين والفنانين والنحاتين والرسامين والخزافين والعملة وجمع كل أنواع الفن المعماري المغولي والفارسي والتركي والعثماني.

وانتهى تشييده في 1653 ولم يكتب للإمبراطور ان يعيش في القصر الذي شيده فقد انقلب عليه ابنه وسجنه ثم جعل له موقعا غير بعيد من القصر حتى يتمكن من رؤية قصر زوجته الراحلة.

وسر المبنى لم يعرف ولم يكشف كيف يتغير لون الرخام مع انكسار الضوء او بتحول الفصول وتحول الشمس أيضا.

ولكن يبقى المتداول ان القصر بقي كما في الماضي رمز قصة عشق جمعت الامبراطور شاه جيهان بفتاة هندية تدعى ارجمند بيغام ناصف ابنة احد مستشاريه وقد صادفها في السوق وسحر بجمالها وتزوجها قبل ان تسلم ويصبح اسمها تاج محل.

تاج محل أيضا عنوان للمكائد والمؤامرات التي تسود القصور بسبب السلطة والجاه والنفوذ ولكنه يظل عنوان لسر التعايش في الهند بين مختلف الأديان والأقليات التي تشترك في حياكة قصة نجاح القوة الناعمة للهند التي تجتاح العالم فكريا و ثقافيا واقتصاديا وعلميا.