الاستثناء المغربي يبلغ اللجوء والهجرة

اختار المغرب المقاربة الشاملة، ذات الطابع الانساني المستندة الى القانون الدولي بمبادئه المعروفة، من أجل التعاطي مع موضوع خطير مطروح بشكل يومي على المستوى العالمي. انّه موضوع الهجرة والمهاجرين وهو يعني المغرب من منطلق أنّه "كان دائما أرضا للهجرة استقبالا وعبورا"، كما ذكّر بذلك الملك محمّد السادس.

لا يختلف اثنان على أهمية الموضوع الذي يعني مئات آلاف البشر، بل الملايين منهم، كما يعني المغرب. لذلك، وضع "المجلس الوطني لحقوق الانسان" تقريرا طويلا عن "الاجانب وحقوق الانسان في المغرب: من أجل سياسة جديدة في مجال اللجوء والهجرة". وما لبث العاهل المغربي أن أطلع على التقرير معطيا اشارة الانطلاق لمباشرة اعتماد سياسة جديدة تليق بالانسان المغربي وتليق ايضا بالذين يأتون الى المغرب كلاجئين معدومي الحال أحيانا أو كعمّال مهرة أو كمتقاعدين من هذا البلد الاوروبي أو ذاك.

وفّر الملك محمّد السادس الاطار العام الذي يفترض أن يحدّد أي سياسة جديدة تخص الهجرة والمهاجرين "مؤكّدا اقتناع جلالته الراسخ بأنّه يجب التعاطي مع اشكالية المهاجرين والوافدين على المغرب، وهي اشكالية موضع انشغالات مشروعة، كما هي احيانا موضوع نقاش وجدال واسعين، بطريقة انسانية وشاملة مع الالتزام بمقتضيات القانون الدولي ووفق مقاربة متجددة متعددة الاطراف".

من يقرأ بتمعّن التقرير الصادر عن المجلس الوطني لحقوق الانسان وما صدر عن الملك محمّد السادس بعد اطلاعه عليه يُفاجأ أوّل ما يُفاجأ بأن الاصلاحات في المغرب لم تعد تقتصر على الداخل. ما يُفاجئ في التقرير أن الاصلاحات، التي باشر العاهل المغربي في تطبيقها والتي توّجت بدستور جديد وانتخابات عامة على اساس هذا الدستور ثمّ تشكيل حكومة برئاسة زعيم الحزب الذي لديه أكبر عدد من المقاعد في مجلس النوّاب الجديد، تستهدف أيضا حماية كلّ مقيم على أرض المغرب... حتى من كان في وضع غير قانوني.

من هذا المنطلق، جاء في بيان صادر عن الديوان الملكي أن التقرير "أبرز الرصيد العريق لبلادنا كأرض لاستقبال المهاجرين بفعل العلاقات التاريخية التي تجمع المغرب بالبلدان الافريقية جنوب الصحراء، كما تناول الاطار القانوني والدولي الذي ينظّم اقامة الاجانب في المغرب، لا سيما منه دستور المملكة الذي يضمن مبدأ عدم التمييز وحقّ اللجوء والمساواة في الحقوق بين المواطنين المغاربة والاجانب". نعم، ان التقرير يتحدّث عن "حق اللجوء" و"المساواة في الحقوق بين المواطنين المغاربة والاجانب".

مثل هذا الكلام عن احترام حقوق المقيمين على الارض المغربية ليس غريبا، خصوصا اذا وضعناه في سياق الاصلاحات التي تشهدها المملكة، وهي اصلاحات تجعلها تعتمد الشفافية في كلّ المجالات. فالتقرير يقول صراحة للمغاربة ما هي المشاكل التي يعاني منها بلدهم في مجال الهجرة والمهاجرين. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، جاء في التقرير: "لا يمكن للمغرب، كبلد ينتمي الى القارة الافريقية التي تواجه تحدّيات التنمية وتعيش بانتظام على وقع ازمات سياسية ونزاعات مسلّحة، أن يظلّ بعيدا عن عواقب هذا الوضع المضطرب والمرشح للاستمرار". اضافة الى ذلك، ورد في التقرير "ان المغرب يعاني، بما لا يدع مجالا للشكّ من آثار السياسة الصارمة التي تعتمدها اوروبا لمراقبة حدودها الخارجية".

في النهاية، لا مجال للهرب من الواقع الجغرافي. ان المغرب جسر بين اوروبا وافريقيا. وهذا ما جعله يدخل "خانة الدول المعنية بعولمة التنقلات البشرية". فالمغرب "أضحى ملتقى لديناميات متنوعة للهجرة، ما يجعل المملكة تتحول بشكل تدريجي لا رجعة فيه الى بلد متعدد الاجناس".

لم يترك التقرير جانبا من الجوانب المتعلقة بالهجرة والمهاجرين الا وعالجه بلغة جديدة تتناسب والتطورات التي يمرّ فيها العالم. غلب الجانب الانساني على المعالجة، خصوصا عندما يتعلّق الامر بحماية المهاجر غير الشرعي من العنف و"ضمان احترام مبدأ عدم الترحيل بصفة كونه حجر الزاوية في القانون المتعلّق باللاجئين كما تنصّ على ذلك المادة 33 من اتفاق جنيف للسنة 1951".

ذهب التقرير الى ابعد من ذلك. تطرّق الى مكافحة الاتجار بالاشخاص ودعا الى "منح الاجانب المقيمين في المغرب امكان المشاركة في الانتخابات المحلية اما بمقتضى القانون أو تطبيقا لاتفاقات دولية أو ممارسات المعاملة بالمثل" وفقا لما ورد في الدستور المغربي. كذلك دعا الى اعطاء العمّال المهاجرين حقوقا نقابية بما في ذلك "ولوج المناصب الادارية ومواقع التسيير في النقابات التي ينضوون تحت لوائها".

لا شك ان تطبيق هذه التوصيات ليس ممكنا من دون حملة توعية في الداخل الغربي. ولذلك، دعا ذلك المجلس الوطني لحقوق الانسان وسائل الاعلام والصحافيين المغاربة الى الامتناع عن ممارسات معينة من بينها "الامتناع عن نشر أي خطاب يحثّ على عدم التسامح والعنف والحقد وكراهية الاجانب والعنصرية ومعاداة السامية والتمييز ازاء الاجانب".

ما يطرحه المجلس الوطني لحقوق الانسان في المغرب يتلاءم مع طموحات المملكة التي استطاعت بالفعل أن تكون استثناء عربيا وافريقيا وأن تعدّ نفسها لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين من دون عقد. كلّ ما في الامر أن هناك قرارا بالانتماء الى العصر وليس العيش على هامشه. والواضح أن التقرير ذا المواضيع المتعددة الذي وضعه المجلس الوطني لحقوق الانسان جزء لا يتجزّا من هذا القرار الجريء الذي لا يتخذه الا اولئك الحكام الذين ينظرون الى المستقبل البعيد ويرفضون البقاء في اسر الماضي.

ان السؤال المطروح في نهاية المطاف هل المغرب جزء من هذا العالم الذي دخل الثورة التكنولوجية أم انه في موقع المتفرّجين الذين يجلسون في اماكنهم لا يدرون ماذا يفعلون، كما حال بعض العرب والافارقة عموما؟