الاستثمار في اليمن بين الحقيقة والوهم

بقلم: محمد السقاف

الاستثمار "الاستراتيجي" في اليمن سراب ووهم. هذا ما كرسه وأكده الواقع بكل ما فيه من فوضى وغياب للنظام والقانون، واستعراض للعيون الحمراء وممارسة للسادية والعنجهية القبلية التي يخشاها رأس المال والتي يتحاشاها كل من لدية ذرة من عقل وكرامة. ولا أدري لمصلحة من ولأي غاية يتم الترويج الوهمي لذلك الوهم المسمى "الاستثمار الاستراتيجي"، مع الإقرار والتسليم الكاملين بأننا في عموم اليمن نمتلك في حقيقة الأمر مقومات شبه متكاملة قل أن تجتمع معاً في دولة واحدة يمكن بها أن نكون أفضل دولة في المنطقة في هذا الجانب تحديدا فضلا عن غيره. ولكن كل تلك الإمكانات والطاقات أو الثروات وهي كذلك تم تبديدها وما بقي منها تم تعطيله بتلك الحيثيات وبسبب ممارسات غاية في الهمجية لا يقبلها حتى القادمون من العصر الجاهلي الذي كانت تسوده القيم والأخلاق وثبات المبادئ التي نحن لا نملك منها اليوم في هذا المقياس حتى قطمير. هذا وللأسف هو بعض من حقيقة كبيرة وواقع مؤلم جاثم على صدر اليمن ومفجع للفقير الذي ليس لديه ما يخشى عليه فكيف برأس المال الذي لا يضع بيضه إلا في السلال الآمنة والمضمونة بنسبة تفوق 100% مع المزيد من التدابير والاحتياط التي لا تتوفر في واقعنا حتى أدناها.
هذه حقيقة أثبتها هروب المستثمرين وتذمر المتورطين الذين لا نرى منهم على سطح الواقع إلا "الاستسمار" في الأراضي. نعم ليس خطأ "استسمار" من فعل "تسمّر" أو "تسمير الشيء"، لأن نواياهم ومشروعهم في حقيقة الأمر لا يتجاوز مرحلة امتلاك الأرض فقط وكأنه الغاية وعند هذا ينتهي الأمر أو يبقى إلى أجل غير محدد. وهنا لا يخالف هذا العموم إلا من له مآرب أخرى غير المال وأهم منه. وقد فطن مؤخراً إلى ذلك الأخ الرئيس (علي عبدالله صالح) وأعلن مهلته المحددة لوضع حداً لهذه المخادعة السافرة التي أصبحت مكشوفة حتى لدى العوام. ولكن هذا لا يكفي فبعض هؤلاء بالفعل لديهم نوايا حسنة جدا وخطط طموحة جريئة ولكن الواقع الذي أشرنا إليه أنفاً هو العقبة الأولى في سبيل تحقيق شيئاً من ذلك وفي أي طريق آخر لخير اليمن فإن أي عقبة سواها يمكن تجاوزها.
ما أن يزور الأخ الرئيس أي دولة وخاصة من دول الجوار إلا ويبرز الخوض في هذا الجانب مع أن المتحدثين في ذلك وخاصة من إخواننا في دول الجوار سواء كانوا مستثمرين أو إعلاميين أو غيرهم يعلمون جيداً واقعنا أكثر من أكثرنا ولكن الغزل السياسي والمناورات وسياسة رمي العظم للجائع تفرض ذلك.
وعلى كل فالأمر برمته لا يتعدى ولن يتعدى مرحلة الكلام والزيارات والاستضافات في أفخم الفنادق بأرقام وحجم ومظهر لا يتناسب مع حال دولة فقيرة كاليمن أو حتى أكبر قليلاً.
إن من يراقب ذلك سيعتقد أنه يشاهد مسلسل كرتوني بعدد حلقات المسلسلات المكسيكية التي لا تنتهي يتضمن قصة بين ثعلب ماكر وفأر غبي.
أبرز مكامن هذا الخلل، وليس كلها، هو عدم وجود المصداقية بين الطرفين وعدم الجدية لدى القائمين. ولكي ننصف الأخير فلنقل قلة حيلتهم في عدم قدرتهم على تغيير الواقع الذي أشرنا إليه أنفاً والذي هو في الحقيقة أكبر من قدراتهم وقدرات عموم اليمن. فهذه أكبر كارثة جاثمة على صدر اليمن وبها يتضاءل الأمل في تجاوز هذه الطامة بقدر قلة المنتفعين بها ويتبدد بقدر كثرة المتضررين منها، وكأن لسان حال الواقع يقول لا عزاء لمن لا حيلة له. ولكننا نقول حتماً سينتهي هذا المسلسل الكرتوني، وإن غداً لناظره قريب. محمد السقاف alsaggaf_m@yahoo.com