الاستاكوزا: أسرار العنف والحب!

بقلم: رجب سعد السيد
الاستاكوزا تفسر لنا سبب العدوانية

الاستاكوزا اسم له رنينه الخاص في معظم سواحل العالم، يدل على مجموعة من القشريات البحرية، التي تشتهر في معظم البلاد العربية بأسماء مختلفة، منها "الكركند" و"عقرب الماء"؛ وإذا ورد اسمها في حديث، ارتسمت الابتسامات على الشفاه، وتناقلت الألسن كلمات مثل، القوة والنشاط والحيوية!
إن الحصول على وجبة من الاستاكوزا يعد لدى سعداء الحظ حدثا حياتيا قد يصعب تكراره، فثمن تلك الوجبة مرتفع في معظم بلاد العالم؛ ويحلو لبعض المطاعم الفاخرة أن تشير إليها على أنها طعام الملوك والمليونيرات!
وقد حاولت، منذ سنوات طويلة، أن أتحقق - لدى العلماء، وليس في المطاعم - من صدق المقولات والوصفات الشعبية المرتبطة بالاستاكوزا، فلم أجد أبحاثا علمية متصلة بهذا الموضوع مباشرة، تؤكد أو تنفي الخبرة الشعبية بأسرار الاستاكوزا.
وقادتني المصادفة إلى صورة لنقوش جدارية في معبد "الدير البحري" بجنوب مصر، فوجدت الفنان المصري القديم ينقش رسما واضحاً للاستاكوزا على جدران ذلك المعبد، مما يؤكد أن تلك الخبرة الشعبية بالقدرة التنشيطية للاستاكوزا ليست وليدة عصرنا، وإلا ما اهتم الفنان القديم بتسجيل خبرته بها نقشاً.
وانتهى تفتيشي عن أعمال علمية تهتم بكشف الستار عن بعض أسرار الاستاكوزا، إلى محصول لا بأس به من الأبحاث، قد يفيد عرضها في تقديم هذا الكائن القشري البحري ذي المظهر المزعج، إلى من لا يعرفونه.. أما من عرفوه على مائدة الطعام، فلعلهم مكتفون بتجربتهم، ولا يهمهم كثيراً أن يضيفوا معلومات إلى ما تحصل لديهم!
نبدأ بدراسة بيئية موسَّعة، تهدف إلى تهيئة البيئة المناسبة لتوالد ونمو الاستاكوزا في مياه ولاية فلوريدا الأمريكية، لإغناء مصايد الاستاكوزا فيها، بعد أن تزايد الطلب عليها في المطاعم والأسواق الأمريكية والعالمية.
وقد بدأ علماء جامعة ولاية فلوريدا بتتبع دورة حياة النوع الشائع من الاستاكوزا في مياه البحر الكاريبي وخليج المكسيك، ويسمى بالاستاكوزا الشائكة؛ ويصل عدد البيض الذي تضعه الأنثى الواحدة منها إلى أربعين ألف بيضة. تعطي البيضة عند فقسها كائنا يرقيا دقيقا، يبدأ جولة غير محددة المعالم، هائما في المياه المحيطة بموطن آبائه، تستمر لمدة عام كامل، يتعرض خلالها لعدد من عوامل الهلاك، أهمها الافتراس، فهو يمثل بنداً أساسيا في قوائم غذاء كائنات بحرية أخرى.. كما أنه قد يقذف به بعيدا عن البقعة الملائمة لاحتضانه وتربيته، فيلقى حتفه. ولا يجد طريقه إلى تلك البقعة إلا عدد قليل من اليرقات التي تبدأ في التحور إلى شكل يرقي جديد، قريب الشبه بالحيوان الكامل، لا يأكل طوال فترة سعيه في المياه الشاطئية، بحثا عن مكان مناسب على القاع، يحط عليه، وينمو إلى الطور الكامل.
وهنا، تبرز المشكلة التي يواجهها كل من الاستاكوزا ذات الأشواك، وعلماء البيولوجيا والبيئة بجامعة فلوريدا.. فمحصول الاستاكوزا يتناقص، نتيجة مشكلة السكن التي تعاني منها تلك الكائنات البحرية المشتهاة.. فهي تحب القاع نظيفا مفروشا بالحصى؛ ولكن النشاط الآدمي أفسده، فغمره بالمخلفات وخبث الصرف الصحي، فهجرت الاستاكوزا المنطقة؛ فما العمل؟. أثبتت التجارب إمكان اجتذاب صغار الاستاكوزا إلى المواقع التي دمرها التلوث، إذا أقيمت لها فيها مساكن خاصة تأوي إليها، عبارة عن كتل أسمنتية صغيرة مثبتة على القاع. ويأمل العلماء أن يكون ذلك الحل مجديا، وتعود مصايد الاستاكوزا إلى سابق عهدها..
وفي أحد مراكز البحث العلمي في "وودز هول" بولاية ماساشوسيتس الأمريكية، يهتم مجموعة من علماء البيولوجيا والوراثة بدراسة لون درقة النوع المعروف باسم "الاستاكوزا الأمريكية"؛ فذلك النوع يتميز باللون الأحمر المنقط بالبني.. ويظهر، من وقت لآخر، عدد قليل منه تتميز درقته باللون الأزرق، فما تفسير ذلك؟
يرجع العلماء وجود الاستاكوزا الزرقاء إلى عاملين مهمين، هما: الغذاء والوراثة. إن درقة الاستاكوزا تأخذ لونها من مادة صبغية ذات لون أحمر صريح، تسمى (استاكزانثين) تدخل في تركيبها الكيميائي، وترتبط بواحد من عدة مركبات بروتينية لها القدرة على تغيير لونها الأحمر. ويرجع اللون الأحمر المخلوط بالبني الذي يشيع في درقات الاستاكوزا الأمريكية إلى تركيب هذه الدرقات من عدة خلائط للصبغة والبروتينات المصاحبة، تعطي مزيجا من الألوان (أحمر وأزرق وأصفر)، فيسود اللون الأحمر ويختلط بنقط بنية. فإذا افتقدت الدرقة واحدا من هذه البروتينات المحددة للون المادة الصبغية النهائي، اختلف هذا اللون عن المعتاد.
ولعل هذا يفسر ما يحدث للاستاكوزا عند طبخها، إذ تتحول الدرقة إلى اللون الأحمر الصريح، نفس لون المادة الصبغية الخالصة، وذلك لأن الحرارة تحطم ارتباط هذه المادة بالمركبات البروتينية التي تؤثر عليها وتعطيها ألوانها المختلفة.
والمعروف أن البروتين مركب عضوي يتكون من سلسلة من وحدات أقل حجما هي الأحماض الأمينية، التي يتحدد نظام توزيعها وطريقة ترابطها في المركب البروتيني وراثيا. فإذا حدث نقص في أحد هذه الأحماض الأمينية، نتيجة لنقص أو لتغير في الغذاء، تبعه نقص في كمية البروتين الذي ينتمي إليه ذلك الحمض الأميني. وهكذا، يمكن تفسير تأثير تغير أو نقص الغذاء على لون درقة الاستاكوزا.
أما حكم الوراثة في إكساب الدرقة اللون الأزرق، فيرده العلماء إلى احتمال وقوع خطأ في شفرة الصفات الوراثية التي تنظم تخليق بروتينات التلوين، فيقل إنتاج البروتينات المظهرة للون الأحمر، ويزيد إنتاج المظهرة للون الأزرق. ولا تزيد قيمة هذا الاحتمال على 20 أو 30 في المليون.
أما في مدرسة هارفارد الطبية، فإن العلماء يأملون، من خلال برنامج طموح للدراسات العصبية، أن يتمكنوا - بمساعدة الاستاكوزا - من الكشف عن الدوافع وراء بعض المشاعر والسلوكيات الآدمية، مثل الحب والعنف. وهم يرون في الاستاكوزا الأمريكية أفضل الكائنات التي يمكن أن تقوم بهذا الدور، لقدرتها على بلوغ منتهى العنف في سلوكها العدواني، بالإضافة إلى بساطة تكوين جهازها العصبي.
وتقول أوراقهم البحثية المنشورة إن مواد كيماوية، كالهرمونات، هي التي تملي علينا متى وكيف نقوم بفعل ما، وأيضا تحدد لنا أسلوب رد الفعل. فالأدرينالين، على سبيل المثال، يرتبط تركيزه في الدم بمدى استجابتنا للمواجهة أو لتجنبها. كما أن زيادة إفراز الدوبامين يؤكد حالة الشيزوفرانيا. كذلك، أثبتت الدراسات أن القتلة ومقترفي جرائم العنف والمنتحرين يعانون من خلل في أيض السيروتونين. ولا تزال الكيفية التي تعمل بها هذه المواد داخل أجسامنا، فتغير من سلوكياتنا، محل اجتهادات. فهل ينجح هذا الكائن اللافقاري القشري في توضيح الصورة أمام العلماء؟.
وقد قام أحد أعضاء فريق هارفارد بحقن الاستاكوزا بكميات كبيرة من هرمونين تنتجهما بصورة طبيعية، هما السيروتونين والأوكتوبامين، في تجربة تهدف إلى إظهار التأثيرات المتعارضة للهرمونين على سلوك الاستاكوزا. فبعد الحقن بالهورمون الأول وارتفاع تركيزه في جسمها عن المعدل الطبيعي، تتأهب الاستاكوزا للقتال، فتندفع مشرعة كلاباتها. وبعد أن تحقن بالثاني، تتخاذل وتتراجع في استسلام. وأوضحت التجربة أن ما حدث لها في الحالتين هو نفس سلوكها في حالة القتال، وأثناء التزاوج.
لذلك، كان من الضروري أن تستمر التجارب لمعرفة العلاقة بين هورمون السيروتونين والعنف. وتمكن العلماء من تحديد وعزل الخلايا العصبية التي تصب هذا الهورمون في دم الاستاكوزا عند استثارتها وتوصلوا أيضا إلى أن تلك الخلايا لا تحمل منفردة، بل هي جزء من دائرة، تشبه الدائرة الكهربية لمصباح ذي مفتاح يتحكم في رفع أو خفض درجة الإضاءة تدريجيا؛ فتبدأ الاستاكوزا في الاستعداد للقتال بشكل طبيعي، استجابة لأوامر الجهاز العصبي، وسرعان ما تنتج الخلايا هورمونها الذي يرفع من شدة الاستجابة، فتتصاعد شراسة الاستاكوزا. إذن، فالمستوى الطبيعي من السيروتونين في دم الاستاكوزا لا يتعدى دوره إعداد الحيوان للدفاع عن نفسه، فإذا تدخل عامل خارجي، تتابعت خطوات تؤدي إلى رفع تركيز هورمون الشراسة.
الطريف، أن فريق هارفارد ضم إليه عضوا جديدا: أحد علماء الأخلاق والسلوكيات!، وهو- بالطبع - لا يدخل مختبرات البيولوجيا والوراثة، ولكنه يكتفي بمراقبة أحواض خاصة لتربية الاستاكوزا. وتقول ملاحظاته أن السلوك العدواني للاستاكوزا يبدأ من آخر مرحلة يرقية في دورة حياتها. ويسكن صغار الاستاكوزا- في مختبر الدراسة الأخلاقية- كل في حوض منفصل، حماية لها من العنف المتبادل في القتال إذا اجتمعت في سكن مشترك. وتسجل شرائط الفيديو كيف تدور الحرب بين صغار الاستاكوزا. وما دامت الندية متوافرة في القتال، فثمة اتفاق (غير مكتوب) على تجنب جرح الخصم إذا كان هذا الجرح لن يحسم المعركة. فإذا تخاذل طرف وتراجع، كان ذلك دعوة للخصم بأن يستخدم كلاباته كيف يشاء، ليجهز على المستسلم. ويحاول الخاسر الفرار، ولكن المنتصر يلاحقه بضرباته. ويصيب الاستاكوزا المنتصرة ما يشبه السعار، وتظل تحقق انتصارات متوالية، حتى إذا كان الخصم أكبر منها!
وتخضع الاستاكوزا، في برنامج مدرسة هارفارد، لتجربة أخرى تهدف إلى تحقيق افتراضات نظرية تقول بأن الاستاكوزا تتبادل التفاهم فيما بينها عن، طريق "رسائل كيميائية" يحملها بولها ورائحة أجسامها، وتعتمد في استقبالها على أجهزة استقبال دقيقة منتشرة في ملايين الشعيرات التي تغطي جسم الاستاكوزا الأمريكية. وبناء على تلك الرسائل، تستجيب لنداءات الحب أو صيحات الحرب.. فإذا وصل مضمون الرسالة، تكفلت العينان بمراقبة ومتابعة تحركات الحبيب أو تحرشات الخصم، فقد تحددت المواقف وأعلنت النوايا!
والتجربة بسيطة، وقد تمت في حوض "زجاجي على شكل حرف Y، حيث وضعت مخلفات بيولوجية لذكر قوي في أحد فرعي الحوض، ومخلفات من ذكر مهزوم في الفرع الآخر، ووقفت إناث الاستاكوزا عند نقطة التفرع، فلم يسرن إلى الخلف، ولكن اخترن التسابق في اتجاه المخلفات الذكرية، وبالتحديد إلى مخلفات الذكر القوي. ولما وصلن إلى النقطة التي تتركز فيها المخلفات، بدأن في ممارسة بعض المظاهر المرتبطة بعملية التزاوج، مثل حركات حفر القاع!
ولا يزال لدى علماء البيولوجيا الكثير من خطط العمل مع الاستاكوزا. لقد تم- مثلا- تحديد مواقع خلايا الأوكتابومين، والتعرف على نوعيتها.. ولكن، كيف تعمل؟ وهل هي مرتبطة بنظام إنتاج السيروتونين؟ وثمة علامات استفهام عديدة لا تزال قائمة أمام العلماء، تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد. وليس علينا إلا انتظار البحث العلمي، بخطواته البطيئة، ليفسر لنا- من خلال الاستاكوزا- لماذا يتحول البشر، دون سبب ظاهري واضح في كثير من الاحيان، إلى العنف والقتل؟ وماذا فينا، أو خارجنا، يصيبنا بتلك الحالة الشائعة التي نسميها الحب؟
ليأخذ العلماء وقتهم في صحبة "الاستاكوزا". أما نحن، فيجب ألا نفلت فرصة تسنح لنا للجلوس إلى مائدة، الطبق الرئيسي فيها هو الاستاكوزا، أيا كان لون درقتها! رجب سعد السيد