الازمة الاوكرانية: بين مخططات الغرب والتحدي الروسي

بيترو بورشينكو الرئيس الاوكراني الجديد، مصر على استعادة شبه جزيرة القرم للوطن الأم أوكرانيا بعد أن ضمتها روسيا الاتحادية بناء على استفتاء شعبي وخيار طوعي لأغلبية سكان القرم من القومية الروسية، وكذلك لديه نفس العزم على قمع التمرد في الأقاليم الشرقية ذات الأغلبية الروسية. هذا ما أعرب عنه في خطاب تسلمه الحكم.

روسيا واوكرانيا تتقاسمان تاريخا مشتركا وأصولا عرقية سلافية واحدة، كلاهما كانتا عضوتين في الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي السابق. لن يجد الزائر لأوكرانيا فوارق عرقية أو قومية بين الروسي والاوكراني إذا تحدثا باللغة الروسية التي يعرفها كلاهما بشكل ممتاز. والمظهر البيولوجي واحد، ولكن عندما يتحدث الاوكراني بلغته فإنك ستجد شعوراً قومياً متناميا لديه واعتزاز بقوميته. معظم الدول الأعضاء في الاتحاد السوفيتي السابق لديها شعور بالخطر من العودة إلى القفص الروسي حيث هناك هيمنة للغة والادب والثقافة الروسية وقمع لكل ما هو محلي.

أوكرانيا مثلها مثل جورجيا تريد أن تنزع عن نفسها المعطف الروسي الثقيل، وأن تلتحق بالفضاء الاوروبي الواسع.

الانقسام في أوكرانيا سياسي، ثقافي، واقتصادي ويجد عمقه في أزمة الهوية التي يعيشها البلد الذي نال استقلاله في عام 1991 بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق. فأوكرانيا بلد متعدد الإثنيات والأعراق والأديان واللغات. وهو منقسم بين شرق يتكلم سكانه الروسية ويرون في روسيا بلدهم الأم، وغرب يتكلم اللغة الأوكرانية ويدعو إلى الانضمام لأوروبا.

ولكن الابتعاد عن الهيمنة الروسية لم يكن سهلاً يوما ما، لأن روسيا لن تسمح بخروج دول المحيط أو بتعبير أخر دول الغلاف الروسي عن هيمنتها لما يشكله ذلك من اختراق لحزامها الامني.

الرغبة الأوكرانية التي تقودها وتُأججُها العناصر الغرب أوكرانية والمعروفة بتطرفها ومعاداتها للروس، وجدت دعماً غربياً أميركياً على وجه التحديد تمثل في تمويل الأحزاب المعارضة الأكثر قومية بخمسة مليارات دولار، لقلب نظام الحكم والإطاحة بأنصار روسيا الاتحادية وبالرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش. هذا الأخير كان قد رفض اتفاقية تؤمن المزيد من التقارب الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي لصالح التقارب مع روسيا.

من خلال زعزعة الاستقرار في أوكرانيا تسعى الولايات المتحدة إلى وقف التقارب الاوروبي الروسي وخلق بؤرة توتر تستنزف الاقتصاد الروسي وتزج بدول الجوار الاوكراني في أتون الصراع الأهلي بين القوميتين الروسية والاوكرانية، وهذا ما سيؤدي بدوره إلى تقسيم البلد وإلى توتر في العلاقات بين روسيا ودول القارة خصوصا المانيا وفرنسا وبريطانيا. الاهداف الاميركية لا تقتصر فقط على زعزعة الاستقرار في هذا البلد بل زعزعة الاستقرار تهدف إلى وقف الاعتماد الأوروبي شبه الكامل على إمدادات الغاز الروسي الاسهل والاقرب والاكثر أماناً لأوروبا، واستبدالها ببدائل أخرى من بينها الغاز الصخري الاميركي حيث لمحت الولايات المتحدة صراحة بقدرتها على تعويض احتياجات اوروبا وتقليص اعتمادها على الغاز الروسي وشبكة امداده العابرة لأراضي اوكرانيا.

وكذلك قد يكون البديل هو الغاز المكتشف مقابل الشواطئ الفلسطينية – الإسرائيلية والقبرصية والذي يقدر بكميات تجارية كبرى. وعلينا هنا أن نتذكر أن الولايات المتحدة لم تتوقف عن محاولاتها في الحد من الاعتماد الاوروبي على مصادر الطاقة الروسية لما يعنيه ذلك من تقارب سياسي واقتصادي روسي اوروبي على حسابها. فقد أفشلت روسيا في ما مضى مشروعاً أميركياً طموحاً لنقل الغاز التركماني إلى أوروبا عبر تركيا والذي تنبهت له روسيا وأحبطته من خلال عقد اتفاقية طويلة الاجل مع تركمنستان. وكذلك منيت السياسة الاميركية بفشل ذريع أخر في سوريا حيث كان يراد أن تمر أنابيب الغاز القطري المتجه صوب أوروبا عبر تركيا من أراضيها بعد اسقاط النظام السوري من خلال الثورة الملونة، لجأت الولايات المتحدة وكخطوة متقدمة ومدروسة لنقل المعركة إلى الجوار الروسي، ولتضرب هدف أخر سعى له الرئيس بوتين وهو إنشاء اتحاد أوراسي مكون من دول الاتحاد السوفيتي السابق كانت أوكرانيا أحد مكوناته الرئيسية... المعطيات الجديدة التي خلقتها الثورة الملونة في أوكرانيا (البلد الشقيق لروسيا حسب تعبير فلاديمير بوتين)، تريد أن تنهي هذا الحلم بتشكيل اتحاد اقتصادي للدول التي كانت في بوتقة الاتحاد السوفياتي السابق، لمنافسة ليس فقط الاتحاد الأوروبي بل والولايات المتحدة والصين.

هذا المشروع الذي يعتبر من الأهداف الرئيسية للرئيس بوتين خلال سنوات حكمه الـ 14 حسب العديد من المراقبين، قد يُجرد من معناه في غياب أوكرانيا التي تعد 46 مليون نسمة وتملك قدرات كبيرة زراعية وصناعية.

والسؤال الذي يطرح هنا: هل نجح المخطط الاميركي بدق اسفين بين أوروبا وروسيا وهل منع روسيا من إنشاء الاتحاد الاوراسي؟

وهل أستطاع أن يحجم الدور الروسي على الصعيد العالمي؟

الجواب قطعي، بالطبع لا...

نشر مركز ستراتفور، وثيق الصلة بالأجهزة الاستخبارية والأمنية الاميركية، في إحدى اصداراته (الجمعة 7 آذار) تقريراً يدحض فيه عقم الادعاء الاميركي، الذي يرمي لدفع الاوروبيين للاصطفاف بقوة خلف السياسة الاميركية على حساب مصالحهم الاقتصادية.

وجاء في دراسة المركز "بالإقرار في رغبة واشنطن الاكيدة للحد من النفوذ الروسي (في اوروبا)، فان قدرتها على الرد تبقى محدودة سيما لتصدير ما يتوفر في مخزونها الاستراتيجي من الطاقة لتحقيق مآرب جيوسياسية." واوضح ان انشاء بنية تحتية تستوعب المزيد من صادرات الطاقة الاميركية لن يتأتى قريبا "سواء في فترة تمتد لعدة اشهر او حتى لسنتين او ثلاثة؛ فالأزمة الاوكرانية ينبغي معالجتها بسرعة اكبر." واردف موضحا لمن فاتته الرسالة "لا زالت القيود تحول من قدرة الولايات المتحدة على التحرك لمساعدة دول اوروبا الشرقية لتقليص اعتمادها على الغاز الطبيعي الروسي.. حكما، ستبقى روسيا تشكل القوة المهيمنة لتصدير الغاز للمنطقة."

وفي السياق أبرمت شركة غازبروم الروسية وشركة النفط والغاز الوطنية الصينية (س.أن.بي.سي) صفقة تقدر بنحو 400 مليار دولار، ستتلقى الصين بموجبها 38 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا على مدار 30 عاما اعتبارا من عام 2018. هذا الاتفاق الأضخم عالمياً يُكسب العلاقات الروسية الصينية بعدا استراتيجيا، ذلك أنه يربط الاقتصاد الصيني بإمدادات الطاقة الروسية لفترات تمتد إلى ثلاثين عاما وربما أكثر من ذلك، ويعطي مؤشرا واضحا على أن روسيا والصين ماضيتان باتجاه تشكيل قطب سياسي اقتصادي عالمي يحسب له حساب.

هذه الاتفاقية ربما تمثل أقسى رد على المخططات الاميركية لعزل روسيا وإضعافها اقتصاديا للحد من طموحاتها في العودة للعب دور مؤثر في الساحة الدولية، وكذلك يمثل تحدياً للعقوبات الاقتصادية الاوروبية المزمع تطبيقها ضد موسكو.

الأزمة الاوكرانية هي أزمة ذات أبعاد دولية هي عنوان لصراع جديد بين موسكو وواشنطن، صراع بين القوى الصاعدة الساعية لإقامة نظام عالمي جديد وقوى عظمى أفل نجمها وتسعى لإطالة عمر هيمنتها على العالم ولوعبر إرباكه بسلسلة من الازمات....

روسيا ومن خلال الازمة الاوكرانية أثبتت أنها تمتلك بصيرة سياسية وقدرة هائلة على تحدي الغرب وإفشال مخططاته، فقد ضمت القرم للأبد دون إراقة نقطة دم واحدة، وأشعلت الشرق الاوكراني ذا الاغلبية القومية الروسية مهددة بسلخه عن أوكرانيا وهو الغني بالموارد الاقتصادية والثروات الطبيعية لتجعل من أوكرانيا دولة مهددة بالانهيار الاقتصادي الكامل إذا لم تجلس على طاولة الحوار وتقبل بالشروط الروسية.

قد تكون الولايات المتحدة هي التي اشعلت الثورة وهي التي مولتها، ولكن ما حصل في أوكرانيا من ثورة ملونة لن يجلب إلا مزيدا من الخسارة للشعب الاوكراني والدولة الاوكرانية. فبعد خسارة القرم، تبدو الدولة الاوكرانية مهددة بصراع أثني- قومي طويل الاجل. لقد خسروا وحدة بلدهم ولم يعطهم الغرب شيئاً مما عولوا عليه به، فلا هم انضموا للاتحاد الاوروبي ولا حصلوا على المساعدات المالية الموعودة.

قد يكون بيترو بورشينكو طموحاً وصاحب عزيمة، ولكن الحقائق على الارض تُشير الى أن ما جاء في خطابه لا يمكن تحقيقه ولو جزئيا دون الجلوس إلى جانب الرئيس الروسي والتفاهم معه حول مستقبل أوكرانيا.