الارجنتين تعود الى عصر المقايضة

بوينس ايرس - من فلورانس بانوسيان
لا غنى عن التسوق.. حتى في قلب الازمات!

يحاول الارجنتينيون، الذين تمسك الازمة الاقتصادية بخناقهم، البقاء على قيد الحياة عبر اللجوء الى وسائل عفا عليها الزمن مثل المقايضة التي باتت نظاما اقتصاديا موازيا ومنظما لا يتوقف عن التوسع.
وقالت غرازييلا دراغيسيفيتش، منسقة اكبر سوق للمقايضات في العاصمة الارجنتينية اقيم في حي شاكاريتا الشعبي، ان "مليونين من الارجنتينيين يعملون في نظام المقايضات. انها وسيلة للخروج من التهميش اللاحق بهم".
واثناء فترة التسعينيات، ظهرت نوادي المقايضات في الارجنتين والمستوحاة من النظامين الفرنسي والكندي. وتأسست في البدء انطلاقا من مبادئ الاكتفاء الذاتي بيئيا.
ولكن هذه النوادي باتت امرا لا بد منه مع بدء مرحلة الركود عام 1998 في بلد يبلغ عدد سكانه 37 مليون نسمة بينهم 44.2% فقراء.
وتتجمع النوادي حاليا في شبكتين اولهما التضامن للمقايضات والشبكة العالمية للمقايضات العاملة في حي شاكاريتا.
واضافت دراغيسيفيتش "في اول الامر، كانت المقايضة تتم مباشرة اي مبادلة الطعام بالملابس على سبيل المثال. ولكن تبين ان ادارة ذلك امر صعب وليس من السهل العثور دائما على منتجات متشابهة وبالقيمة ذاتها فضلا عن الخدمات مثل العناية او اعمال التصليح".
وبغية تسهيل المبادلات، اقامت الشبكات نظاما نقديا حقيقيا موازيا تصدر بموجبه "صكوكا دائنة" (كريديتو) وهي عبارة عن اوراق مختلفة القيمة تشبه قسائم لعبة "المونوبولي" او تلك التي تصدرها المطاعم.
ويساوي "الصك الدائن" ليترا من الحليب الذي يبلغ سعره حاليا 0.70 بيزو (اقل من نصف دولار) ويوجد في السوق حوالي 30 مليون من هذه الصكوك.
وللاستفادة من هذا النظام، يكفي الاشتراك في اي ناد للمقايضة حيث يتلقى كل عضو جديد 50 "صكا دائنا" تسمح له بتسوق احتياجاته او تلقي دروس او استشارة طبيب او اخصائي علم نفس او محام او قص الشعر.
وفي مقابل ذلك، بامكان العضو عرض بضاعته الخاصة او خدماته لدى اي ناد في البلاد.
وفي احد الاكشاك، عرضت اناليا غوميز (41 عاما) ملابس للاطفال انتجتها احدى صديقاتها العاملات في مهنة الخياطة. وقالت ان "ثمن الصدرية يبلغ ستة صكوك دائنة بينما يبلغ ثمن قطعة اخرى 15 صكا ابادلهم مقابل الطعام لاولادي الاربعة واحتفظ بالقليل من البيزو من اجل دفع الايجار".
وافتتح نادي شاكاريتا قبل سبعة اشهر في مبنى يعود لاحدى جمعيات التضامن التي تنشط في مساعدة السجناء السياسيين السابقين الذين اعتقلوا ابان فترة الديكتاتورية في البلاد بين عامي 1976 و1983.
واوضحت دراغيسيفيتش، البالغة 48 عاما امضت ستة منهم في زنزانات القمع العسكري، "بدأنا عملنا في طابق واحد لكننا نشغل حاليا اربعة وندرس فتح طابق خامس. لقد زاد حجم المبادلات 20% منذ فرض قيود على سحب الودائع من المصارف في كانون الاول/ديسمبر الماضي".
ومن جهتها، قالت مورييل لولوار، وهي ابنة اخ الحائز على جائزة نوبل للكيمياء عام 1970 الطبيب الارجنيتني المولود في باريس لوي فيدريكو لولوار، "انني اخصائية في امراض القلب لكنني متقاعدة وارغب في مساعدة الآخرين".
وتبادل مورييل (67 عاما)، التي يبلغ معاشها 400 بيزو فقط، "صكوكها الدائنة" مقابل منتجات منزلية او تمنح نفسها قسطا من الرفاهية عبر العودة الى منزلها بواسطة سيارة اجرة تابعة لاحد اعضاء النادي وهي اكثر راحة من مسار الباص الذي لا ينتهي في ظل الحرارة الصيفية الخانقة.
ويتسع نظام المقايضات مع الازمة التي تزداد تفاقما. وقال المدرس المسجل على لوائح البطالة كريستانو ريبولاس (57 عاما) والقادم من اقليم سالطا احد اكثر مناطق البلاد فقرا "اريد ان اتعلم لكي اقيم ناديا للمقايضات في سافايات حيث اعيش. انه امر يخفف من الضائقة ومثير للاهتمام بالنسبة لكل الذين يتضورون جوعا في الارجنتين".