الارتكاس في غواية "الظلال الطويلة"

وطن الروائي يتعرض لفعل احتلال همجي ومتوحش، والروائي الذي لا يملك غير قلمه، يُسخر هذا القلم لينقل لنا صوراً ونماذج عن أوجه قذارة المحتل.


أفعال وحشية ومساحات من الفجيعة يخلفها فعل ذبح للوطن واغتصاب لسيادته 


رؤى وأفكار خارجة من المواخير وبؤر الجريمة المنحطة

من أين يبدأ فعل الحكي؟ من عملية اشتغال مخيال السارد على حدث من الأحداث التي تفرض ظلالها على الروائي. ولكي يتحول حدث من الأحداث إلى وليمة سردية كبيرة وشادة للقارئ، بتحميله لما يكفي من غوايات إثارة شهية المتلقي للتورط في فعل السرد والغوص فيه حتى ثمالة النص، يعمد الروائي – أي روائي – إلى تصنيع تتبيلة خاصة بروح النص الذي بين يديه ويضيف إليها "قليلاً من الثوم وبعض البصل وباقة معدنوس" (بتعبير الروائي غارسيا ماركيز) من أجل شد المتلقي إلى المزيد من التورط في النص وإحكام قبضة النص عليه، من أجل أن لا يملك منه فكاكاً حتى ينهيه.
إنها لعبة القص التي يجب أن تمتلك مغريات (قهرية) ولا يمكن مقاومتها، بل ومتحكمة، لكي تتمكن من إغراء القارئ وانتزاعه من كسله، لتسحبه إلى معمعان الحكي وأحداثه المغرية، وهذه اللعبة لا يجيد رصف تفاح غوايتها إلا روائي أو حكاء ماهر.
ثمة مقولة، وأظنها للروائي كونديرا، تقول إن "حكمة الرواية تكمن في جهلها" وهذه المقولة قد تصدق على روايات كثيرة، إلا مع رواية هم الوطن وفعل الاحتلال الذي يجرحه في كرامته وسيادته وكبرياء مواطنيه، كما يطرح لنا الروائي أمجد توفيق في روايته، التي تدرج تحت أدب مقاومة الاحتلال "الظلال الطويلة".
إذن وطن الروائي (العراق) يتعرض لفعل احتلال همجي ومتوحش، والروائي الذي لا يملك غير قلمه، يُسخر هذا القلم لينقل لنا صوراً ونماذج عن أوجه قذارة المحتل وأفعال وحشيته ومساحات الفجيعة التي يخلفها فعل ذبحه للوطن واغتصابه لسيادته وتجاوزه على كرامة أبنائه.

مازال الأكثر، على المستوى القرائي والتأويلي، الذي تتصدى رواية "الظلال الطويلة" لعرضه ومعالجته بروح الرواية، وبفنية ساحرة

قلب قانون بداهة الأشياء:
سواء بتخطيط واعٍ ومتعمد أو بعمى سياسي، فرضته العجلة وما تفرزه من تخبط، يعمد المحتل الأميركي إلى صيغة قلب قانون بداهة الأشياء، كقاعدة لحكمه للعراق الذي احتله، أي بحرف كل شيء عن مساره الطبيعي واستبداله بالوضع الشاذ (اللاصحيح واللاقانوني) ومن ثم فرض هذا الوضع الشاذ والمقلوب كقانون بديل. وهذا الوضع الشاذ هو الذي يقود مجموعة من شُذاذ الآفاق والمجرمين وخريجي السجون وبائعات الهوى والقوادين إلى اعتلاء سلطة البلد ونهب ثرواته؛ وطبعاً مثل هذه الطبقات، المدجّجة بالجهل والغباء والحقد الأعمى، تكون حرباً على كل ما هو جميل وأصيل في البلد، عندما تدور دورة غدر الزمن وتوصلهم إلى مواقع السلطة وتجعلهم متحكمين في شؤون بلد بكامله، وهم لا يحملون له غير روح الحقد ورغبة الانتقام.
إن عملية قلب بداهة الأشياء في عالم السياسة وشؤون الحكم، وما يترتب عليها من تسليم السلطة لأناس لا يملكون غير الجهل وروح الانتقام، تشبه عملية تسليم مختبر متطور وعالي التقنية، متخصص في عملية تطوير الجينات الوراثية للمخلوقات، لمجموعة من الجهلة وأنصاف المتعلمين، وتخيل معي بأي اتجاه ستتم عملية التطوير هذه وفي أي ناحية ستصب نتائجها.
وفق قانون بداهة الأشياء، الحمير لن تلد غزلاناً إذا ما زاوجتها في قصور ملكية، والثعالب لن تلد خرافاً طيعة وهادئة الطباع، إذا ما زاوجتها في مخادع ملكات قصر فرساي، بدلاً من تزاوجاتها الطبيعية في المراعي وعراء الطبيعة، مكانها الطبيعي. وعليه فإن عملية نقل أشخاص من مثل عباس حربه، عزيز الأرمني، أسمر ياقو، جبار الأسود، وجاسم الريس من السجون وأرصفة الجريمة والبلطجة، لن تحيلهم إلى ساسة مثقفين وأنيقي الخصال أو حكاماً نزيهين بالمطلق، بل ستحولهم إلى طغاة متجبرين، يتلذذون بطيش وقذارات بطش السلطة، والذي يزيدهم غطرسة وافتناناً بذواتهم، وهذا ما يدفعهم لصناعة المزيد من الألم للآخرين. وطبعاً المعادل المكافئ الوحيد المتاح لمثل هذا العالم هو البغي انتصار خاتون، التي تتحول إلى السقف النهائي الذي تبلغه أحلامهم، رغم ازدرائهم له ظاهرياً.
وفي ظل هذا الجو تتطاول ظلال كل من هب ودب، بمجرد انتمائهم له أو تابعيتهم لأحد أركانه، وهذا ما يعني تمدد  ظلال حتى صبيان المومسات وقوادات بائعات الهوى، وهذا ما يعني تفكيك وتدمير البنية الاجتماعية للمجتمع، عن طريق خلق طبقة من محدثيّ النعمة، من المجرمين والسُراق والبلطجية، وتسييدها على المجتمع كسلطة سياسية وأخلاقية تتحكم في مفاصل الدولة وتعيد بناء المجتمع وبنية الدولة وقوانينها، وفق رؤاها وأفكارها الخارجة من المواخير وبؤر الجريمة المنحطة. 

novel
لعبة القص التي يجب أن تمتلك مغريات قهرية

إعادة انتاج الأنا:
في قراءة النص المضمر، أو محمولات النص المبيتة كنص غائب، تتصدى رواية "الظلال الطويلة" لقضية بمنتهى الدقة والأهمية، ألا وهي قضية إعادة انتاج الأنا الفردية والاجتماعية، بمحرض غير ثقافي أو تطوري - سوسيولوجي، أي أن لا يأتي كنتيجة لعملية تطورية طبيعية، اقتصادياً وثقافياً، بل أن يأتي تحت ضغط سبب قاهر، كفعل الحرب أو الانقلابات العسكرية أو أعمال الاحتلالات العدوانية الخارجية، وكل هذه الأفعال الشاذة والقهرية تأتي محملة بأحقاد وضغائن، تستهدف الانتقام من وضع سابق، ولذا فإنها تعمد إلى تفليش البناء السابق، على مستوى بناء الدولة وعلى مستوى البناء الاجتماعي، كنظام علاقات وبنية اجتماعية، وإحلال وضع رجراج ومتحرك ومتقلب، بديلاً عما كان يستقر كبنية اجتماعية، من أجل استغلال الفئات والأشخاص القائمة بفعل التغيير أو التفليش للوضع الجديد لغرض إعادة انتاج الأنا أو الذات الفردية والاجتماعية والوطنية (في الحقل السياسي) بما يتيح لها لفرض نموذج أنا وذات الطبقات المنبوذة اجتماعياً، (من القتلة واللصوص وخريجي السجون وشذاذ الآفاق والقوادين وبائعات الهوى)،  كذات اجتماعية بديلة ويجب أن تسود، عن طريق تشريع القوانين لها، على مستوى مؤسسات الدولة، ومن خلال جمع الانصار والمؤيدين لها، من النماذج المماثلة، على المستوى الاجتماعي وبنية علاقاته السلوكية والقيمية، وهي في حقيقتها عملية فرض الوضع الشاذ والمنحط، كنظام بديل، كي يوائم أصحابه، ولكي يبدو كوضع اجتماعي سائد، يمرر من خلاله أصحابه ومريديه ذواتهم كنموذج قيمي واجتماعي جدير بالاحترام والتقدير، وبالتالي من حقه أن يسود وأن يكون مثالاً على الصعيد الاجتماعي والسياسي، على وجه الخصوص.
أليس هذا ما مارسه شذاذ الآفاق الذين جمعتهم قوات الاحتلال الأميركي، من أرصفة الشوارع والحواري الخلفية الموبوءة بفنون الجريمة، وكما عرض نماذجهم الروائي أمجد توفيق تحت ظلال روايته الطويلة؟
تسييّد الرذيلة السياسية والاخلاقية:
معروف في علم الاجتماع، إن أردت تدمير دولة ومجتمعها، فسيّد عليها أرذل طبقاتها. وعلى طول تاريخ الاحتلالات الاستعمارية، في تاريخ البشرية، فإن قوات الاحتلال، في أي بلد من البلدان التي استهدفها الاحتلال، كانت دائماً تجمع حولها أرذل طبقات المجتمعات المستهدفة وأحطها أخلاقياً وقيمياً، من أجل تسليمها نظام الحكم الجديد الذي تنشئه، لأن هذه الطبقات ستسعى، وعبر سلطاتها المستحدثة، إلى فرض أنظمة وأعراف اخلاقها المنحطة والسوقية، كبديل للقيم والمثل الأخلاقية التي كانت تحكم المجتمع، وكانت تُجرّم تلك الطبقات وتنبذها؛ ووفق هذا النظام، تصبح أخلاق تلك المجاميع هي قوانين المجتمع الجديدة، والتي تُحول نخب المجتمع وقواعده السلوكية والقيمية إلى صيغ وأوضاع سيئة ومنبوذة. أليس هذا ما فعلته الطبقة السياسية، التي صنعها الاحتلال الأميركي وفرضها كبديل لنظام الدولة العراقية وقيمها الاجتماعية، عقب احتلاله للعراق؟ أليس هذا ما فعله نادي أحزاب السلطة التي سيدها الاحتلال وأطلق يدها في دماء وقيم المجتمع العراقي؟
كل هذا، ومازال الأكثر، على المستوى القرائي والتأويلي، الذي تتصدى رواية "الظلال الطويلة" لعرضه ومعالجته بروح الرواية، وبفنية ساحرة.