الاحتماء وراء الاحتلال منتهى التخلف والانتهازية

بقلم: خالد عيسى طه

هذا العالم المعاصر، وقبله بتاريخه القديم والجديد المعاصر، لا يمكن أن نحدد موقعاً لاحتلال جاء الى دولة ثم بقى واستمر في الاحتلال، لنأخذها حسب التسلسل القديم، ولنسأل أنفسنا أين هي تلك الامبراطوريات العظيمة التي اتسعت خارطتها باحتلال دول أخرى، ولنسأل التاريخ أين هي امبراطورية بيزنطة وأين هي الأخرى الامبراطورية الرومانية وكذلك اليونانية، أكان هناك أوسع من الامبراطورية الاسلامية رقعة وهي التي امتدت من الاندلس الى الصين بدءًا من الحجاز والمدينة المنورة بالتحديد، ومنها ما كان تحت احتلالها كامبراطورية الصين وكيف أن انتعشت الصين وجاء جنكيزخان وعمل امبراطورية له واصلاً حتى الشرق الأوسط، وهولاكو دخل بغداد، وأخيراً أين هي الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس الامبراطورية البريطانية، ثم وثم.. وسيبقى التاريخ يعيد نشوء وانتهاء دول وامبراطوريات، إذا لا يمكن لأي توسع على حساب مصالح الدول الأخرى دوام البقاء، ولا يمكن لأي امبراطورية مهما كانت قوتها أن تبقى هي القوة الوحيدة في العالم، ولا يمكن الاشارة اليها بأنها القطب الواحد كما يشير العالم الآن الى الولايات المتحدة الأمريكية، حتى اذا أخذنا بحساباتنا بأن هذه الامبراطورية الجديدة التي بسطت نفوذها على العالم هي الأقوى على مدى التاريخ القديم والجديد المعاصر، تملك قوة جيوش لا نظير لها وتملك قوة اقتصاد ومال لا يضاهيها أي بلد آخر في الوجود وتملك قوة تقدم تكنولوجي لا مثيل له على الاطلاق، والتاريخ يقول وفلاسفة التاريخ يقولون أيضاً بأن ليس هناك قوة في العالم إلا ولابد أن ينمو معها أو بجانبها قوة دول أخرى في آن واحد، ومثال ذلك النهضة الصينية التي أخذت بواكير تلمسها الواضح بجانب الهند.
إني استرجع ما قرأت الكثير للعلامة الباحث التاريخي جون تونبي وهو صاحب نظرية أن الدول هي مثل الكائنات الحية البشرية منها وغير البشرية، تولد.. تنمو.. تقوى.. ومع مرور الزمن تهرم وتشيخ، ثم لا بد من احتضارها، والتاريخ قد شهد الكثير من احتضار الحضارات حتى في الامبراطوريات ومنها احتضار الامبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى وكيف أطلقوا عليها قبل الاحتضار لقب (الرجل المريض)، وهذا برأي تومبي متوقع جداً أن يكون نستقبل الولايات المتحدة، وقد لا يكون بالمدى القريب ولكن سيحدث هذا، هذه هي حتمية التاريخ.
وتقريب الواقع على الحالة العراقية فانه لابد أن يذهب وهج وقوة نفوذ البنتاغون والسي آي أي ورموزها مثل بول بريمر و زلماي خليل زاده، فانه لابد للاحتلال الأمريكي أن ينتهي كما أنه لابد لليل بظلامه أن يذهب وينتهي، ولابد أن يكون هناك صبحاً مشرقاً ينتظره العراقيون وهم يتابعون الفئة المغشوشة بالاحتلال والمقتنعة ببقائه طويلاً، كيف سيواجهون واقعهم المظلم الحتمي، وسيعمل كلهم على لمّ (شوالاتهم) أغراضهم ومتعلقاتهم مغادرين البلد الوطن الذي استعدوا عليه الأمريكان وعملوا على تقطيع أوصاله بشعار الفدراليات، ولم يرحموا مكونات فئاته ولحمته، باعتقادي أن فساد هذه الفئة ووهمهم ليس وهماً مستورداً بل هو وهم متعمد ليأتي بقناعة أوصلتهم الى هذه الحالة في التعامل مع الاحتلال، والعمل على بقائه على حساب مصالح الشعب العليا، كلها عوامل مساعدة لاستلامهم السلطة وتحقيق نوايا تخدم الطائفية هنا والعنصرية هناك.
كم هؤلاء خاطئون...
كم هؤلاء واهمون...
وكم هؤلاء مجرمون بحق الشعب والوطن...
وإذا أضفنا هذه الحقائق على ميزان هؤلاء ستكون كفتهم في قعر المصير، وما يحمل من بؤس ولعنة الدين والدنيا والتاريخ، هناك كلمة تقول أن الله عز وجل اذا وهب مخلوق الحكمة والعقل والجرأة فماذا يبقى لبقية البشر، ولله حكمته وفي خلقه شؤون، فإن الله لم يساوي أذواق البشر، إذ إذا سواها ستبور السلع وسيبقى 90% من النساء دون زواج (عوانس)، إذاً لا نستطيع أن نتصور في جماعة الرموز الحالية التي تسير الأمور على الساحة السياسية في العراق يملك كل الصفات أن يكون عاملاً وأن يكون قديراً وأن يكون.. وأن يكون.. ولكن الذي عندي وأنا على يقين به حتى ولو امتازت هذه الفئة فانها لا تتسم بوضوح الرؤيا وليسوا بعيدين عن البلادة والغباء، إذ كيف هؤلاء يؤمنون بأن الذي أوصلهم للحكم الدبابات والجيش الأمريكي يستطيع أن يبقيهم إلى الأبد وهم على يقين معي أن الذي أتى بهم وظنوا أنه سيبقيهم على رأس السلطة، هو نفسه يقف على أرض هشة بحي ثلا يستطيع أن يبقى واقفاً على أرض الاحتلال العراقية الى ما لا نهاية، أمام هذا الواقع وهذه الحقيقة التاريخية فإن خطط ومساومات حاملي المشاعر العنصرية والطائفية في أحلك حالة من الوهم وعدم وضوح الرؤيا، وهم في خطأ جسيم، وإذا ظنوا غير ذلك فانهم في نشوة أحلام اليقضة، وإذا فرضنا وبرأيي هذا محال أنهم والاحتلال استطاعوا أن ينشئوا دولة كردية مستقلة في الشمال والفدرالية في الجنوب تضم تسعة محافظات، وضمت كركوك الى دولة الشمال، ونجح الاحتلال ببقائه وبقوته الضارية من جنود وتفوق ونجح في اخراج هذه الفرضية الى الوجود والواقع، فهل يعتقد هؤلاء المجانين أن هذا الذي يجري يحص بارادة ديمقراطية شعبية، أم أنها أتت بغسيل الأدمغة وغصب الناس وقمعاً لارادتهم، وإذا أطلقنا خيالنا ووهمنا أكثر وتصورنا حصول ذلك واقعياً فهل سبقى هذا التكوين الجديد وهل سيبقى العراق مقسماً فترة طويلة اذا ما ترك الاحتلال مواقعه ولم يبقى من يحمي هذا التقسيم، ومن يستطيع أن يقف ضد مشاعر الناس وإفرازات نسيجه الاجتماعي الذي يتحمل بشيعته وسنته ولا يمكن تصور أن الدار الواحدة التي يكون فيها العم شيعي والخال سني أن يستمرئوا تقسيم بيوتهم وخدور زيجاتهم، وكيف يهضم العراق كل العراق وكل الطوائف شيعة وسنة ويزيديين وغيرهم وحتى الكثير من الأكراد أن تضم كركوك الى المنطقة الشمالية بدون التأكد من أكثرية السكان، وبدون اللعب في نتائج وحقائق الاحصاءات الرسمية التي حصلت وخاصة احصاء سنة 1957، وكيف يرضى الشعب العراقي على المادة 58 من الدستور بأن نتيجة الاستفتاء في كركوك هي التي تقرر الحاق كركوك بالمنطقة الشمالية من عدمه، هذا برأيي هو مصادرة على المطلوب كما يقول فقهاء القانون، فكركوك هي جزء من العراق، والاستفتاء على فصلها من العراق وضمها بجزء خاص بالشمال، يجب أن يشمل لا فقط أهالي كركوك بل يجب أن يشمل استفتاء كل العراقيين بعربهم وأكرادهم وسنته وشيعته، هذا هو الاستفتاء الصحيح لحق تقرير المصير، ناهيك عن الضرر في عدم الاهتمام بالادارة الاقليمية والدولية، مع الأخذ بمصلحة شركات النفط العالمية... المتصارعة، أليس من الجهل وعدم النضوج أ، تحقق طموحاتنا الطائفية والعنصرية دون وجود مناخ ديمقراطي، لا في جو فيه جنود احتلال مكروهين يكرههم الشعب ويمقت وجودهم، أليس من مجافاة لمصلحة العراق الوطنية أن تنتهز وجود الاحتلال وإملاءاته القسرية على الشعب، وقيامه بالارهاب الجماعي، وفقدان الاستقرار الأمني والاجتماعي بادنى معاييره، كي نفرض عليه واقع بعيد عن مصلحته، بل حتى بعيد عن مصلحة الطائفة التي تريد أن تأخذ زمام المبادرة بواسطة تواجد الاحتلال، وبرأيي حتى اذا استمرت في لعبتها الغير نظيفة وفعلاً حصلت على ما تريد، ماذا تتوقع من التاريخ أن يقول بحقها، لا فقط أنها فرطت بجزء من العراق وقسمت الوطن على حساب طائفي، وماذا تتوقع أن يقول الشعب في الوقت الحاضر عن أناس من بني الجلدة حملوا عليه هذا العمل، وهم لا يريدون الخير لكل الناس، وحتى لأنفسهم.
القول الأخير برأينا أن فرض أي قرار سياسي أو اجتماعي أو تشريعي أو دستوري دون وجود الحرية الديمقراطية بمفهومها الصحيح، وهذه الحرية لا يمكن تحقيقها بوجود 180 الف جندي أمريكي وعشرات الآلاف من جنود الدول الأخرى، وكل هؤلاء يصبون في شقاء العراق وتخريب بنيته التحتية متمادين في تشتيت وتقسيم العراق والعمل على تأجيج أوار الطائفية وصولاً الى الحرب الأهلية، إذا لم يكن كل هذا فلن يكون هناك مناخاً نستطيع به أن نقول أن العراق وشعب العراق حقق ما أراد بدون تدخل. المستشار خالد عيسى طه
رئيس جمعية محامين بلا حدود
ونائب رئيس نقابة المحامين العراقيين البريطانيين