الاحتلال الاميركي يخطط لعراق بلا شعب!

تتوالي ضجة نشر التقارير والبرامج وتشكيل اللجان من قبل الادارة الاميركية للتخلص من المأزق الذي ورطت نفسها فيه. اخرها تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون. ولم تقدم اللجنة، على الرغم من كل الضجة الاعلامية التي صورتها بانها لجنة المعجزات، جديدا. بل ان نتائجها وتوصياتها المستندة الى تغيير طفيف في اللغة مشابهة الى حد كبير بنتائج تبادل الزيارات ما بين الادارة الاميركية ومستخدميها من المنخرطين بالعملية السياسية في العراق. قد تكون هذه التوصيات، مفيدة اعلاميا بالنسبة الى الرأي العام الاميركي الا ان اهميتها تقل تدريجيا وهي تنتقل، نظريا، الى الرأي العام الاوروبي. انها، عموما، مثل الحبوب المسكنة للآلام داخل مجتمعهم وأنظمتهم وهي غير صالحة كعلاج.
وتضمحل أهمية توصيات اللجنة الى حد لا تساوي فيه حتى الورق الذي كتبت عليه عندما تصل الواقع العراقي. انها مثل التوصيات العديدة التي خرجت بها عشرات اللجان المشكلة اما من قبل الادارة الاميركية او باشرافها ودعمها سواء قبل الغزو او في مرحلة الاستعمار الجديد، محكوم عليها بالفشل الذريع على الرغم من الاجتماعات المرتبة بشكل رائع والتحركات المنظمة وصرف المال وتأجير المستشارين في "الشأن العراقي وشؤون الشرق الأوسط" والزيارات الميدانية وحشد الاجهزة الاعلامية لتغطية الحدث. واسباب الفشل عديدة، جوهرها هو محاولة المستعمر تغييب الشعب العراقي عن عراقه بل والغاء وجوده. وتعاملهم مع العراق وكأنه خلق لحظة الغزو وسكانه هم كل من دخل الى العراق مع القوات الغازية طمعا في الغنائم والسلطة والانتقام، بأي شكل وبأي ثمن.
وتأتي توصية اللجنة لادارة الاحتلال بعدم الانسحاب الفوري من العراق كنصيحة طبيب يوصي مريضه المصاب بالغنغرينا في ساقه بتأجيل عملية البتر مدة عام، املا في تحسن الحال. ولعل هذه هي الصورة الأوضح لانتقائية المستعمر (بكسر الميم) وعنصريته فيما يراه ويخطط له. ان عنصرية المستعمر وعمله على الغاء الآخر، اي الشعب العراقي المقاوم للوجود الاستعماري في هذه الحالة، هي التي دفعته الى تشكيل لجنة سارعت للقاء بنحو 170 شخصية بدءا من بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، مرورا بعدد من ساسة الاحتلال العراقيين وعدد من السفراء ومسؤولين بارزين اخرين من الدول المجاورة للعراق ومن داخل الولايات المتحدة. كلهم، بلا استثناء، لا يمثلون الشعب العراقي ولا علاقة لهم بالمواطن العراقي، باستثناء اضطهاده والتنكيل به وحرمانه من حق الحياة.
يقول الفيلسوف الاجتماعي فرانز فانون (1925 ـ 1961) الذي عايش حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي بأن الاستعمار يستغل، بلا وازع اخلاقي، كل الاساليب الممكنة، أو يلعب على كل الحبال، ليكرس وجوده وسياسته في البلدان المحتلة. ففي كل بلد افريقي مستعمر (بفتح الميم) تم تقسيم المجتمع الى مجموعات دينية مختلفة تتناحر فيما بينها، بينما يقف المستعمر واعوانه على مبعدة وهم يقهقهون فرحا لنجاح مشروعهم.
وهذا هو بالضبط ما يحدث في العراق اليوم. فكم من الناس يتذكر اليوم سبب غزو العراق؟ القلة القليلة من الناس. لم يعد هناك من يتذكر ذريعة اسلحة الدمار الشامل وتهديدها العالم كله وقدرتها على استهداف بريطانيا خلال 45 دقيقة. ما يعرفه العالم هو ما يراه من خلال اجهزة الاعلام اخبارا وتصريحات، وما يتلقاه معظم الناس، عبر الاعلام، هو تكريس لمصطلحات التفرقة المتغيرة حسب رغبات بوش وبلير مثل "السني المتطرف" و"الشيعي المتطرف"، فضلا عن الصورة السوريالية، الخارقة لكل مفهوم، التي حاول الاثنان رسمها، اخيرا في مؤتمرهما الصحافي المشترك في واشنطن، عن حكومة المالكي عندما وصفاها بانها حكومة علمانية. وهو نعت يماثل في غرابته وشططه وصف حكومة الفاتيكان بانها حكومة علمانية!
ما يراه العالم اعلاميا هو قتل العراقيين لبعضهم البعض. ما يقال هو أن السني يقتل الشيعي، والشيعي يحرق السني ويهدم مساجده، وما ينشر هو أن الانتحاري السني يفجر نفسه في الباصات ومواقف السيارات، وأن الشيعي الراديكالي يحرق الكنائس ويقتل المسيحيين ويروع الاشوريين واليزيديين. وان النساء في الجنوب مهددات والرجال لصوص، اما في الشمال، في مدينة كركوك تحديدا، فيقال لنا الكل يهاجم الكل. العرب والتركمان والاكراد. والمفخخات تنفجر وسط الاسواق. ما يراه العالم هو ان كل من يقاوم الاحتلال هو صدامي تكفيري من جماعة القاعدة وان مقاومة الاحتلال هي رجس من عمل الارهاب يستهدف ديمقراطية العراق الجديد!
ان ما لا يراه العالم هو ان مقاومة الاحتلال وطنية شرعية تستقطب دعم الشعب العراقي المناهض للاحتلال. انها مقاومة الحرية ضد العبودية والخنوع. وانها مقاومة باسلة تعتمد بالدرجة الأولى على قدرات افرادها وتضحيتهم بحياتهم. ولعلها المقاومة الوحيدة في تاريخ الشعوب وحاضرها التي تقف وحيدة بلا دعم من دولة او منظومة كما كان حال ثورات التحرر الوطني سابقا. ان ما لا يراه العالم هو انها المقاومة المستهدفة مباشرة من قبل اقوى قوة عسكرية في العالم وعملائها المحليين وبميزانية مادية ضخمة فضلا عن تسخير اجهزة الاعلام والترويج الدعائي ومثقفي الاحتلال، واستخدام الجيش الثاني أي المرتزقة من جميع أصقاع الأرض الذين بلغ عددهم 100 ألف شخص، أي ما يوازي قوات الاحتلال الاميركي تقريبا، حسب الواشنطن بوست يوم الاربعاء الماضي. أنها من تستهدفه القواعد الخمس العملاقة والخمسين الأخرى المتوزعة في بلادنا والأقمار الصناعية واجهزة التنصت المزروعة والكاميرات الليلية وطائرات الاستطلاع والعملاء العراقيين وغير العراقيين.
ان ما يراه العالم هو تشويه المقاومة المتعمد وتصويرها بانها المسؤولة عن جرائم الاحتلال بانواعها من القتل العشوائي والمفخخات والتفجيرات عن مبعدة وحملات المداهمة والاعتقال والتعذيب واغتصاب النساء الى قتل الاطفال بتهمة الارهاب، متناسيا بان الارهاب الاكبر في بلدنا هو ارهاب الاحتلال. وما لا يراه العالم هو العمليات العسكرية المتطورة الناجحة ضد العدو التي تجاوزت معدل العملية الواحدة كل 15 دقيقة، وكانت عملياتها العسكرية المستهدفة للعدو يوم اعلان تقرير بيكر ـ هاملتون أفضل رد على عنصرية المحتل المغيبة للشعب العراقي ومقاومته. حيث اعلن الجيش الاميركي في بيان له عن مقتل عشرة جنود اميركيين في أربعة حوادث متفرقة يوم الاربعاء في ارجاء العراق. واضاف البيان "ان عددا منهم قتل اثر انفجار عبوات ناسفة زرعت على جوانب الطرق وسقط اخرون في عمليات قتالية".
لقد خطط الاستعمار الجديد صورة العراق الحالية وفق المحاصصة الطائفية والعرقية لكي يضعفه وينفرد بالسيطرة على اهله وامتصاص ثرواته. ويصور كتاب بول بريمر عن العام الذي قضاه في العراق كحاكم فعلي، كيفية تأجيجه شعلة الطائفية والعرقية البغيضة بين مستخدميه من الساسة العراقيين. اقول تأجيجه الشعلة وليس اشعالها لأن الساسة العراقيين يتحملون المسؤولية التاريخية في اذكاء شعلة الضغينة الطائفية والعرقية ومن ثم استمرارها عبر الميليشيات والعصابات المبنية على تشابك المصالح المادية والنفعية السياسية والرغبة بالانتقام الشخصي والجماعي.
وما لا يراه العالم هو ان القتال الاساسي في العراق هو ما بين الاحتلال من جهة ومقاومة الاحتلال من جهة ثانية. أما كل اقتتال آخر فهو مختلق. وليس بامكان العالم رؤية الحقيقة لان ارهاب الاحتلال الشرس يقوم يوميا بتصفية كل صوت عراقي وطني مناهض للاحتلال يحاول نقل الحقيقة الى العالم الخارجي. فكان مشروع تصفية وترويع وارهاب الصحافيين العراقيين والعرب والاجانب والاصوات المستقلة العاملة في اي مجال اعلامي من اولويات الاحتلال. هكذا بات على العالم الخارجي تلقي المعلومة والخبر والتحليل، غالبا عبر تمريرها بمرشحات الاحتلال المختلفة ان لم يكن بعدساته.
ان سنوات الاحتلال المريرة والتكلفة البشرية الهائلة التي تجاوزت 650 ألف شهيد وخراب البنية التحتية وتحطيم الدولة ونهب الثروة الطبيعية تثبت، بما لا يقبل الشك، بان مشروع الاستعمار الجديد هو ابادة الشعب العراقي او تفريغه من مواطنيه. وقد نجح منذ عام 2003 وحتى الآن بإجبار عشرة بالمئة من سكان الشعب العراقي على الهجرة خارج الوطن، وهم من خيرة المثقفين والمتعلمين، فكيف الخلاص؟
ان الخلاص يبدأ بخطوات بسيطة للغاية وهي الاعتراف بحق الشعب العراقي في مقاومة المحتل بكل السبل الممكنة وهو حق مشروع قانونيا واخلاقيا وتدعمه قرارات الامم المتحدة. الخطوة الثانية هي دعم المقاومة العراقية خاصة من الناحية الاعلامية، واطلاق المسميات الصحيحة عليها وعلي عملياتها. ولنكن واضحين، اعلاميا على الاقل، فمن يضحي بحياته في عملية تستهدف قوات الاحتلال هو شهيد وليس ارهابيا. والجهة التي تستهدف قوات العدو هي مقاومة وليست "مسلحين" كما يحلو للبعض تسميتها. ان مقاومة التضليل الاعلامي المحيط بالوضع السياسي والعسكري والاقتصادي وطرح الاسئلة بصدد المبادرات والتخطيطات على اختلاف الوانها سيساعد على رؤية الاحتلال وافعاله والمقاومة وعملياتها بوضوح. ان فعل المقاومة في العراق، كما هو في فلسطين ولبنان، هو فعل الدفاع عن النفس وحق الحياة بعزة وكرامة.
ولعل من المفيد ان نذكر انفسنا بان اوليات المحتل، مهما حاول عملاؤه المحليون التطبيل والتزمير له، هي الدفاع عن مصالح اميركا وبريطانيا واستثماراتها وأمنها وليس الشعب العراقي. وهذا هو جوهر الاستعمار دائما. وها نحن نراه اليوم كما كان في الجزائر عنصريا مقيتا لا يقيم لحياة الشعب المحتل وزنا بل يتخفي خلف عملائه ضاحكا مقهقها لنجاحه في تفرقتهم. هيفاء زنكنة