الاحتلال الآخر(3): ايران في طنب الكبرى

لندن
كلثم التميمي: طنب جزيرة السلام

أثارت زيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الى جزيرة "أبوموسى" الاماراتية المحتلة من قبل القوات الايرانية، استهجانا عربيا، وكشفت الاطماع الايرانية الاستفزازية التوسعية.

وتسعى إيران وراء الإستفزاز، وراء التحريض على صنع التوتر، وتحاول تسميم علاقات التعاون البناء التي تحرص عليها دول المنطقة. ولكن أيضا من أجل ان توغل السكين في جرح العلاقة مع الإمارات.

وكانت الإمارات دعت مرارا إلى حل مسالة الجزر عبر المفاوضات المباشرة أو اللجوء لمحكمة العدل الدولية.

ومع أن طهران لم تتخذ خطوة واحدة في إتجاه تجسيد الحوار، منذ اندلاع النزاع أوائل السبعينات من القرن الماضي حتى اليوم، فانها لا تكف، في الوقت نفسه، عن إتخاذ إجراءات عملية تنم عن رغبة بالإستفزاز والتصعيد.

وهذا هو ما تفعله إيران عادة: تقول شيئا، وتفعل آخر. وبمقدار ما يتعلق الأمر بمخاطبة شعوب المنطقة، فايران تبيع للسذج شعارات تستقطب من خلالها المشاعر المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل. ولكنها تتصرف في الواقع كقوة إستعمارية أخرى ليست أقل سوءا.

واوردت صحيفة "ذي ناشونال" التي تصدر باللغة الانكليزية في أبوظبي تقريراً تاريخياً عن بداية الاحتلال الايراني للجزر الاماراتية تنشره على حلقات لمشاهدات وذكريات عن تلك الفترة الحرجة من تاريخ البلاد.

طنب الكبرى

لا تعرف الاماراتية من جزيرة طنب الكبرى كلثم التميمي عمرها تحديداً لكنها تقول إنها فوق السبعين. تعيش التميمي في حي بامارة رأس الخيمة محاط بالمتاجر الصغيرة والمنازل، حيث تعيش غالبية الأسر التي طردت من أرضها في جزيرة طنب الكبرى بعد احتلالها من قبل القوات الايرانية عام 1971.

تتذكر تلك الليلة بوضوح منذ أربعين عاما عندما تحول هدوء وسكينية الجزيرة الى صخب مروع، كذلك تقول كلثم التميمي "لقد إحتلوا طنب بالقوة".

وتواصل: "كان الاهالي يدارون نعاسهم وهم يستيقظون لصلاة الفجر فيما يستعد الصياديون للانطلاق الى أعمالهم بغية العودة مبكرين وبيع محصولهم من الاسماك في أسواق دبي بعد الظهر، في تلك اللحظة أثار صوت الطائرات الرعب فيما نزلت المدرعات من السفن الى الارض في مفاجأة للأهالي اللذين لم يروا من قبل مثلها".

كانت كلثم التميمي في منزلها عندما نزل الجنود الايرانيين على أرض الجزيرة مطالبين الاهالي بالمغادرة، الامر الذي دفعها الى ترك والدها وافراد من عائلتها في غضون ساعات.

كانت تتوقع أن الجنود الايرانيين يبحثون عن أسلحة، لكنها تساءلت لماذا نحتفظ بالاسلحة وجزيرة طنب الكبرى تجسد الأمان بامتياز.

ووصلت كلثم مع بعض أهالي الجزيرة الى رأس الخيمة بعد رحلة بالقوارب أستمرت ست ساعات وكان الشيخ صقر بن محمد حاكم الامارة مع نجليه خالد وسلطان في استقبالهم.

وتركت كلثم التميمي كل ماتملك من أموال ومواشي على أرض الجزيرة المحتلة ووصلت الى رأس الخيمة بما ترتدي من ملابس.

وبنى الشيخ صقر منازل للاسر المهجرة من جزيرة طنب الكبرى تسمى "شعبيات طنب" وأعيد ترميمها وتطويرها مرتين فيما بعد، وعمل زوج كلثم التميمي "الذي توفي فيما بعد" بائع شاي في المستشفى الكويتي في امارة رأس الخيمة وكان يتلقى معونة من حكومة الامارة بحدود 2200 درهم إماراتي سنوياً مع إبنه المصاب باعاقة عقلية.

وتمتلك السيدة كلثم التميمي 2 من الاولاد وابنتين وواحد فقط من أولادها مازال يعيش في "شعبيات طنب" برأس الخيمة.

تقول التميمي "ان الاولاد لا يتذكرون الاحتلال الايراني وعلينا توضيح الامور لهم كي يبقوا متمسكين بارضهم".

وتؤكد إنها مصرة على العودة الى أرضها وبيتها في طنب الكبرى عندما تتحرر من الاحتلال الايراني "لا يمكن أن أنسى وطني وأرضي طنب الكبرى حتى الموت، كما لن ينساها كل أبناء جيلي".

وتتذكر يوم الاحتلال الايراني وكيف هرعوا الى الزوارق مع أطفالهم مؤكدة على قيام الجنود الايرانيين بتدمير المنازل ومنزل شيخ الجزيرة "أنهم لم يتركوا شيئاً سالماً".

وتمثل قصة الشهيد سهيل سالم وستة من رجال الشرطة الإماراتية صورة للتحدي وحكاية رائعة في ذاكرة كلثم التميمي.

سهيل رفض إنزال علم الإمارات والتخلي عن عمله عندما طلب منه الجنود الايرانيين ذلك قبل إطلاق النار عليه.

تقول التميمي "الكل يشهد ببطولة التميمي من الرجال آنذاك".

تمتلك هذه المرأة ذاكرة دراماتيكية وترسم صورة لارضها المحتلة برباطة جأش منطوية على ذاتها وتؤكد أنها "أرض سلام.. نعم أرض سلام".

كان الرجال على أرض جزيرة طنب الكبرى يذهبون فجرا في رحلة الصيد ويعودون بعد الظهر لقضاء قيلولة النهار قبل الانطلاق مساء الى دبي لبيع صيدهم من الاسماك، أما النساء فكن ربات بيوت يعدن طعام الافطار صباحاً وأثناء النهار يقطعن الخشب كوقود للطبخ كما يحلبن الابقار.

وفي الصيف يستظل الاهالي بمسقفات مصنوعة من سعف النخيل هرباً من الحرارة اللاهبة، كانت جزيرة طنب الكبرى تنعم بالهدوء طوال تاريخها حتى داهمها الاحتلال الايراني.

"يالله.. ماذا عن حفلات الزفاف؟" تستذكر ذلك كلثم التميمي بتحسر وتؤكد أن قرع الدفوف يستمر سبعة أيام متتالية. "لكن حتى هذا قد تغير، كان المهر آنذاك 500 درهم إماراتي وأصبحت المهور الان بالآلاف".

كان يعيش على الجزيرة عدد من الاسر المترابطة في اربعين بيتا، وكانت هناك مدرسة واحدة يديرها ثلاثة معلمين وتضم نحو 30 تلميذا من الفتيان والفتيات.

ولدت كلثم التميمي على أرض طنب الكبرى ولم تدخل المدرسة لكنها تعلمت حفظ القرآن الكريم. وابنتيها كانتا في بداية سنوات تعليمهما عندما هجروا من الجزيرة من قبل قوات الاحتلال الايران. ولم يكملوا سنتهم الدراسية بعد.

وتفتقد التميمي كل شي في الجزيرة من الذكريات الى الحنين وتؤكد انها ستعود اليها عندما تتحرر من الاحتلال الايراني.