الاحتجاجات..تفتح بوابة التأريخ من جديد

عندما طرح الكاتب الاميركي ذو الاصول اليابانية فرنسيس فوكوياما كتابه "ﻧﻬاية التأريخ" اعتمد على فكرة اساسية مفادها: ان الديمقراطية الغربية قد انتصرت، ولم يعد امام العالم ما ينتظره من جديد، فقد حدث الجديد وفقاً لرؤيته مع اﻧﻬيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي، وبهذا اغلق فوكوياما في حينها بوابة التاريخ فلا جديد بعد ذلك الا في حدود بعض الاصلاحات والتغييرات الطفيفة التي قد تحدث في النظام الديمقراطي..من هنا او هناك.

وبعد عقدين؛ من ذاك الطرح؛ تتعرض الديمقراطية الى ازمات عنيفة وخطيرة قد تودي ببعض اركانها الرئيسية او تغير اللبنة الاساسية المكونة لها، ومن هذه الازمات :

• دكتاتورية الاغلبية

• احتجاجات الاقلية

• تحديات التنمية

• تشوه البنى المؤسسية

• الفساد

ولنا ان نتصور كيف يمكن ان تعمل آليات الديمقراطية في بيئة تتلاطم فيها مثل هكذا ازمات خطيرة وحساسة، حتى وان لم تكن مجتمعة فان اي واحدة منها قد تكون كفيلة بايقاف عجلة تقدم النظام الديمقراطي وتطوره. فالاغلبية لا تعترف برأي المعارضة لانها لا تعتمد اية معايير موضوعية سوى الاستحقاق الانتخابي؛ وما تفرزه صناديق الاقتراع من ارقام، ورغم ان النظام الديمقراطي يضمن للاقليات حقوقاً وهي لا تشكل نسبة كبيرة من مساحة المجتمع او عدد السكان، فان الاغلبية لا ترى في المعارضة شريكاً بل لا ترى سوى نفسها، خصوصاً تلك الاغلبية التي تحقق انجازات مهمة اثناء فترة توليها الحكم.

ولا زالت تحديات التنمية؛ ازمة عسيرة تعانيها الديمقراطية في بلدان الجنوب بعد ان تجاوزتها بلدان الشمال بالوعي وتجربة ديمقراطية محصنة من الهزات الاقتصادية وببدائل تنموية قادرة على المواجهة بالهيكلة والتكيف..في حين ما زالت البلدان الحديثة العهد بالديمقراطية تعاني من عدم توازن اضح مع قصور في الجانب التنموي وتطور سريع في المجال الديمقراطي.

ففي الوقت الذي تُتسارع فيه وتيرة العمل على المستوى السياسي بتشجيع خارجي ورغبة مجنونة في التقليد، يراوح الميدان الاقتصادي في مكانه ان لم نقل يترنح ويتراجع تحت ضربات الازمات الاقتصادية الدولية المستمرة. يرافق كل ذلك تشويه واضح في البنى المؤسسية التي تحتاجها الانظمة الديمقراطية او تأخر متعمد في انجازها او شكوك في مدى استقلاليتها..في حين يبقى استشراء الفساد عاملاً مهماً وحيوياً في افشال معظم التجارب الديمقراطية في البلدان النامية عامة والعربية خاصة وانحرافها عن مسار المشاركة واستقلالية السلطات الثلاث اوالتعاون التام والمثمر..المفترض فيما بينها.

واليوم تذكرت فوكوياما الذي تراجع قبل اكثر من عشر سنوات عن بعض طروحاته حول نهاية التأريخ مع اقدام الولايات المتحدة على استخدام القوة في محاربة الارهاب ونشر الديمقراطية، وتذكرته اكثر حينما عجز النظام الديمقراطي في تركيا عن كبح جماح سلطة الاغلبية وفقدانها لقيم التعاون والحوار في تعاطيها مع مطالب الاقلية او منحها فرصة التعبير عن رأيها؛ لتستخدم الاغلبية ممثلة بالسلطة القوة المفرطة في التصدي للاحتجاجات التي استمرت على مدار خمسة عشر يوماً ولتقتحم ميدان تقسيم معقل الاحتجاجات والمتسبب فيها لتزيل كافة الشعارات التي تعبر عن رأي المحتجين بالقوة خلافاً لمبادئ الدستوروحقوق الانسان وحرية التعبير وتجبرالمتظاهرين على اخلائه في نهاية المطاف...وحينها ادركت ان ديمقراطية فوكاياما فتحت بوابة التاريخ من جديد مع تحدي احتجاجات الاقلية المعارضة وتوسع نشاطها في اكثر من بلد قد تكون اولها تركيا؛ ومصر في نهاية الشهرالحالي ليست آخرها، والبلدان من النظم التي يعول عليها الغرب والولايات المتحدة حالياً في تثبيت اركان النظام السياسي الديمقراطي ونشر المبادئ الديمقراطية التي انتصرت على الشيوعية وتعزيزها وترسيخها في بلدان الشرق الاوسط وجنوب افريقيا.

فهل نحن اليوم امام ضرورة لاجراء اصلاحات وتغييرات ليست طفيفة مثلما وصفها فوكوياما او من هنا وهناك بل اصلاحات جذرية تتعلق بجوهر تطبيقات النظام الديمقراطي وآن لها ان تؤخذ بنظر الاعتبار مع تصاعد وتوسع الاحتجاجات ضد آلياته لانها قد تكون كفيلة بتضرر النظام او انهياره في المستقبل القريب؟

ام اننا بحاجة الى طرح نظرية جديدة تتولى انتاج نظم سياسية جديدة يمكنها ان تستوعب الاحتجاجات وتحد من تسلط الاغلبية وتواكب تحديات القرن الجديد لتفتح بوابة التأريخ من جديد؟