الاحتباس السياسي في العراق

بقلم: علي الجفال

وسط مشاهد الثورات المَلونة التي تتناقلها الفضائيات من مختلف القارات، يبدو العراق وكأنه يعيش فعلًا في العصور الحجرية. فلا التزوير في ارادة الناخبين حرَك الشارع العراقي ولا مسرحيات الاجتثاث التي يقوم بها اكثر الشخصيات استحقاقا للاجتثاث مثل الجلبي وعلي اللامي حركت هذا الشارع ولا الصور الاكثر وحشية المنقولة عن السجون السرية جعلته يتوقف دقيقة حداد واحدة على اغتصاب الرجولة بعد اغتصاب النساء والاطفال.
هل أدمن العراقيون الذلَ والهوان؟ أم أن قوة جبارة تمكنت من تدجينهم الى هذا الحد؟ أم ثمة سلاح خفيّ غيّب عندهم الوعي والنخوة وقتل روح الثورة والثأر؟
هذه الاسئلة وغيرها بدأت تغادر دائرة المحّرم نحو دائرة الاستكشاف، واذا كان البعض يستمرئ لعبة العملقة الشعبية بالتستر خلف سيناريو بطولات وهمية، فأنه يحاول الحفاظ على ما هو كائن طالما أنه يوفر له امتيازات وظيفة المعارضة الكسولة التي تحقق أفضل انجازاتها في مقاعد البارات الوثيرة واسّرة الفنادق الفخمة ولقاءات نجوم السياسة في الوطن العربي والعالم، خوفا من الانتقال الى ما يجب ان يكون وهو الثروة الشعبية العارمة التي ستؤدي الى طرد وتحييد المفسدين والمتاجرين بالدم العراقي سواء أكانوا من المشاركين في العملية السياسية او موظفي المعارضة الكسولة.
والعراقيون اصحاب السفر العظيم في النضال ضد الاحتلال وانظمة الحكم الرجعية والدكتاتورية وقعوا بعد احتلال العراق في نيسان 2003 بين كماشتين، الاحتلال وادواته من جانب، وغياب قوى وطنية حقيقية تشكل ناظما سياسيا وثقافيا لنشاطه المقاوم للاحتلال وافرازاته من حكومات عميلة همها القتل والسلب وتنفيذ اجندات خارجية، من جانب آخر.
من هذه الزاوية حصرا يمكن النظر بوضوح الى مشهد تراخي أو انعدام الحراك الشعبي الذي ادى بدوره الى حالة الانحباس السياسي المرافقة لانحباس سياسي آخر يغلف المشهد القائم دون أن يلتقي معه ودون أن يستثمره في آن واحد.
واذا كان الاحتباس السياسي داخل منظومة العملية السياسية التي تشكلت بعد عام 2003، هو نتاج طبيعي للبنى السياسية والتشريعية ومعها المنظومة القيمية التي تم تبنيها على نحو فج لا يمثل صيغ الدولة العصرية، فأن الاحتباس السياسي الشعبي لا يمكن فهمه الا من خلال التراخي في عمل القوى والشخصيات المناهضة للاحتلال والتي تركت الساحة السياسية شاغرة الا من القوى التي افرزها.
وبتقديري، فأن البحث عن اجابات جادة عن الاسئلة المطروحة في بداية المقال يجب ان يكون في اوساط هذه القوى قبل البحث عنها في الشارع العراقي، وهنا لا بد من الفصل بين المتاجرين بالدم العراقي تحت لافتات المعارضة وأعمال مقاومة وهمية، وبين الفصائل والشخصيات الوطنية التي تبحث عن وسائل وآليات نضالية تختصر حلقات مسلسل الفجيعة العراقية دون ان تهتدي، رغم مرور سبع سنوات على الاحتلال، لمثل هذه الوسائل والآليات. واول الخطوات التي يجب اتخاذها في هذا المجال هي ازاحة حالة الشك والريبة من هذه الفصائل والشخصيات في بعضها البعض والتخلي عن طموحات القيادة التي تمهد للاستحواذ على مراكز السلطة في مرحلة ما بعد التحرير والبحث الجاد عن القواسم المشتركة بين هذه الفصائل والشخصيات - وما اكثرها- وقبل هذا وذاك، عزل المتاجرين بالدم العراقي، بل وفضحهم بكل الطرق المتاحة، لكي لا نصحوا ذات فجيعة على خرائط المنطقة، بلا..العراق.
علي الجفال رئيس تحرير جريدة المدار ajaffal@hotmail.com