الاجتياح... الحُب والسلاح

بقلم: محمد أبوعبيد
صورة مختلفة؟

الصورة النمطية عن فلسطين في الذهنية العربية هي المواجهة بين جوليات الفلسطيني وداود اليهودي، مع انتقال المقلاع والحجر إلى يد الأول بخلاف الرواية التوراتية. الصورة شابتها إفسادات أخرجتها عن إطارها المعروف: الاقتتال بين جوليات وجوليات وتقسيمهما أرضاً محتلة إلى دويلتيْن تغزوهما إسرائيل أنّى شاءت.
جائر أن يختزل العرب قصص فلسطين في هذا المشهد، أو في المشهد الاعتيادي الآخر: الجيش الإسرائيلي والفلسطينيون الواقعون في براثن احتلاله. بينما على المساحات الأخرى، غير البائنة في الإعلام العربي، مشاهد الحبّ الذي قد يكسر مفعوله تقليدية الصورة عن الشخصية اليهودية الآتية دوماً في موقع العدو، والعكس صحيح. قصص فلسطين أكبر من مساحتها، وأبطالها هم غير المُطلين على الشاشات الفضائية في وارد التحليل والتعليق.
الفضائية اللبنانية للإرسال تبث في رمضان مسلسل "الاجتياح"، ويحكي قصة اجتياح الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية ضمن عملية أطلق عليها اسم "الجدار الواقي" وما تخلل ذلك من قصف وحصار لمقر الرئيس الراحل ياسر عرفات في رام الله، وصولاً إلى الملحمة البطولية التي سطرتها قلة مسلحة بالرشاشات في مخيم جنين وصمودها أسبوعين في وجه الجيش الإسرائيلي الذي يكفي ذكر اسمه لتخيل ما يملكه من ترسانة عسكرية.
المسلسل يخرج على المألوف في تجسيد معالم الشخصيتين النقيضتيْن: الفلسطينية واليهودية الإسرائيلية من خلال "مصطفى وياعيل"، ويُظهر إلى جانب هذا الركن الأساسي من القصة، التفاصيل الصغيرة لحياة أي فلسطيني ويهودي، ما يذكرنا بمسلسل "التغريبة الفلسطينية" الذي بثته إم بي سي، حيث يجسد هو الآخر حياة الفلسطيني على حسناتها وسيئاتها بمنأى عن الصورة النمطية السائدة التي لا تصفه سوى أنه فدائي ومشروع شهيد أو معتقل.
الفلسطيني فؤاد ليس عاطلا عن العمل، وبابه مفتوح لتمر منه فلسطينية، وقد تمر منه نقيضته التي تعلن براءتها من ممارسات دولتها. لذا قد تبدو "ياعيل" في "الاجتياح" غريبة على المشاهد العربي، وأنها مجرد شطحة من الكاتب أو جنوح من المخرج لخلق الإثارة، أو مستوحاة من شخصية "إيلانه" في رواية "إلى الجحيم أيها الليلك" للشاعر الفلسطيني سميح القاسم قبل ثلاثين عاماً. إلا أن الشابة اليهودية "تالي فحيمة"، من كريات غات، تثبت أن "ياعيل وإيلانه" ليستا خيالاً، وانهما انبعاثٌ لعشرات اليهوديات الأخريات اللائي فضلن بؤس المخيمات الفلسطينية على رفاه تل أبيب. تماما حين انسلخت "تالي"عن حزب الليكود، وفضلت مخيم جنين والإقامة جهاراً في بيت زكريا الزبيدي، قائد كتائب شهداء الأقصى في المخيم، تضامناً مع الفلسطينيين، وربما كان في نيتها نسج قصة حب لولا أن يد السجان الإسرائيلي كانت أسبق، فصارت "تالي" فلسطينية من حيث النضال والسجون.
كان يمكن للمشاهد العربي أن يعرف أكثر عن هذه القصص الحقيقية لو لم تغب "تالي" عن "امبراطورية الإعلام العربي" المتوجس دوما من "التطبيع" الذي لا تندرج تلك القصة تحت مسماه. فإظهار هذه القصص على الملأ العربي هو نقْلٌ لكيفية تحول الخيال إلى واقع، وإبراز دقيق لمعالم الشخصيتيْن النقيضتين، والكشف عن صور أخرى للحياة وسط الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبالتالي كسر الصورة النمطية لجوليات الذي هو أيضاً روميو إلى جانبه جولييت. محمد أبوعبيد
إعلامي بقناة العربية mrnews72@hotmail.com