الاتحاد الوطني الكردستاني وأزمة المنطق السياسي

طوال السنوات الماضية استطاعت الاحزاب الكردية في كردستان العراق الحفاظ على توازن علاقة الاقليم مع طرفي الصراع في العراق وهما اميركا وإيران وقد ساعد على ذلك وجود اتفاقية استراتيجية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ووجود السيدين مسعود البارزاني وجلال الطالباني على راس الحزبين.

اما الان وبعد غياب السيد الطالباني وانحسار شعبية هذا الحزب في الشارع الكردستاني بعد الانتخابات الاخيرة فان قادته الجدد يبحثون عن وسيلة تبقي حزبهم كقوة لها تأثير في المعادلة السياسية في الاقليم بعد ان تقاسمت معه حركة التغير اصوات مؤيديه في المناطق التي كانت تعتبر مناطق نفوذ له.

ومن جملة الوسائل التي يحاول الاتحاد التحرك من خلالها هي استغلال التوازنات الاقليمية المتفاعلة مع الشأن الداخلي الكردستاني لإثبات وجوده وإعطائه الحياة من خلال الظهور كحليف قوي لحكومة المالكي في كردستان والانجراف وراء سياسات ايران في الاقليم.

لا ضير من وجود علاقات حزبية جيدة بين الاحزاب الكردستانية وكل من ايران وتركيا والعراق حتى وان كانت خارج اطار حكومة اقليم كردستان غير انها يجب ألا تكون متعارضة مع الاطر العامة لمصالح الاقليم مع هذه الدول ولا تستخدم بالضد منها, ويفترض ان تكون هناك اسس للحفاظ على الامن القومي الكردي ووضعها كأولوية في العمل الحزبي في كردستان.

لكن السؤال هنا...كيف نحدد توجهات الامن القومي الكردي ومن يمثلها؟

1- ان التوجهات العامة للإقليم في اي دورة انتخابية يمثلها الحزب الذي يحوز على اغلبية الاصوات في الحكومة حيث ان الشعب هو من انتخبها على اساس توجهاتها السياسية والاقتصادية سواء كان الحزب الفائز هو الحزب الديمقراطي او الاتحاد الوطني او حركة التغيير, هذه من احد اسس اللعبة الديمقراطية في كل دول العالم.

2- وجود قوى متصارعة في المنطقة يحتم على الاقليم ان يكون له علاقات متوازنة معها, وإذا كان لا بد له من التحرك صوب احد من هذه القوى فالمنطق والمصلحة السياسية تقتضي ان يكون هذا التحرك نحو الجهة الاقوى من بينها دون التغافل عن الحفاظ على علاقات جيدة مع القوة الاخرى كي لا يصبح الاقليم ضحية للصراع بينهما.

ان علاقات الاحزاب الكردية خارج اطار الحكومة يجب ان تكون في النواحي التي لا تمس القضايا السيادية للإقليم, اما محاولات الاتحاد الوطني الكردستاني في استغلال التناقضات العراقية واستغلال حاجة ايران وحكومة العراق لوجود حليف قوي لهما في الاقليم يستطيعان من خلاله التأثير على القرار السياسي الكردستاني فهذا يمثل تغريدا خارج السرب الكردي تماما وخطأ قاتلا لن يكون هو وحده من يدفع ثمنه بل سيجر الاقليم كله لهذا الدرك.

لا احد ينكر على اي حزب كردي في ان يعمل ما بوسعه ويستغل علاقاته مع هذه الجهة او تلك لمصلحة الاقليم وحل مشاكله بالتنسيق مع الاحزاب الأخرى لكن اصرار الاتحاد الوطني لحل مشكلة قطع ميزانية الاقليم بمفرده مع حكومة المالكي يعطي رسالة خاطئة لكل الاطراف السياسية والشعبية في كردستان ويخرج علاقاته من اطار المنافع المتبادلة الى اطار شبيه بالعمالة لحكومة ايران وحكومة المالكي لا سيما وان الحرص الايراني كي يكون للاتحاد الوطني دورا اكبر من استحقاقاته الانتخابية في حكومة الاقليم مؤخرا يعطي مؤشرات بان الاتحاد الوطني اصبح رهن السياسة الايرانية في الاقليم.

لقد كان غريبا قرار المالكي المفاجئ بإطلاق رواتب موظفي كردستان بعد زيارة السيد عادل مراد العضو البارز في الاتحاد الوطني الكردستاني له خصوصا وأنها اعقبت زيارة قامت بها وفود كردستانية الى بغداد لم تسفر عن نتائج حاسمة, فكيف استطاعت شخصية حزبية غير حكومية اقناع المركز بإطلاق رواتب الموظفين في حين فشلت مباحثات اربيل وبغداد للتوصل الى ذلك؟

ماذا يمكن ان يقدمه حزب يعتبر حالياً الحزب الثالث في كردستان وما نوعية المفاوضات التي اجراها السيد عادل مراد مع المالكي وهي شخصية غير حكومية؟

يمكن تفسير ما حدث في النقاط التالية:

1- اراد المالكي من موافقته على اطلاق رواتب الموظفين شق صف الاحزاب الكردية وتشتيت مواقفها. وإعطاء انطباع للشعب الكردي بان سبب تعطيل ارسال الرواتب هو الحزب الديمقراطي الكردستاني (حزب الاغلبية الحكومية) وليس المركز.

2- ارسال رسالة للحزب الديمقراطي الكردستاني بان المركز يمكنه التعامل مع احزاب كردستانية خارج اطار حكومة الاقليم, وبان لها حلفاء حزبيين في كردستان يمكنهم التنسيق معهم في اللحظات الحرجة.

3- من بين الرسائل الخاطئة التي استقبلتها كل الاطراف ذات الصلة بهذه الزيارة هي ان الاتحاد الوطني يحاول ان يحل محل حكومة الاقليم في العلاقة مع بغداد خصوصا بعد تدهور علاقات الحكومتين. وهذا التوجه يصب في صالح حكومة المركز في ضعضعة الواقع السياسي في كردستان.

4- جر الاتحاد الوطني الى زاوية انكار وجود حكومة شرعية في اربيل من خلال التحرك حزبيا للتباحث حول قضايا لا تقع ضمن صلاحيات الاحزاب.

ان الاتحاد الوطني بسياساته الحالية يرجع الوضع الكردي الى زمن الثورة التحررية الكردية عندما كانت الاحزاب فيها تضطر احيانا للتعامل مع دول الجوار بشكل يفقدها استقلالية القرار السياسي وهذا التقهقر في الطرح السياسي لهذا الحزب سيتسبب في المزيد من فقدان ثقة الشارع الكردستاني به..فقد انتهى زمن المباحثات التي كانت تجري في الغرف المظلمة, لذلك فهو مطالب بان يعيد بوصلته السياسية والاتزان السياسي الذي كان يتحلى به طوال السنين الماضية وان يثبتوا للشعب الكردي بان السيد جلال الطالباني لم يكن الرجل الرشيد الوحيد بينهم.