الاتحاد الاشتراكي المغربي وأزمته الطاحنة

منذ هزة الانشقاق التي ضربت بقوة وحدة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عام 2001 عقب الصراع المرير بين قطب محمد اليازعي وقطب محمد نوبير الاموي وهذا الحزب مهدد بالمزيد من الهزات رغم أنه كان يعتبر في السبعينات من أقوى الاحزاب السياسية اليسارية المغربية وأنشطها على مستوى الفعالية النضالية وأكثرها تجذرا في رحم المجتمع المغربي وفي أهم مكوناته المدنية والثقافية والشبيبية والنسائية والنقابية، فضلا عما كان يتوفر عليه من أهم الاطر الاقتصادية والسوسيولوجية والفلسفية والادبية والطبية والاجتماعية والنسائية والاعلامية.

وعندما وقع الانشقاق في التاريخ المذكور بتفعيل مما يسمى التيار النقابي، فلا المنشقون أقنعوا الرأي العام الوطني ونخب اليسار المغربي بمسوغاتهم النظرية والسياسية في الانشقاق، ولا الباقون أقنعوهم بمبررات بقائهم.

وكأنني أستشف من هذا الزيغان في ركوب مخاطر الانشقاق، احتماء الطرفين بما قاله ذات يوم المرحوم المناضل الكبير عبد الرحيم بوعبيد ردا على مجموعة احمد بن جلون وعبد الرحمن بنعمرو عقب تهديدها بالانشقاق: "أرض الله واسعة".

فكل مجموعة داخل الحزب عندما يضيق صدرها بموانع تحول دون سيادة رؤيتها السياسية ودون إيجاد مواقع مؤثرة داخل الأجهزة القيادية تتجه نحو ذات الزيغان في اعتماد أسلوب الانشقاق من دون أدنى شعور بما يشكله هذا الفعل ليس في تدمير بنية الحزب وتعطيل وحدته فحسب، وإنما الضرر القاتل المتمثل في الإساءة للتجربة التاريخية للحزب ولرموزه السياسية وأعلامه الفكرية.

فمخجل حقا أن ينزلق حفدة وأبناء شهداء المهدي بن بركة وعمر بن جلون إلى هذا الحضيض في الممارسة السياسية الطفولية بعيدا عن قواعد الديمقراطية ومنطق إدارة الخلاف بروح فكرية تتسع لمختلف الأراء في أفق تجذير هذا المنطق ليسمح بالتفاعل الايجابي بين الرأي والرأي الآخر بالتوازي مع خلق دينامية متجددة لمؤسسات الحزب تكون حاضنة وراعية لذلك التعدد مع الحرص الشديد أن تكون القرارات السياسية صادرة من صلب هذا التعدد بما تعنيه من حرص شديد على ضمان تمثيلية فعلية معبرة عن القواسم المشتركة بعيدا كل البعد عن منطق حرب المواقع والولاء للأشخاص وهي آلية مخزنية منبوذة للاسف تظل متحكمة داخل كافة الاحزاب والنقابات.

من المحقق أن مسؤولية الانشقاق تقع على طرفي الصراع كلما تم تدبيره في غياب الآلية الديمقراطية والثقافة الديمقراطية والاحترام المتبادل لوجود الاختلافات في الآراء والتشجيع على تفاعلاتها وفق دينامية جدلية تغني الأفكار والتصورات لكي تجعل الحزب قوة اقتراحية على مستوى البرامج والتصورات السياسية التي وحدها قد تعيد للحزب فعاليته النضالية وتجعله قادرا على امتلاك الحلول الممكنة لأزمته الطاحنة التي تتهدده من جديد منذ انتخب ادريس لشكر في المؤتمر الاخير كاتباً أولاً للحزب.

فأين هي المشكلة إذن؟ هل تكمن في شخص ادريس لشكر كشخص أم في طريقة تدبيره لسير العمل الحزبي؟ البعض لا يعجبه لشكر كشخص والبعض الآخر يراه موغلاً في الفردانية ومنطق إقصاء مجموعة احمد الزايدي التي لها رأي واضح حول مسألة التأسيس الفعلي للتيارات داخل الحزب.

لكن لشكر يجب مواجهته بنضال حضاري داخل مؤسسات الحزب وفق صراع محكوم بأفق وحدوي بعيدا عن ردود الافعال وعن أساليب الشخصنة والنيل من سمعة أشخاص، فالمناضل لشكر على رأس الحزب هو ثمرة نضال حزبي داخلي كان مساره مختلا حكمته حروب المواقع وسادت فيه الولاءات، وغابت عنه قيم التسامح والصراع الفكري الداخلي المبني على الاحترام المتبادل والديمقراطية، وكلما كان الصراع معه على السلطة، وفي غياب ذات القيم، ستزداد مخاطر الانشقاق والذي لن يكون مدمرا للحزب فحسب، وإنما لكل قوى اليسار المغربي التي راهنت على تصحيح مساره في اتجاه استعادة هويته الإيديولوجية حتى يمكن له ان يجد موقعه الطبيعي إلى جانبها أو بالتحالف معها.

في رأيي أن الاتحاديين باختلاف مواقعهم وحساسيتهم السياسية والإيديولوجية كان عليهم ان يستوعبوا أكثر من رفاقهم في باقي أحزاب اليسار دروس الانشقاقات لان حزبهم هو الذي تضرر منها أكثر من غيره من الأحزاب، وأذكر أن من كل الانشقاقات التي استهدفته يمكن اعتبار اثنين منها ضرورين ومستجيبين لتطلعات الاتحاديين التقدميين من أجل موقعة الحزب ضمن حركية النضال الشعبي الراديكالي.

الانشقاق الاول عن حزب الاستقلال اواخر الخمسينات، والانشقاق الثاني عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اواسط السبعينات وتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بزعامة نوبير الاموي.

أما باقي الانشقاقات فهي لم تكن لا فرزا إيديولوجيا ولا حماية لخط سياسي إيديولوجي يساري ولا تعزيزاً لميزان القوة في الصراع بقدر ما كانت مدمرة لبنية الحزب ولسمعته السياسية ولعلاقته مع محيطه الشعبي.

مباشرة مع وفاة المرحوم بوعبيد وقع الاختيار على المناضل عبدالرحمن اليوسفي لاعتبار أساسي وهو أن الرجل الذي كان منفياً ولم يسبق له ان كان متموقعا مع أي من الأقطاب المتصارعة، يمكن له ان يلعب دورا كبيرا في ضمان وحدة الحزب، وهذا الاعتبار كان سليما خصوصا وان الرجل له وزن كبير وراكم تجربة نضالية هامة في المنافي، ومع ذلك وقع الانشقاق والمنشقون لم تكن لهم مشكلة مع اليوسفي بقدر ما كانت مشكلتهم مع محمد اليازغي ومجموعته.

ما يعتمل داخل الاتحاد الاشتراكي من تقاطبات واستهدافات متبادلة بلغت مستوى ما عاد يقبل به المنظق السياسي السليم، ولا تستفيد منه إلا القوى التي لها مصلحة في تفجير الحزب وإضعافه خصوصا تلك المرتبطة بالنظام المخزني.

وهذه القوى راهنت دائما على هدف شق الحزب وإضعافه لكي يفسح المجال لأحزاب ذات الولاء للنظام.

وليس أمام الاتحاديين لإنقاد حزبهم سوى مواجهة الحقائق بالنقد والنقد الذاتي لتجربة الحزب وإعلامه منذ انطلاق حكومة التناوب للخروج بتصور حول مستوى الاصلاح الحزبي كأولوية يضمن السير الديمقراطي العادي والمسؤول وإحداث نظام يؤسس ويشرعن للتيارات على اساس أفكار وبرامج واضحة وإفراز قيادة جماعية للحزب تكون ذات طبيعة تمثيلية لمختلف التيارات والإقرار باستقلالية الحزب وفك التحالف مع حزب الاستقلال الذي أساء زعيمه شباط للشهيد المهدي بنبركة وبمبدأ التحالفات مع باقي فصائل قوى اليسار بروح وحدوية كبديل استراتيجي والإقرار بالرفض المطلق لممارسة الولاء لما تسببه من أضرار معنوية وسياسية وتنظيمية تمس بالمصلحة العليا للحزب والاعلان عن مبدأ جبر الضرر لكافة المناضلين الذين تم فصلهم أو مغادرتهم للحزب نتيجة الحروب على المواقع والولاءات ورد الاعتبار لمبادئ الكفاءة، الفعالية، المسؤولية، التسامح والاحترام المتبادل كشروط أساسية على كل مناضل الالتزام بها، كيفما كان موقعه، روحا وممارسة.