الإنسيابية تحقق السرعة القصوى في سيارة فورمولا واحد

نيقوسيا ـ من سهيل الحويك
الإنسيابية يطغى صوتها على هدير المحرك

تعتبر السرعة المرادف "الظاهر" لسيارة فورمولا واحد.هدير المحرك والآلية التي تشق بها هذه "المركبة الغريبة" طريقها واستجابتها الفورية لمن يجلس خلف مقودها، كلها عناصر تشير بوضوح الى رغبة او ربما الى هدف يتمثل في تحقيق السرعة القصوى.

هذا في الشكل، اما المضمون فيتحدث بلغة مختلفة تماما.

بناء سيارة فورمولا واحد، وتحديدا الهيكل بأدق تفاصيله، هو العامل غير الظاهر و"المظلوم" الى حد ما رغم كونه يمثل الحد الفاصل بين نجاح وفشل في السباقات.

بطولة العالم للفورمولا واحد عاشت منذ ولادتها عام 1950 على انغام طائفة من التعديلات على مستوى قوانينها التنظيمية في محاولة للحد من سرعة السيارات وتفعيل عوامل السلامة وخفض تكاليف المشاركة.

ورغم ذلك، بقيت الانظار ترمق بعين لاهثة ادوات "التلاعب القانوني" بغية تحقيق مزيد من السرعة.

وفي هذا الإطار، استحوذت الناحية الانسيابية على سلم اولويات المهندسين بما لها من تأثير مباشر في تحديد المواصفات التقنية للسيارات المتنافسة.

ومع التطور الصناعي والتقني خلال سبعينات القرن الماضي وارتفاع تأدية المحركات في السباقات، كان لا بد من تكييف هياكل السيارات بطريقة تجعلها تتماشى مع قوة هذه المحركات.

وهنا بدأت "المساعدات الانسيابية" لهيكل السيارة يلعب الدور المحوري على مسرح الصراع الهندسي، كونها تضمن ثبات المركبة وفق ما نصت عليه الانظمة في هذا الصدد.

عام 1978، قدم البريطاني الراحل كولن تشابمن، مالك ومؤسس فريق لوتوس، نظام المؤثرات الارضية وزود سيارته بأجنحة طائرة لكن بوضعية معكوسة ادت الى التصاق المركبة بالطريق بدل ان تطير بها. كما اضاف تشابمن نفسه قطعة جانبية متحركة لحصر الهواء تحت السيارة وتفادي خروجه من جنباتها، الامر الذي منحها مقدرة على الالتصاق بالطريق خصوصا لدى انطلاقها بأقصى سرعة.

كل ذلك اسهم في زيادة سرعة السيارات عند المنعطفات، قبل ان يضاف اليها نظام التعليق المتحرك الذي قدمه فريق "برابهام" للمرة الاولى واعتمدته لاحقا الفرق كافة.

وشهد عام 1981 اتخاذ الاتحاد الدولي للسيارات (فيا) قرارا تمثل في حرمان سيارة كولن تشابمن المجهزة بهيكلين، احدهما ثابت والآخر متحرك، من المشاركة في البطولة عملا بالقوانين التقنية التي تنص على تجهيز السيارة بهيكل واحد وتحريم الاعتماد على مساعدات انسيابية متحركة.

وجاء عام 1983 لتلغى خلاله القوانين الانسيابية السابقة كافة وليوضع شرط يفرض ان يكون اسفل المركبة مسطحا، الامر الذي افضى الى تغيير في شكل السيارات المشاركة في بطولة العالم للفئة الاولى في تلك الحقبة.

ورغم مرور السنوات واحتفاظ المحرك بأداء دور مفصلي في تحديد امكانات سيارة فورمولا واحد، بقي الهاجس متمثلا في كيفية تمهيد الطريق امام السيارة لتشق مسارها بسهولة وسلاسة ولتبقى متماسكة وثابتة.

من هنا ولد وتطور مفهوم "الديناميكية الهوائية" او ما يسمى "علم حركة الهواء" الذي يهدف الى خلق ظروف محيطة مناسبة للسيارة تكفل لها تماسكا قويا وتقضي على قوى الاعاقة قدر الامكان.

انها الانسيابية التي تحكم سيارة الفئة الاولى وفرضت استخدام معادن حديثة جدا في صناعتها، بعضها شبيه بما يستخدم في صناعة الطائرات، واهم مميزاتها خفة الوزن والصلابة، وابرزها التيتانيوم والكافلار والبلاستيك والالياف الزجاجية والفحمية.

تتمثل المشكلة في مقاومة الهواء الذي يحد من سرعة اي جسم متحرك، وبالنسبة الى السيارة فهي تواجه اصطدام الهواء مباشرة بمقدمة الهيكل وتوزعه على جانبي الجسم، ما يخلق فروقا بالضغط على هذه الأطراف تشكل نوعا من المقاومة تحاول دفع هذا الجسم بعكس الحركة، وهو ما يعرف بـ"المقاومة الهوائية".

وتمثل الحل امام هذه المعضلة في تصميم سيارة فورمولا واحد بشكل انسيابي يكفل التخلص قدر الامكان من الاحتكاك بالهواء، اما ما تبقى من الهواء الذي يصطدم بجسم المركبة فيستغل لضغطها الى اسفل بغية تأمين تماسك اكبر.

ترتكز الديناميكية الهوائية على اقسام اساسية في السيارة هي الاجنحة التي تعمل وفق مبدأ عمل مثيلاتها في الطائرات لكن بشكل معاكس. ففي الوقت الذي تميل فيه اجنحة الطائرات الى اعلى لتمرير الهواء العلوي بشكل اسرع من الهواء السفلي لخلق ضغط علوي منخفض يؤدي الى رفع الطائرة الى اعلى، فإن الاجنحة في سيارة الفئة الاولى تميل الى اسفل كي تمرر الهواء السفلي بشكل اسرع من الهواء العلوي فينتج عن ذلك ضغط منخفض يوجد جاذبية تدفع المركبة الى اسفل.

وعندما تميل الاجنحة بزاوية محددة، يصطدم الهواء بها فيرتفع الى اعلى مولدا ضغطا عكسيا الى اسفل بشكل جاذبية تكفل تماسك السيارة.

الجناح الامامي هو اول ما يستقبل الهواء فيتعرض لضغط كبير، الا انه يؤمن حوالى 25 وحتى 30 في المئة من ضغط وجذب المركبة الى اسفل لكن هذه النسبة قد تتدنى إلى 10 في المئة عندما تكون السيارة خلف اخرى.

تعتبر مقدمة السيارة جزءا في غاية الاهمية في معادلة التماسك، لذلك يعمل المهندسون بدقة على تصميم الواجهة الامامية.

يتألف الجناح الامامي من قطعة اساسية كبيرة تميل بزاوية محددة بالنسبة الى خط الأفق، وتوضع خلفها قطعة اضافية.

يأخذ الجناح الامامي شكلا معينا بغية توزيع الهواء باتجاهات محددة، وليصدم بالتالي جسم السيارة بلطف وتفادي اصطدام الهواء بالاطارات الامامية بشكل عشوائي. كما يلعب دورا في ايصال الهواء الى المبردات الجانبية للسيارة بالإضافة الى كونه يعمل على توزيع الهواء بين اسفل واعلى المركبة بشكل مناسب وبحسب مقدار الضغط المطلوب.

توضع على طرفي الجناح الامامي قطعة صغيرة تمنع اختلاط الهواء في منطقة الضغط العالي بالهواء في المنطقة ذات الضغط المنخفض حتى لا يؤدي ذلك الى خلل ويفضي الى ما يشبه مطبات هوائية ينتج عنها الحد من ضغط المقدمة. وتوضع على هذه القطع ايضا اجزاء صغيرة اخرى تتحكم بمجرى الهواء الذي يتجه الى الاطارات فيجعله يتحرك بشكل ملائم عندها وفي منطقة اذرع التعليق بهدف الحد من المقاومة في تلك المناطق. كما تساعد هذه القطعة في توجيه الهواء بشكل مناسب للتحكم في عملية تبريد الاطارات الامامية.

ومن خلال جمع كل الاجزاء المذكورة، يتكون الجناح الامامي الذي يثبت على مقدمة السيارة.

الجدير ذكره ان القيمين على سباقات فورمولا واحد عدلوا القوانين في فترة من الفترات بهدف رفع الجناح الامامي حوالى 40 ملم بهدف التقليل من تماسك السيارة وبالتالي الحد من السرعة الزائدة.

اما الجناح الخلفي فيلعب هو الاخر دورا هاما جدا في تماسك السيارة اذ يؤمن حوالى 60 الى 70 في المئة من تماسكها من خلال فرضه ضغطا عاليا فوق سطحه العلوي ومنخفضا عند سطحه السفلي ليخلق جذبا الى اسفل.

وستشهد بطولة عام 2011 تعديلات عدة ابرزها اعتماد نظام "كيرز" واطارات "بيريللي"، بيد ان الاهم هو تبني جناح خلفي متحرك جديد سيساهم في ضمان "انضباطية" السيارة على الحلبة.

الجدير ذكره ان الجناح الخلفي يلعب دورا كبيرا في المساعدة على الكبح والحد من السرعة عند الضغط على المكابح.

القطعة الاساسية الكبيرة في الجناح الخلفي تتموضع في الاعلى ولها الدور الاكبر في عمل الجناح اذ ان قسطا كبيرا من الهواء يصطدم بها فيتولد ضغطا وجاذبية الى اسفل.

هذه القطعة مكونة من صفائح عدة تحدد بحسب الحاجة والقوانين.

اما القطعة الثانية فتتركز في منطقة منخفضة وتؤمن تماسكا اقل من ذاك الذي تولده الاساسية.

الجزء الاخير مؤلف من قطعتين توضعان على طرفي الجناح بهدف منع الهواء من الدوران خلف السيارة وحول صفائح الجناح بشكل عنيف.

الجناح الخلفي هو الاكثر عرضة للتغيير ولا شك في ان التعديل الجديد سيفعل دوره وستظهر النتائج خلال سلسلة 2011.

يذكر ان سيارة فورمولا واحد على حلبة سريعة كتلك في مونزا (إيطاليا) التي لا تحتاج الى تماسك كبير، لذا كان الجناح الخلفي بالعادة بسيطا وتقل زاوية ميلانه بالنسبة الى خط الافق لان الهواء عندما يصطدم به لا يحتك بجزء كبير منه فلا تتولد جاذبية كبيرة تبطئ السرعة.

اما في الحلبات البطيئة مثل تلك في سباق موناكو والتي تحتاج الى تماسك كبير، فإن الجناح الخلفي كان اكثر تعقيدا وتزيد زاوية ميلانه ليحتك به اكبر قسم ممكن من الهواء ويشكل جاذبية مناسبة للسيارة.

وبالنسبة الى الاجنحة الجانبية فهي تؤدي دورا لا يقل اهمية عن نظيراتها الامامية والخلفية ويتمثل في رفع الهواء ومنعه من التسرب الى اسفل السيارة بهدف المحافظة على الضغط المنخفض في الاسفل والذي يؤمن لها الجاذبية. وهنا يسير الهواء بسرعة اكبر من اعلى المركبة فيتولد الضغط المنخفض. وبتسرب الهواء الى اسفل السيارة، تصبح المعادلة الديناميكية خاطئة وتتعرض المركبة الى خلل هوائي خطر قد يرفعها عن المسار.

الاطارات الخلفية ايضا زودت بأجنحة جانبية صغيرة تحدد كمية الهواء التي تصطدم بها لتوجيه عملية التبريد ومنع الاحتكاك الزائد معها.

ولا بد من الاتيان على ذكر اجنحة اخرى متواجدة على الجانبين امام فتحات التبريد تتركز مهمتها في منع الهواء من الاصطدام مباشرة بهيكل السيارة الاساسي، بل يجعله يمر بشكل انسيابي على الجانبين. كما تحدد هذه الاجنحة كمية الهواء التي ستدخل الفتحات.

ولم يغفل المصممون كذلك "الديناميكية الهوائية" في الاطارات والأذرع.

ان دوران الهواء بشكل عنيف حول الاطارات والأذرع قد يلغي دور الجناح الامامي في وضع شكل مناسب للهواء بغية تمريره على بقية هيكل السيارة. لذلك تكون الاطارات الامامية اصغر من الاطارات الخلفية، حتى وان لم يكن ذلك ملحوظا، بهدف تجنب الاصطدام المباشر بها. كما ان الأذرع تخضع لتعديلات طفيفة نوعا ما لمنع الهواء من الالتفاف حولها وبالتالي انحرافه عن الهيكل الجانبي.

وهناك قسم في غاية الاهمية في خلفية السيارة، تحديدا في نهاية المشع السفلي كون تصميمه وجدارته قد يحددان مستوى المركبة بالكامل.

ان مرور الهواء من هذا القسم يعتبر امرا في غاية الحساسية لأنه لا يمكن اهمال اي خطأ بسيط قد تظهر نتيجته بشكل ملحوظ على السيارة ومسارها، ويشعر به السائق بالتأكيد.

لذلك عمل الكثير من الفرق على وضع العادم على سطح السيارة لتجنب احتمال الخطأ بخروج الهواء منه وانتقال هذا الخطأ الى هذا القسم الحساس. كما وجهت فتحة العادم بشكل ملائم ليخرج الهواء الى الجناح الخلفي ويساعد في الضغط باعتبار غازاته هواء اضافيا للهواء الذي يصطدم بالسيارة.

تطورت "الديناميكية الهوائية" خلال السنوات القليلة الماضية، وثمة تغييرات تدخل عليها كل موسم وان كانت طفيفة خصوصا ان الاتحاد الدولي للسيارات فرض قوانين صارمة بالنسبة الى الهيكل بهدف الحد من السرعة، الا ان معظم الفرق يجد حلولا وان جاءت غريبة.

فعندما قرر الاتحاد الدولي رفع الجناح الامامي بمقدار 40 ملم، بادر فريق فيراري إلى جعله منحنيا قليلا الى اسفل عند الوسط لكسب مزيد من التماسك.

من جهته، ابتكر فريق بينيتون السابق حلا غريبا تمثل في جعل الجناح الامامي من ثلاثة اجزاء لكسب ضغط اضافي حتى ولو كان ضئيلا.

ان اهم ما يوضع في الحسبان هو ان السيارة، عندما تشق طريقها عبر الهواء، تشكل نفقا هوائيا يخلق خلفها وسطا غير ملائم للسيارات التي تسير خلفها، لذلك يعد السير خلف سيارة اخرى امرا غير مناسب وغير مريح اذ يختل التوازن وتمتص السيارة غازات الأخرى، ما قد يحد الكثير من عمل الهيكل بسبب الإخلال بالمعادلات الديناميكية ومحصلات القوى التي تخضع لها المركبة.

كما يعتبر التجاوز امرا مربكا للسيارة من ناحية التوازن، فالخروج من نطاق النفق الهوائي للمركبة التي تسير في المقدمة قد يؤدي إلى تغيير كبير في تماسك السيارة على المسار، الامر الذي قد يفقد السائق السيطرة ليجد نفسه خارج الطريق.

وترتفع خطورة التجاوز عند بعض المنعطفات لان قوة جديدة هي القوة النابذة تبرز في هذه الحالة وتخضع السيارة التي تسحب بسببها الى الجهة المعاكسة لجهة الانعطاف.

تعمل الاجنحة على تثبيت المركبة خلال الانعطاف ومنعها من الخضوع التام للقوة النابذة. لكن لدى التجاوز عند المنعطف، يتغير الضغط الكلي فتزداد القوة النابذة بشكل مفاجئ، الامر الذي يؤدي إلى انزلاق السيارة من اقصى المقدمة او من اقصى المؤخرة بشكل سريع، لذلك يبذل المصممون جهدا كبيرا للتغلب على هذه الحالة.

ويتوجب على السيارة ان تحافظ على المعادلة الديناميكية الهوائية لتسير كما يجب. هذه المعادلة تعتمد على الاستفادة من ضغط الهواء بهدف ممارسة ضغط على المركبة بنسبة ثلاث مرات اكثر من الوضع الطبيعي، وبالتالي حتى ولو قلب المسار رأسا على عقب، فإن سيارة فورمولا واحد تبقى معلقة بالأرض طالما انها تحافظ على السرعة المناسبة.

وعند المنعطفات القاسية، تزداد الجاذبية حتى تصل الى ستة اضعاف الوضع الطبيعي ويشكل ذلك ضغطا كبيرا على السيارة والسائق على حد سواء. لكن رغم ذلك فإن سرعة المركبة تعرضها للانزلاق عند حدوث اي خلل هوائي.

الانسيابية عامل جوهري في سيارة فورمولا واحد، ولو كتب لها ان تعبر عن نفسها بـ"صوت"، لطغى صوتها على هدير المحرك، بيد انها فضلت العمل بهدوء حاملة لواء "الجندي المجهول".‏