الإمامة وهي الخلافة.. لم يعد الزمن مناسباً

الدخول في طاعة الإمام عبر البيعة

عبر العلماء عن سلطات الإمام بالواجبات، تقديراً منهم أن الأمير هو الذي يؤمر فيطيع، وأنه أجير في مال الأمة وعوائدها –بتعبير هذا الزمان موظف– ولا يشرف إلا بقدر عدله وتقواه. وقد استعرضت آراء العلماء فيما يخص واجبات الإمام، فوجدت شبه اتفاق على الواجبات العشرة التي أوردها الماوردي في "الأحكام السلطانية".

ممن وافقه فيها من العلماء القاضي أبو يعلى في أحكامه، وابن الأزرق في "بدائع الملك"، وابن حزم في "الشذرات من كتاب السياسة" الملحق بالبدائع، وابن تيمية والغزالي وغيرهم. وهذه الواجبات هي:

1- حفظ الدين على أصوله المستقرة والضرب على أيدي المبتدعين فيه بإقامة الحجة وتبين طريق الحق أولاً، ثم بالسجن والقتل ثانياً، لأن "حفظ الدين هو المقصود الأعظم من السلطان".

2- تنفيذ أحكام الله تعالى بين المتشاجرين، المتعلقة بالمعاملات المالية والأحوال الشخصية والجنابات.. حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم، وبين هذا الواجب أبو بكر في خطبة استخلافه.

3- حماية البيضة والذب عن الحريم، ونشر الأمن والطمأنينة، حتى تتحقق المصالح البشرية بانتشار الناس في الأسفار واكتساب الأرزاق.

4- إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف أو استهلاك.

5- تحصين الحدود، وسد الثغور، وتوفير العدة الكافية والقوة المانعة لذلك، حتى لا يظهر الأعداء على المسلمين، ويظفروا بغرة تسفك فيها الدماء وتنتهك الحرمات. وأضاف ابن الأزرق في هذا الباب صيانة حقوق أهل الذمة وأموالهم، وتمكينهم من أداء شعائرهم.

6- جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة، ليظهر دين الله على الدين كله.

7- جباية الفيء والصدقات بحسب أحكام الشرع نصاً واجتهاداً دون عسف ولا خوف.

8- تقدير العطايا، وما يستحق في بيت المال في غير سرف ولا تقتير، وإكرام آل البيت والعلماء وطلاب العلم.

9- تولية الأعوان الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من أعمال، وما يكله إليهم من أموال. قال ابن تيمية: "وليس عليه أن يستعمل إلا الأصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو صالح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب يحسبه".

10- أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة. لكن يجوز له الاستعانة بالولاة والأعوان والوزراء لكونه لا يستطيع القيام بكل المسؤوليات التي ذكرنا وحده.

حقوق الإمام

إذا التزم الحاكم المسلم بما أسلفنا من واجبات، وأقام العدل والشورى، وجب على الأمة حينئذ أن تقدم ما تعلق في أعناقها من تبعات البيعة، من دخول في طاعة الإمام، وانصياع لأوامره في كل ما ليس فيه عصيان لله عز وجل، وهذه جملة من الحقوق الواجبة للسلطان على الرعية ملخصة من "بدائع السلك" ومن غيره:

1- الطاعة في المعروف: وهي من أعظم الواجبات الدينية، وبها يعز السلطان وهي على أوجه: "على الرغبة والمحبة والرهبة والديانة، وطاعة المحبة أفضل من طاعة الرهبة والرغبة". وطاعة الديانة أفضل من الجميع –كما قال ابن الأزرق– لأن الدعوة الدينية تزيد الدولة قوة واقتداراً. قال الطرطوشي: "بالطاعة يقام الدين وتحفظ النعم". وقد حكى ابن الأزرق. أن الإمام أبا حنيفة لما منعه الوالي من الفتيا، كان يوماً في بيته ومعه زوجته وابنه، فقالت له ابنته: إني صائمة، وقد خرج دم من بين أسناني وبصقته حتى عاد الريق أبيض، فهل أفطر إذا ابتعلت الريق، فقال: سلي أخاك حمادا فإن الأمير منعني من الفتيا. والطاعة لا تكون إلا للإمام الحق العادل المختار على عين الرعية.

2- النصيحة له: لأمر النبي بذلك فيما صح عنه، "والنصيحة في حق الأئمة بالصبر على أذاهم إذا لم يعدلوا، والتنبيه لهم إذا غفلوك، وترك الثناء عليهم بما ليس فيهم، والدعاء لهم بالصلاح عند فسادهم"، وسيأتي تفصيل الطاعة والنصيحة في غير هذا المبحث.

3- تخويله حق التصرف في العوائد المالية: كما نص عليه مالك في دفع الزكاة إليه، وإن لم يعدل، لكن ابن العربي والشيخ عز الدين قالا: لا يمكنه منها من قدر على صرفها لمستحقيها، استخراجا لها من يده الغاضبة. وهذا هو الرأي الصواب. وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" عند قوله تعالى: "فهل نجعل لك خرجاً": "فرض على الملك قيامه بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد فرجهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره". وعليه، فإن السلطان العادل له الحق في جمع الأموال من مصارفها الشرعية، كما يجوز له أخذ فضول أموال المسلمين في حالات خاصة جهرا لا سرا، عدلا لا استئثاراً، مشاورة لا استبدادا.

1) الدعاء له: إن كان راضياً عادلاً بكل خير، والتماس الأوقات التي هي مظنة الإجابة. "والدعاء له بالصلاح من أهم المهمات على المسلمين لصلاحهم بصلاحه". لذلك قال بعض السلف: "لو كانت لنا دعوة مستجابة صالحة ما جعلناها إلا في الإمام". والراجح ألا يدعى للسلطان المتغلب –وإن لم يظهر فسقه– بالنصر والتمكين والصوت وطول العمر، ويدعى له بالهداية والصلاح وغيرهما.

2) القتال معه: على نهج علي لا في صف معاوية، فإذا بغت على الإمام جماعة وتكتلت، وأعلنت العصيان، وحملت السلاح، وجب على كل مسلم نصرة إمامه الذي بايعه طوعا. قال الماوردي: "إذا امتنعت الطائفة الباغية من طاعة الإمام، ومنعوا ما عليهم من الحقوق، وتفردوا باحتباء الأموال وتنفيذ الأحكام حوربوا، لينزعوا عن المباينة، ويفيئوا إلى الطاعة". ويطلب الإمام وجوباً أن ينصح للخارجين قبل قتلاهم، ويشترط ألا يكون القصد قتلهم، بل ردعهم وإعادتهم إلى الجماعة، وإن فروا لا يتعقبون، ولا تغنم ولا تسبى نساؤهم.

11- أحكام ملحقة:

• الإمام ولي لسائر أمور المسلمين العامة، وهو بذلك ولي لكل من لا ولي له.

• تجوز إمامة المفضول مع وجود الأفضل عند الجمهور حرصاً على الاستقرار، على ألا يكون مقصراً في عمله، قاصراً عن شروط الإمامة.

• لا يجوز عقد الإمامة لرجلين في زمن واحد، وإن حدث فالإمامة لأسبقهما بيعة وعقدا، كالوليين في نكاح المرأة إذا زوجاها باثنين. وإن عقد لهما معاً في زمن واحد، فسدت بيعتهما واستؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما من جديد.

• اختلف العلماء في اشتراط الإشهاد على صحة عقد البيعة، والإشهاد هو الإعلان الرسمي بهوية الإمام المنتخب على الناس، والراجح أنه واجب، لأن الإمامة ليست أحط رتبة من عقد النكاح الذي وجب فيه الإعلان.

• الشورى من الشروط الأساسية التي ينبغي توافرها في الإمام، وهي متضمنة فيما سبق من الشروط، غير أن التنصيص عليها هنا لازم للتذكير بأهميتها لقول النبي: ما تشاور قوم إلا هدوا لأحسن ما بحضرتهم.