الإمارات... النساء إلى فضاء العمل والبناء

التقدم التدريجي لا القفزات على الواقع

يعد التعليم أهم عامل لتشكيل وعي المرأة بأدوارها المختلفة، كما أن التعليم هو النافذة التي تطل منها المرأة على حضارة الآخر، وهو الوسيلة لمواكبة التقدم والنهوض بالمجتمع. وفي منطقة الإمارات كانت بدايات التعليم متواضعة وبسيطة. فيرجع تاريخ تأسيس المدارس النظامية الحديثة في منطقة الإمارات إلى بداية الخمسينيات من القرن العشرين بدعم من دولة الكويت.

أما تعليم البنات، فقد بدأ متأخرا بعض الشيء، إذ تم افتتاح أول مدرسة نظامية للبنات عام 1954 في مبنى مدرسة القاسمية، حيث تم تخصيص المبنى القديم للبنات بعد أن نقلت مدرسة البنين إلى مبنى جديد، وسميت "المدرسة القاسمية للبنات"، وقد تم تغير اسمها لاحقا إلى "مدرسة فاطمة الزهراء".

أما في رأس الخيمة، فقد كانت بداية تعليم البنات عام 1958 بإنشاء "مدرسة خولة"، التي تغير اسمها لاحقا إلى "مدرسة هند"، ومع حلول العام الدراسي 1964/1965 كان في الإمارة ثلاث مدارس هي: "خولة" و"زينب" و"النهضة". أما في دبي، فقد تم افتتاح أول مدرسة للبنات عام 1958، وهي "مدرسة خولة"، وفي أبوظبي عام 1963 وفي العين 1964 وفي عجمان 1967، وفي أم القيوين 1963 وفي الفجيرة، بدأ تعليم البنات بإنشاء "مدرسة أم المؤمنين" عام 1963، وكان بها (20) طالبة. وكانت أعداد الطالبات انعكاسا لتطور التعليم، وسرعة استجابة المجتمع لهذا النمط الجديد من المتغيرات الثقافية، فقد بلغ عدد الطالبات في أبوظبي عام 1968 حوالي (1394) بينما بلغ عدد الطالبات في الفجيرة حوالي (20) طالبة. وعلى الرغم من حداثة العلاقة بين المرأة والتعليم، فإنها سرعان ما أصبحت تلك العلاقة علاقة حميمية ومؤثرة على المرأة ومحيطها. فقد كانت المدارس هي المكان الذى انطلق منه وعي المرأة بأدوارها المتعددة.

أولت الدولة المرأة اهتماما كبيرا من ناحية التشريعات والقوانين. فقد نص دستور دولة الإمارات على أن المرأة تتمتع بكامل الحقوق والواجبات وأهمها التعليم والعمل، وتولي الوظائف العامة كالرجل تماما. واعتمادا على هذه الخلفية، فقد وصلت المرأة في الإمارات اليوم إلى أعلى المراتب القيادية، وصولا إلى وزيرة وسفيرة وعضو في المجلس الوطني وقاضية، حيث تشارك المرأة اليوم بفاعلية في السلطات السيادية الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.

الحقوق الدستورية

حققت المرأة مكاسب من أهمها: إقرار التشريعات التي تكفل حقوقها الدستورية، وفي مقدمتها العمل، والضمان الاجتماعي، والتملك، وإدارة الأعمال، والتمتع بخدمات التعليم، والصحة، بالإضافة إلى حقوقها كأنثى، والتي نظمها قانون الخدمة المدنية، كإجازات الوضع والأمومة وغيرها. وتم إنشاء المجلس الأعلى للأمومة والطفولة للارتقاء بمستويات الرعاية والعناية بالأم والطفل. ونتيجة لذلك الاهتمام أصبحت المرأة في الإمارات اليوم تتبوأ أعلى المراتب وصولا إلى وزيرة وسفيرة وعضو في المجلس الوطني وقاضية وموظفة في الخدمة العامة. وتشارك المرأة الإماراتية اليوم بفعالية في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية كافة، حيث تم تعيين أول مجموعة من المواطنات قاضيات في المحاكم الابتدائية ووكيلات للنيابة عام 2008 في دوائر القضاء بأبوظبي. أما السلك الدبلوماسي، فقد دخلته المرأة بخطى ثابتة منذ تعين أول سفيرتين لدولة الإمارات العربية المتحدة في الخارج، وتحديدا في السويد (نجلاء القاسمي) وإسبانيا (حصة العتيبة)، ومن ثم ثلاث نساء بدرجة سفير، وعدد كبير من النساء العاملات في السلك الدبلوماسي والقنصلي. تزايد أعداد النساء العاملات في السلك الدبلوماسي يعكس درجة الوعي عند المرأة والمجتمع على حدا سواء، بأهمية المشاركة في العملية السياسية، وهذا في حد ذاته يقدم لنا الدليل القوي على مدى التقدم الذى أحرزته المرأة حقوقيا ومجتمعيا.

وتعي دولة الإمارات أنه نتيجة لظروفها الديموغرافية والسكانية (تشكل العمالة الأجنبية ما نسبته 85% من سكان المجتمع)، فإن مشاركة المرأة ليست ضرورة اقتصادية فحسب، بل ضرورة ومصلحة وطنية. ولذا، يحتل موضوع تمكين المرأة ودمجها في الفضاء العام وتعريفها بحقوقها العامة، حيزا أساسيا من تفكير القيادة السياسية، بوصفه أداة مهمة من أدوات التنمية المستدامة، التي تطمح لها الدولة. وفي الواقع فإن التزام المرأة وحماسها للاستفادة من الفرص المتاحة كافة لها، أدت إلى تدعيم مركزها ووضعها الاجتماعي وبلوغها مراكز متقدمة لم تبلغها النساء في دول الخليج الأخرى.

المشاركةالسياسية

تعد قضية المشاركة السياسية من أهم القضايا التي تواجه المجتمعات عامة، والمرأة بشكل عام، لارتباطها بجوانب الحياة كافة وتطورها. وفي هذا المجال حققت المرأة تطورا كبيرا وقفزة عالية. فالعمل السياسي لا يعني فقط المشاركة في الانتخابات ودخول البرلمان، ولكنها تعني درجة الوعي عند الفرد والاستعداد للمشاركة في مختلف جوانب الحياة العامة. وفي أكثر من مناسبة أعلنت القيادة السياسية في دولة الإمارات دعمها وتأييدها للمشاركة السياسية للمرأة، وأن تلك المشاركة هي حق للمواطن سواء ذكرا أو أنثى. وكانت المرأة تتطلع لتلك الخطوة بشغف، وخاصة أنه لا يوجد في دستور الإمارات ما يمنع المرأة من ممارسة الأنشطة السياسية وتقلد الوظائف القيادية العليا.

ولكن ظروف المجتمع قبل عام 2004 لم تكن توفر للمرأة الفرصة المناسبة للمشاركة في اتخاذ القرار العام، على الرغم من الدعوات المتكررة التي كانت تطلق لإشراك المرأة إشراكا يناسب مؤهلاتها والمكانة التي وصلت إليها. ولكن في 2004 تحولت هذه الدعوة إلى واقع بتعيين الشيخة لبنى القاسمي، كأول وزيرة في الحكومة الاتحادية التي أعلن عن تشكيلها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2004. فقد أصدر الشيخ زايد بن سلطان في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004 مرسوما اتحاديا بتعيين الشيخة لبنى القاسمي وزيرة للتخطيط، كأول امرأة إماراتية تشغل منصبا وزاريا. تعيين لبنى القاسمي آنداك كان بمثابة كسر للطوق الاجتماعي الذى أحاط بالمرأة لسنوات وعطل من مسيرتها إلى قمة الحياة العامة. ثم تم تسريع المشاركة السياسية بعد تولي الشيخ محمد بن راشد رئاسة الحكومة الاتحادية في يناير (كانون الثاني) 2006، حيث توالت مشاركة المرأة في صنع القرار السياسي في مناصب ومراكز تناسب مؤهلاتها وطاقاتها.

في الثقافة

حققت المرأة إنجازات قوية في حقل الثقافة بكافة مجالاتها الأدبية والفنية. وعلى الرغم من أن علاقة المرأة بالثقافة في هذه المنطقة علاقة جدلية، فإن المرأة استطاعت تخطي العديد من الحواجز الاجتماعية التي تقف عائقا في وجه مشاركتها الثقافية. فقد كان البعض يروج لفكرة بقاء المرأة داخل أسوار المنزل، حيث دورها الرئيس المتمثل في تربية الأبناء، بينما تبنى تيار آخر اتجاها معاكسا يقول: إن مشاركة المرأة في الفضاء العام بأشكاله كافة أصبحت ضرورة. ولهذا نجد أن مشاركة المرأة الثقافية في بدايات الاتحاد كانت مشاركة خجولة. فقد كانت بعض النسوة يكتبن وينشرن شعرا ونثرا بأسماء مستعارة، تجنبا للعيب الاجتماعي. ولكن ما إن ترسخت قدمها في حقل الثقافة، حتى صارت المرأة تكتب باسمها الحقيقي، ويكون لها بروز ثقافي لافت.