الإقصاء عدالة السماء

بقلم: عادل الجوهري

الحزب الوطني اللاديمقراطي الذي كان حاكماً في مصر، أرتكب من السيئات بحق الوطن والمواطن ما لا يمكن حصره، ويا ليته توقف عند حدود الداخل، بل أمتدت سياساته المشينة إلى أبعد من ذلك حيث طال تأثيرها المدمر الأمة العربية والإسلامية، فأهدر بذلك تاريخ مصر وشعبها، فأفعاله من الجسامة بحيث لا يجرؤ أحد على المطالبة بطي صفحاتها بحجة أن ثورة 25 يناير العظيمة لا تسعى إلى الانتقام، وقد يكون ذلك صحيحاً، فالانتقام ليس من شيم الثوار، ولكن أيضاً التغاضي عن الجرائم الكبرى ليس من طبائع الأحرار.

وليس هنا المجال لتعداد الخطايا التي ارتكبها هذا الحزب الجاحد ضد الوطن والمواطنين، فما تم اكتشافه والكشف عنه بعد الثورة، وهو النزر اليسير، مع توقع المزيد من فضائحه في القريب العاجل، يكفي للدلالة على أنه لم يكن حزباً بالمعنى الموصوف لممارسة العمل السياسي المتعارف عليه في جميع بلدان الدنيا، على فرض أن مصر كانت في عهد ظلم وظلام مبارك تتمتع بأزهى عصور الديمقراطية كما كان يحلو للمأسوف على أقواله صفوت الشريف أن يُردد دائماً، فهذا الحزب لم يكن إلا تشكيلاً عصابياً اجتمعت قياداته على هدف واحد تُجسده كلمة وحيدة بما تشتمل عليه من معان واسعة ودلائل مُتخطية كل حدود العدالة، ومستعينة بكل وسائل القرصنة غير الشريفة، ومتسلحة بكل القوى والجبروت المتمثلة في أدوات القهر والذل التي وفرتها بسخاءٍ دولة بوليسية بائدة استباحت الوطن والمواطن، كلمة هي عنوان مرحلة سوداء في جسد مصر الطاهر الصابر، كلمة ناء عن تحمل أوزارها ونتائجها الكارثية ضمير الأمة أكثر من ثلاثون عاماً، إنها (الإفساد).

إن سبب وجود الحزب الوطني اللاديمقراطي طوال السنوات الأربعون الماضية كان مستمداً من الرئيس المرحوم أنور السادات، والرئيس المخلوع حسني مبارك، كما أن قيادات الحزب وأعضاؤه حصلوا على مقاعدهم في البرلمانين (الشعب والشورى) اعتماداً على سطوة وسلطة مباحث أمن الدولة وبالتعاون اللاشرعي واللاقانوني واللاأخلاقي مع البلطجية من خريجي السجون ومرتكبي الجرائم الذين كان الحزب ووزارة الداخلية يستعينان بهم رسمياً لتخويف وترويع وترهيب الناخبين وفي تزوير النتائج لصالح مُرشحي هذا الحزب سيء الصيت والسمعة ومساعدته على الاستحواز على السلطة والاستفراد ليتمكن من لإثراء الحرام، وطوال فترة حكم الرئيس المخلوع تم إقصاء جميع الشرفاء من تمثيل الشعب في أيٍ من مجلسي الشعب والشورى، فعندما تطالب اليوم جماهير الثورة بحل الحزب الوطني اللاديمقراطي وإزالة آثار حقبته القميئة من الحياة السياسية من ذاكرة الشعب، توطئة لمرحلة جديدة خالية من الأدران والملوثات، فلا يقولن أحد أن ذلك يعتبر إقصاءً، فقد سبق لهذا الحزب ورئيسه السابق وقياداته حرمان وتهميش وإقصاء الشعب بكامله من الحياة السياسية.

إن المطالبة بحل الحزب الوطني اللاديمقراطي ليست بدعة ابتدعتها الثورة المصرية، ولا هي محاولة للنيل منه بعد أن تعرى تماماً وانكشفت سوءاته أمام الشعب، ولكنها مطالبة منطقية تحتمها المرحلة الثورية الجديدة، فخلال ثلاثين عاماً كئيبة لم يسمح هذا الحزب لأحد بأن يعيش في أمان أو يمارس السياسة بحرية، هو أزاح الجميع من الساحة، فليس أقل من أن يشرب من نفس الكأس الذي أذاقها لغيره، فقد وقف الحزب بجبروت رئيسه السابق أمام طبيعة الأشياء، فإذا طالبت الثورة أن يُطبق عليه الآن الإقصاء،فذلك ليس إلا تطبيقاً لعدالة السماء.

إن ثورة 25 مايو لم يكن لها أن تنطلق إن هي بحثت عن أنصاف الحلول، ودماء الشهداء لم تسل إلا لتروي شجرة الحرية فتنمو ولعنان السماء تطول، أما بقاء حزب فاسد مفسد فهو كالخل الوفي والعنقاء والغول.

عادل الجوهري