الإفراج عن رواية للرياحي

بقلم: السيد نجم
يستحضر حكاوي المسخ والخيال

ما بين الحين والحين يتردد في الأجواء الثقافية العربية، ما يسمى بالإفراج عن كتاب ما، سواء في الإبداع أو القضايا العامة السياسية أو الاجتماعية أو غيرها. لعل الأكثر منه هو ما لم نسمع عنه، إلا أننا لا نملك الإحصاءات أو الهيئات الراصدة ذات المصداقية، التي ترصد حركة المد والجذب تلك. رواية "المشرط.. من سيرة خديجة وأحزانها" للكاتب التونسي كمال الرياحي، والتي أفرج عن مئة نسخة في معرض الكتاب التونسي خلال الشهر الماضي، هي آخر تلك الكتب التي أفرج عنها في الوطن العربي.
بدت الأسباب المبررة للحجز أن الرواية تجاوزت الأسباب السياسية المباشرة، إلى كونها "قليلة الأدب" و"فيها اسقاطات ما غير مرغوبة". هل يصلح هذا المصطلح هنا، لا أدري، ولكني أظن أنه يعبر أو يوجز ما يمكن أن يقال في هذا المقام!
قد أبدو متعاطفا مع العمل الأدبي (الرواية)، وصاحبه لعدد من الأسباب، أولها أن المعيار الأخلاقي وحده يوقع أصحابه في متاهة جوهر الفن وحقيقته نظرا لنسبية القيم عموما، مع سهولة اتهام صاحب الحكم الأخلاقي بالجهل الفني، الذي غالبا لا يعنيه ولا يعتبرها سبة.. وكأننا نتحدث في الفن ونحكم في سوق مكتظة بأناس لا يعرفون بعضهم البعض، ولا يرغبون.
وهو بالضبط ما يحيلني إلى السبب الآخر الذي يجعلني متعاطفا مع العمل، وهو ما تعرض له عملي.. رواية "العتبات الضيقة" من مصادرة بقوة ورغبة عمال المطبعة بالجهة التي أنشر عنها روايتي!.. لتكن رواية "المشرط" وقفتنا لنرى!!
رواية المشرط عمل طموح يسعى الروائي من خلاله البحث عن تناقضات معطيات الواقع المعاش، من خلال استحضار الماضي.. توظيف المعطيات الإبداعية الأخرى من فنون تشكيلية ونصوص متنوعة.. متابعة سردية تقليدية لحكاية ما.
وفي ذلك يعتمد الروائي على تنوع الشخصيات، البنية البسيطة والمركبة، توظيف تقنيات الطباعة من استخدام الفراغات والحروف الغليظة والتكرار في الحروف... وغيرها، الانتقالات الزمانية والمكانية المتعددة، استخدام المفردات اللغوية الصادمة غير المألوفة.
إننا إذن أمام عمل "حالة"، ولسنا في حالة قراءة تقليدية لرواية تقليدية، وهى السمة الأساسية للعمل. لذا فلا حيلة إلا بالتأكيد على القراءة غير التقليدية، حين تناول هذا العمل.
"الحقيقة".. انه العنوان الأول للصفحة الأولى من العمل، تلك التي سردها الروائي بتقريرية أشبه بالتقارير الرسمية التي يكتبها المحقق أو الصحفي في جريدته. فهناك جريمة ترتكب في الشوارع والطرقات والحواري (أحدهم يستخدم المشرط لتمزيق مؤخرات الصبايا)، لم تنجح الشرطة في القبض على الجاني، تولى أحدهم (صحفي) مهمة البحث والتحقيق. فلما لم يعثر على ضالته، توجه إلى أحدى الشقق التي شاهدوا فيها الجاني خلال الشهور القليلة الماضية. هناك وجدوا دفترين بخطين مختلفين، ولم يتمكن أحدهم من تمييز خط الجاني من الآخر، فقرر الصحفي نشر الدفترين على التوالي.
إننا إذن أمام مستويين من التناول والكتابة، لا نعلم أيهما يخص الجاني محل البحث، وأيهما البريء؟!
الخطان السرديان يقعان في ثلاثة أجزاء، وبالحقيقة والأجزاء الثلاثة تتشكل الرواية التي تقع في 177 صفحة من الحجم المتوسط.
خط تراثي حول ابن خلدون وما هو بخلدون، فالكاتب يستحضر من خلاله بعض حكاوي المسخ والخيال.. مع "المخاخ والنسناس وغيره".
وخط آخر يرى ما هو كائن ويدور في الطرقات وخارج القرى والمدن في البلاد البعيدة.. ها هو ذا أحدهم ينال من مؤخرات الصبايا بالمشرط، وتفشل الشرطة في العثور عليه، بينما صاح جندي في فضائية:
"دخلناها من مؤخرتها، قطعنا أنسجة أم قصر".
انها أوصاف نطقها أحد الجنود حول غزو العراق في 2003م، إننا إذن أمام عمل غير تقليدي، أمام حالة يحاول فيها وبها الكاتب أن يقول كل شيء.. ويصرخ بأعلى صوته، وان جعل من "المؤخرة" متكئه ومحور ارتكاز خبيث (فنيا). فالكاتب على مدار الرواية يلقى بدلوه باللعب بمفردة "المؤخرة".
أكثر ما يلفت انتباه القارئ، السؤال: كيف عرض الكاتب لإبراز رؤيته الفنية؟
تبدو عديدة ومتنوعة، منها نلتقط أبرزها، تلك الحواشي التي يقع فيها القارىء غير المحنك، فمنها ما هو من مقولات الكاتب وينسبها إلى صحيفة (مثلا) ومنها ما هو حقيقي، كما الأشعار وأغلفة الكتب، والصور مع الرسومات:
.. من الأشعار، قال أدونيس:
"ألمح بين الكتب الذليلة
في القبة الصفراء
مدينة مثقوبة تطير
ألمح جدرانا من الحرير
ونجمة قتيلة
تسبح في قارورة خضراء
ألمح تمثالا من الدموع
من خزف الأشلاء والركوع
في حضرة الأمير"

.. من المقولات المقحمة من الكاتب، منسوبة إلى إحدى الصحف:
"... ويقول في نفس الورقة إن الشاشية والعمامة والقبعات بجميع أنواعها الإفرنجية منها المغولية والشاشانية والأفغانية والأسوانية، مفسدة لرأي المرء وجلابة للنسيان والجنون ومذهبة للأدب وقد تكون حجة إدانة في ترحاله أضف أن الله لا يحب أصحاب العمائم لأنهم بذلك يجعلون بينهم وبينه حجابا.
لذلك قررت وزارة الثقافة والمحافظة على التراث نزع عمامة ابن خلدون تصحيحا للتاريخ واحتراما لرجل خدم البلاد والعباد".
.. من مقطفات الصحف:
"من صحيفة القدس".. ذكر ضابط عراقي سابق أن الرئيس العراقي صدام حسين بدأ أخيرا العمل على استعادة فاعلية التنظيم العسكري لحزب البعث...
"من صحيفة الوطن".. جنيفر لوبيز (الاستعراضية) خافت من العين الحسودة... لذلك أمنت على مؤخرتها بخمسة ملايين دولار...
.. من الحكايات:
حكاية ذلك الجندي الذي تعرض للنيران أثناء المعارك بين العرب والإسرائيليين، فاندفع الجندي الاسرائيلي إلى إحدى الحفر، وانزلق برأسه، فبدت مؤخرته عارية ومعرضة للإصابة بالرصاص، وهو ما أقلق الجندي قائلا: ".. ليس بالرأس وحده يحيا الإنسان، كيف أحيا إذن لو شطفت مؤخرتي؟!"
.. من المعاجم:
المؤخرة أو الإست، يقال لها ستهاء.
وأن الإست يسمى ثعلبة، وتسميه العرب جار الجار (الفرج).
ونسمي المؤخرة تغزلا "خديجة وخدوجة".. وهنا نجد تفسير العنوان الآخر للرواية "من سيرة خديجة وأحزانها".
.. توظيف السخرية لإبراز "وجهة نظر ما":
في الصفحة 149 يسرد الروائي خبرا باستخدام البنط الغليظ في كتابة الحروف، حتى بدا وكأنه حقيقي!!، يقول:
"نقلت الفضائية في موجز الأخبار الذي تخلل البرنامج، مسيرة سلمية لنساء المكسيك خرجت فيها تضامنا مع المرأة التونسية منددات بما تتعرض له أجسادهن من قمع معتبرات المجامعة الدبرية حرية شخصية ونادين بتنظيم مسيرات مساندة مماثلة في كل أصقاع العالم".
أما وقد انتهت الرواية بفقرة دالة تقول:
"أوردت وكالات الأنباء عن حملة من الاعتداءات استهدفت مؤخرات النساء في كل من بانكوك ونيويورك والقاهرة...وبقاع أخرى من العالم... كلها جرت بالمشرط نفسه الذي تحدثت عنه التحقيقات في تونس..."
ليبرز السؤال: أي مشرط ذاك الذي يعنيه الروائي وأي خديجة تلك؟ السيد نجم Ab_negm@yahoo.com