الإعلام العربي في اختبار المصداقية

بقلم: صباح علي الشاهر

ليس ثمة من يجادل في أن هنالك من يتظاهر في سوريا؟ وليس ثمة من يختلف في الإجابة عن سؤال: لماذا يتظاهرون؟ هذه قضية بسيطة الوضوح، شديدة البداهة، ولأنها كذلك فلم يكن من الممكن لأي ذي عقل الإدعاء بعكس هذا، وهذه نقطة يتفق على الإقرار بها المعارضون للسلطة والمؤيدون لها، لكنهم يختلفون في أمر آخر، ربما هو أكثر جوهرية وأهمية، ألا وهو: ماذا يريدون؟

في أغلبية المدن السورية والأرياف، في شرق وغرب الجمهورية، كما في شمالها وجنوبها، تتواصل المظاهرات التي يختلف البعض في حجمها وتوصيفها، مثلما يختلفون في إدائها. الواضح تماما أن المظاهرات كانت في البدء سلمية في الأغلب الأعم، ولكن لا يمكن للمراقب تجاهل حدوث بعض الشغب، والإعتداءات على مراكز حكومية وحزبية، وبالأخص في مدينة درعا الحدودية الجنوبية، وسواء كان هذا التخريب نتيجة حماس زائد وإندفاع تدميري لشباب مُحبط، لم يتم السيطرة عليه، أم كان نتيجة إندساسات لعناصر تخريبية، مُعدة ومُدربة سلفاً، فإن القضية وبحدودها المعروفة، والتي أُعلن عنها، لم تكن لتستوجب تدخل الجيش، هذا إذا علمنا أن النظام السوري يمتلك أقوى وأشرس نظام أمني وبوليسي في المنطقة، قادر على مواجهة أمور أكبر وأكثر خطورة مما حدث في درعا أو ريفها، نقول هذا قبل تحول الأمر إلى مواجهات دموية أثارت وتثير العديد من الأسئلة، التي سنحاول فيما بعد (وفي مقال لاحق) الخوض فيها قصد الإلمام بالصورة من مختلف جوانبها.

محض عبث عقيم محاولة البعض التقليل من أهمية هذه التظاهرات، وليس مهماً أن تكون مليونية أم بعشرات الألاف، ولا حتى ببضعة مئات، فطالما شملت كامل الجغرافية السورية، وتواصلت رغم نزول الدبابات، وحصار بعض المدن والبلدات، ورغم سقوط المئات من القتلى، ومئات الجرحى، من المتظاهرين، ومن أفراد الأمن والقوات المسلحة، فإن القضية تكون والحال هذه قد أخذت منحى شديد الخطورة، ليس بالنسبة لسوريا فقط، وإنما للمنطقة برمتها.

التهميش، والفساد، والعوز، والبطالة، والإحتكار السياسي والإقتصادي، وغياب الديمقراطية والحرية الحزبية والشخصية، وإنعدام الشفافية، وتعذر الإنتقال السلمي للسلطة، والتأثر بربيع الإنتفاضات العربية، والعرس الثوري في شوارع مدننا التي غفت عقودا، ثم تفجرّت مارداً أكتسح العفن، وأعاد الثقة لإنساننا العربي، الذي ذاق طعم أن يقول، فيُنفذ ما يقوله، ربما لأول مرّة في تأريخه الحديث، كل هذا وغيره ينبغي أن يكون في خلفية تحرك الشارع السوري، الذي لا يمكن عزله عن التوجه العام في المنطقة، والذي على السلطة السورية أن تقرأ أسبابه ومُسبابته جيداً، من دون تجاهل أنها هي بالذات من تسبب في حدوث هذا الشرخ بين الحاكم والمحكوم، وسياساتها اللا ديمقراطية، هي من أوصلت الشباب إلى حدود اليأس، ودفعتهم قبل التدخلات الأجنبية، غير البريئة، والتي لا يمكن إغفالها، إلى هذا الموقف، الذي عُد في بعض جوانبه عنيفاً، وعليه ينبغي على طريق المعالجة الصحيحة والإيجابية، التوقف عن كيل الإتهامات للمتظاهرين، والمنتفضين، وحتى لمن رفع الصوت بإسقاط بشار، فبشار في نهاية المطاف مواطن سوري، من حق السوريين القبول به أو رفضه.

أصعب ما يواجه المحلل السياسي، وهو في صدد التحليل والتقييم، هذا الكم من الأكاذيب، ولي أذرع الوقائع، الذي إزدحمت به صفحات وشاشات الإعلام، الذي إفتقد الموضوعية والمصداقية، والذي سقط في مستنقع التهريج والتهويل، والذي أصبح كل همه تغليب وجه نظر مسبقة، تبعاً لهواه، أو وفاءاً وتضامناً مع ولي نعمته، ناحراً شرف المهنة على مذبح المصالح والمنافع، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان المسك بالحقيقة العارية، خصوصاً عندما يكون المرء مُعولاً على وسائل نقل المعلومة، وهي هنا أجهزة الإعلام، سواء كانت معارضة، أو مؤيدة للمعارضة، سلطوية أو مؤيدة للسلطة، وكلها مع مزيد الأسف سقطت في إختبار المصداقية.

أنه لأمر مؤسف، وخسارة بالغة، أن يُضحي إعلام كرّس عبر عمل دءوب ومتواصل مصداقيته، من خلال إنجازات باهرة، جعلتنا نشعر بالفخر بالإعلام العربي، خصوصاً وهو يقتحم الميادين الخطرة بحثاً عن الحدث الحي، مقدماً قرابين غاليه في هذا الطريق، متفوقاً في أكثر من مناسبة على أكبر وأهم الأجهزة الإعلامية عالمياً، أن يضحي هذا الإعلام الذي تفاءلنا به خيراً، بالمصداقية التي هي أثمن ما لدى الإعلامي، والتي من دونها سوف لن يكون وفي أحسن الأحوال سوى شاهد زور، أومهرّج، أو نديم السلطان.

لم تكن فجيعتنا بالإعلام الرسمي، فقد وجدناه كما عهدناه، مُردداً نفس الجمل والتعابير، سابحاً عكس تيار الزمن، ولم يشفع له إطلاق أجمل الشعارات ببذخ فاق كل الحدود، لأنه قزّمنا، وقزّم الوطن، وقزّم الأمه، عندما إختزل الكل بشخص السيد الرئيس، وبهذا أساء للأمة مثلما أساء للرئيس، من حيث يدري أو لا يدري، ولكن فجيعتنا المضاعفة بالإعلام الذي إستبشرنا به خيراً، إذ سرعان ما أسفر عن وجهه الخفي، الذي تكشف إعلاماً مُروجاً للأكاذيب، مُمرراً للخديعة، غير قادر على الفرز، وتمييز الخيط الأبيض من الأسود، هل من ضعف الحيلة، وتواضع إمكانات العاملين، أم لأمر مفروض ومُلزم؟

هل نملك إعلاماً خاصاً بمواجهة إعلام السلطات؟

سؤال لابد من البحث فيه، بجراًة، ومن دونما مجاملة، وإن كنت أرى أننا نملك الآن "إعلام سلطة" يتقيد بالضوابط الدبلوماسية في التعامل بين الأنظمة، وكذا بين المسؤولين، لا يملك أي هامش من المناورة، لا أحد يراه أو يقرأه أو يستمع إليه، لكنه يثقل كاهل كل دولة، خصوصاً تلك الفقيرة، وذات الميزانيات المتواضعة، وإعلام سلطة آخر، نسميه "خاصا"، ونطلق عليه تجاوزاً، وزوراً وبهتاناً "حر" وما هو بحر إلا بقدر تحرره من الضوابط الدبلوماسية، مهمته الضرب تحت الحزام عند الحاجة واللزوم، والرمي بالزجاج على بيوت الآخرين.

إذ أردت معرفة هذا الإعلام المُسمى بالخاص والمزعوم بأنه "حر" ما عليك إلا أن تسأل، من صاحب هذا الإعلام؟ من مالكه؟ أو من مموله؟ وعندئذ سوف لن تجد صعوبة في معرفة الإجابة، التي ستأتيك طواعية، راكضة، حافية القدمين.

صباح علي الشاهر