الإعلام السلفي... قنوات تأخذ إلى الجنة!

مصطلح السلفية يعتبر من المصطلحات الغامضة، التي أصبحت متداولة اليوم، وذلك بسبب كثرة تداوله ليس فقط من طرف الباحثين، بل حتى إعلاميا وسياسيا، مما جعل الغموض والارتباك يميز هذا المصطلح. ومن الناحية اللغوية، كلمة السلفية مشتقة من كلمة سلف، التي تعني "السابق"، "وفي الاصطلاح الإسلامي تشير هذه الكلمة إلى التابعين من السلف الصالح، أي الآباء الطاهرين والمستقيمين أخلاقيا.

أما مصطلح الإعلام، فهو يحيلنا بشكل أساسي على وسائل الإعلام الجماهيرية Mass Media، ووسائل الإعلام الحديثة New Media. وحسب موسوعة بلاكوويل لعلم الاجتماع، يمكن تعريف وسائل الإعلام الجماهيري باعتبارها "أنساق الاتصال التي يقوم من خلالها موزع / مزود Providers مركزي باستعمال التكنولوجيات المصنعة ليصل إلى جمهور واسع ومتناثر جغرافيا.

الإعلام السلفي المباشر (أو الاسمي Nominal) ليدل على المؤسسات الإعلامية التي تحمل اسماً معيناً، يدل على انتمائها أو تأثرها بالأيديولوجيا السلفية، وتكون تعمل بشكل معروف ومحدد في إطار مؤسسي معين (مثلا قناة الناس، الرحمة أو موقع الشيخ محمد حسين يعقوب ...). والثاني غير مباشر (الكامن Latent)، وهو يدل على البرامج والمواقع والقنوات التي تتقاسم جزءاً أو جانباً من الأيديولوجيا السلفية، ولكنها ليست متخصصة في الخطاب السلفي.

فالتحولات الجارية في وسائل الإعلام الحديثة عرفت انفجاراً غير مسبوق، وتطوراً نوعياً دالاً في العالم عموماً، والعالم العربي خصوصاً. فقد أصبحت التقنيات الحديثة للتواصل منتشرة ومشاعة، بشكل لم يعد امتلاك إحدى هذه التقنيات دالاً على التفاوت بين الطبقات الاجتماعية. كما أن مختلف القوى المكونة للمجتمعات المعاصرة تسعى بشكل من الأشكال إلى توظيف هذه التقنيات، من أجل توسيع دائرة تأثيرها في المجتمع ورفع فعاليتها الأيديولجية عبر توظيف دقيق لهذه الوسائل. وقد عرف العالم العربي، كغيره من المجتمعات الإنسانية، تطوراً ملحوظاً في وسائل التواصل الحديثة، ومنه فتحليل تأثير وسائل الإعلام من طرف الحركات السلفية المعاصرة يبرز من خلال عدد من المؤشرات الدالّة كالتالي:

تطور مطَّرد في استعمال التقنيات الحديثة، في عدد من الدول العربية، وهو ما يبرزه تبوّأ أربعة دول عربية "ضمن الخمسين الأكثر جاهزية لاستثمار تقنيات المعلومات والاتصالات، كانت جميعها من دول مجلس التعاون الخليجي (الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت)".

انخفاض أثمان الأجهزة التكنولوجية، بشكل كبير في السنوات الأخيرة، حيث وصل ثمن اللاقط الهوائي إلى حوالي 40 دولاراً، والهاتف النقال وصل ثمنه إلى 20 دولاراً، واشتراك الإنترنت أصبح أقل من 20 دولاراً للشهر.

ارتفاع عدد القنوات والمواقع الدينية ذات المرجعية السلفية: بحيث ارتفع عددها إلى حوالى عشر إذاعات متخصصة في الخطاب السلفي، عبر القمر الاصطناعي الملتقط من العالم العربي (نايل سات)، بالإضافة إلى مئات المواقع الإلكترونية السلفية.

مؤشر اللغة: وذلك من خلال توفر البرامج التلفزية، والإذاعية، والمواقع الإلكترونية السلفية باللغة العربية، وهو ما ييسر التواصل مع ملايين المستمعين والمشاهدين، والمبحرين من متابعي هذه البرامج السلفية.

حضور مكالمات هاتفية ومشاركات: فالعديد من المشاهدين يمثلون زبائن على العديد من المواقع والقنوات الفضائية السلفية؛ وكذلك وجود صحفيين ومراسلين محليين، وبرامج لبعض القنوات والمواقع الإلكترونية تبث من عدد من الدول العربية. ومن جهة أخرى، فإن تأثير الإعلام السلفي يتم من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:

1 - المستوى العاطفي: تزايد الإذاعات والبرامج والمواقع السلفية، التي تؤدي إلى إعادة صياغة عواطف المشاهدين، والتأثير في الأذواق والاختيارات بناء على النموذج السلفي المقدم في هذه القنوات.

2 - المستوى المعرفي: وهو مرتبط بالبعد السابق، فالإعلام السلفي أصبح مصدراً جديداً من مصادر إنتاج القيم، وتلقين المعارف (الأيديولوجيا) السلفية وتشكيل الوعي بالقضايا المختلفة، خصوصا قضايا العقيدة والمعرفة (الفقه).

3 - المستوى السلوكي: وهو أعمق هذه المستويات وسابق عليها. فالعديد من الفضائيات والمواقع والإذاعات السلفية، المنتشرة عبر مختلف وسائل الإعلام الحديثة، تحمل في مضامينها قيماً ومرجعيات فكرية وأيديولوجية مخالفة لنموذج التدين السائد في المجتمع.

إن المؤشرات والمستويات المقدمة أعلاه تبرز التطور الذي عرفه الإعلام السلفي؛ بحيث أصبح يوظف عدداً من الأدوات الحديثة للتواصل، وسنقتصر في هذه الدراسة على تسليط الضوء على بعض النماذج من القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية السلفية. ففي العالم العربي تنتشر حوالى عشر قنوات فضائية سلفية (قناة المجد الفضائية، قناة المجد للقرآن الكريم، قناة الفجر، قناة الهدى، قناة الناس، قناة العفاسي، قناة الحكمة، قناة الأمة، الرحمة، قناة الحافظ)، من أصل حوالي 19 قناة دينية عبر القمر الاصطناعي نايل سات.

وهي نسبة تتجاوز 50% من مجموع القنوات الدينية المنتشرة في العالم العربي، كما تتوزع هذه القنوات السلفية عبر عدة دول عربية (مصر، الكويت، الأردن...). إلا أن الحضور المصري بارز بحيث تنطلق من مصر لوحدها خمس قنوات سلفية، وهي نسبة حوالي 50% من مجموع القنوات السلفية، بالإضافة إلى قناتين تنطلق في كل من الأردن والإمارات العربية المتحدة وقناة واحدة من الكويت.

أهم هذه القنوات:

قناة "الناس": تعتبر أشهر قناة سلفية في العالم العربي، تنطلق من القمر الاصطناعي نايل سات، بدأت عملها الإعلامي السنة 2006 باعتبارها قناة فنية احتضنت مجموعة من البرامج الموسيقية والتمثيلية؛ وتفسير الأحلام. ولكن "عندما فشلت هذه الصيغة في جذب عدد كبير من المشاهدين في سوق مزدحم، استدعى مالك القناة منصور بن قدصة - مستثمر سعودي- ثلاثة دعاة سلفيين مشهورين، محمود حسان، وأبو إسحاق الحويني، ومحمد يعقوب للانضمام إلى القناة، واختفت بعدها الموسيقى والنساء من القناة، وتحول شعار القناة من، قناة "الناس": "لكل الناس"، إلى "قناة الناس: القناة التي تأخذك إلى الجنة".

قناة "الحكمة": تعد أقل شهرة من سابقتها، إلا أنها تهدف حسب المعطيات، التي توردها في موقعها الإلكتروني الذي يعرض لرؤيتها ومنهجها في العمل، "إلى عرض صحيح السنة النبوية المطهرة على مدار الساعة حتى يعم النفع جميع أفراد الأمة الإسلامية".

بالإضافة إلى القنوات الفضائية، يمثل الفضاء الافتراضي المتجسد في المواقع الإلكترونية، إحدى أهم الوسائل التي يتوجه إليها الفاعل السلفي، بالنظر إلى كونها أقل تكلفة وأقل مراقبة وأسهل استعمالا، وهي عوامل موضوعية ساعدت على انتشار الخطاب السلفي عبر الإنترنت. ويحصي موقع "سلطان" حوالى 162 موقعاً الكترونياً للدعاة السلفيين من مختلف المرجعيات السلفية، بالإضافة إلى 63 موقعاً علمياً، متخصصاً في الإفتاء والفقه والعلوم الشرعية، ذا مرجعية سلفية.

خلاصة القول: تبرز التوجهات العامة للإعلام السلفي اليوم من خلال استثمار ثنائية الصورة والخطاب. فتوظيف الدعاة السلفيين لوسائل الإعلام الحديثة، وما يرتبط بها من جمالية وديكور وتجديد في الواجهات، لا يجعل منها مجرد برامج دينية صرفة، بل ويضيف عليها بعداً جمالياً، كما أن خطاب الدعاة الجدد السلفيين المبسط لتعاليم الدين والمبتعد عن الجدالات المرتبطة بجدلية تجديد الخطاب الديني؛ والنقاش الفكري المقاصدي الذي يتميز به خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة، يجعل منه خطاباً قريباً إلى وجدان الناس، يستقطب فئات اجتماعية واسعة ذات تكوين دراسي متوسط أو ضعيف، يفهم خطاب الدعاة الجدد السلفيين أكثر من الدعاة ذوي الخطاب المقاصدي.