الإعلام الاقتصادي العربي.. البحث عن كيان

بقلم: محمد كركوتي

"الأخبار الحقيقية.. هي الأخبار السيئة"
المعلم والمُنظر الإعلامي الكندي مارشال ماكلوهان

أعترف مسبقا، بأني لم أكن أتوقع حضوراً كبيراً للندوة التي أقامها "مهرجان إذاعة وتلفزيون الخليج" في دورته الـ 11 التي عقدت في البحرين تحت عنوان "الإعلام الاقتصادي العربي.. ماله وما عليه". وأعترف بأني كنت قلقا - كمدير لهذه الندوة – من "شح" الحضور، على اعتبار أن هذا النوع من الإعلام، لا يزال "إعلام النخبة"، بل لا أبالغ إن كنت: "إنه إعلام مجهول"!. ولأن الأمر كذلك، فقد حسبت – قبل الندوة- بأن المشاركة في حراكها، ستوازي تواضع زخم حضورها، خصوصا في ظل فعاليات ونشاطات ومناسبات مثيرة، ازدحمت بها أيام المهرجان، أضفت عليه سحرا يستقطب الباحثين عنه. وفي ظل هذه الأجواء، كيف يمكن للإعلام الاقتصادي العربي، أن يعثر على موطئ قدم؟ وكيف يمكن أن "ينافس" أمسية فنية هنا، وحفل توزيع جوائز هناك، ومعرضاً يضم أحدث المنتجات الإذاعية والتلفزيونية؟ بل كيف يمكن أن "يتنافس" في زحمة وجود نجوم فنية خليجية وعربية متألقة؟
اعترافي المسبق هذا، بأن ندوة "الإعلام الاقتصادي العربي"، لن تلقى إقبالاً مؤثراً، يفرض عليَ اعترافا آخر بعدها، وهو أنني كنت مخطئاً، وضعت التشاؤم في حده الأقصى، بعد أن بالغت في تقديراتي المُحبِطة! على العكس تماما، استقطبت هذه الندوة أعداداً غير متجانسة من الحضور، وهو أمر يصب في صالحها. وأعني بغير متجانسة، أنها جمعت حضورا من كل الشرائح، بما في ذلك رؤساء ومدراء مؤسسات إعلامية عربية كبرى ودارسين وفنانين ومنتجين وصحافيين وإعلاميين من كل الأعمار. هذا المشهد منح هذا الإعلام، شيئاً من الدعم الذي يفتقده، وأساساً يحتاجه للانطلاق نحو قراءة مستقبله، ووضعه في دائرة الضوء، التي لم يدخل إليها منذ انطلاقه في الأجواء العربية، بصرياً وسمعياً وورقياً. لقد أثبتت ندوة "الإعلام الاقتصادي العربي.. ماله وما عليه"، أن هناك من يسمع، وهناك من يشاهد، وهناك من يرغب في دفع هذا الإعلام إلى المكانة التي يستحقها، وسط الاهتمام الكبير في بقية القطاعات الإعلامية.

لقد كانت الندوة حية بكل معنى الكلمة. وأشركتْ مادتها الغالبية العظمى من الحضور، الأمر الذي أحدث تضارباً مع الوقت الذي خصص لها. ولأننا احترمنا المدة الممنوحة، فقد خسرنا مجموعة من المداخلات أحسب أنها كانت ستصب في قلب الموضوع المطروح. يمكن أن نعتبر هذه الندوة، بمثابة خطوة أولى على طريق الوصول إلى معالجة حقيقية للإعلام الاقتصادي العربي بشكل عام، والإعلام الاقتصادي العربي الإذاعي والتلفزيوني بشكل خاص. أما لماذا الاهتمام بهذا الأخير؟ فلأنه بات – ومنذ سنوات – أكثر تأثيراً على الملتقي، وأكثر وصولاً إليه. ولذلك فإن المسؤولية تقع عليه بصورة أعمق من الإعلام الورقي، الذي يفقد تدريجياً وجوده على الساحة العربية، بنفس الوتيرة التي يفقد بها تأثيره عالمياً.
الصدى الذي أحدثته الندوة الأولى من نوعها في تاريخ "مهرجان إذاعة وتلفزيون الخليج"، يطرح ضرورة "التأسيس" لعلاج الخلل في الإعلام الاقتصادي العربي، على الرغم من أنه حديث عهد، فيما لو قورن بالقطاعات الإعلامية الأخرى. فهناك الكثير من الأسئلة ينبغي الإجابة عليها، في أكثر من ملتقى أو تجمع أو ندوة أو مهرجان. أسئلة لا ترتبط بمستقبل هذا النوع من الإعلام فقط، بل تتعلق بالرابطة بينه وبين المتلقي. فلا تزال هناك شرائح واسعة تعتبر الإعلام الاقتصادي نوعا من أنواع "إعلام النخبة". هل هو كذلك بالفعل؟ هل وصل هذا الإعلام إلى مرحلة من النضوج، تكفل الحق لمن يريد أن يحاسبه؟ هل يمكن أن نصفه "بالإعلام الشامل" لهذه المادة الحيوية؟ هل قدم هذا الإعلام الاقتصاد من مفهوم المجتمع، أم العكس؟ ولمزيد من الأسئلة، هل كان هذا الإعلام على مستوى الأزمات، لاسيما الأزمة الاقتصادية العالمية التي لا يزال العالم يعيشها اليوم؟ هل استطاع – مثلاً – أن يقدم الخدمة المطلوبة للمستهلك والمستثمر في آن معاً؟ هل يمكن المقارنة بين الإعلام الاقتصادي العربي والأجنبي؟ هل نقص المعلومة الاقتصادية، هو السبب في تردي أوضاعه؟ وقبل هذا وذاك، هل "ينعم" هذا الإعلام بكوادر مؤهلة لخوض غماره؟
الأسئلة – كما نرى – كثيرة ومتشعبة، تحتاج إلى طرح متواصل، ومعالجة متمكنة. لاسيما وأن الإعلام الاقتصادي في حقيقته، هو الأقرب للحالة المعيشية للمتلقي، وليس بعيداً -كما يظن البعض- عن القاعدة الشعبية. فهو مرتبط بالمستهلك الذي يشكل المجتمع، لا العكس. لقد طُرحت هذه الأسئلة وغيرها في ندوة "الإعلام الاقتصادي.. ما له وما عليه"، وأتت الطروحات والنقاشات بعدها بالكثير من الأفكار التي يمكن أن تكون محاور لورش عمل، بل ولملتقى مخصص لهذا الموضوع – القضية. الجميع رغب في دور أكثر فاعلية للإعلام الاقتصادي على الساحة العربية، وحاول الجميع تحديد أماكن الخلل التي ينبغي العمل على إصلاحها، من أجل إعلام اقتصادي مستدام ومؤثر. حرص المشاركون والحضور على التركيز على قضية مهمة جداً، وهي أنه لا يمكن أن تطرح قضية هذا الإعلام من جراء أزمة عالمية أو حتى عربية، وأن هناك نقص في الكوادر العاملة في هذا المجال، بل وقصور في كفاءة نسبة كبيرة من الإعلاميين الاقتصاديين. وهذا أيضاً يطرح مسألة غياب المؤسسات أو الجهات، التي توفر التأهيل اللازم لهذا النوع من الإعلاميين، خصوصا وأن وسائل الإعلام الاقتصادية العربية الموجودة على الساحة، لا تزال دون مستوى التحول إلى مؤسسات تدريبية أو تأهيلية في هذا المجال!
هناك أيضاً القضية الأهم، وهي "الإعلام الاقتصادي والمستهلك". هذه القضية يمكن أن تشكل القاعدة الأساس لتطوير أداء هذا الإعلام، وجعله أكثر التصاقا بالمتلقي. والإذاعات ومحطات التلفزيون لا بد أن تكون في قلبها. لماذا؟ لأن الإعلام الاقتصادي هو أكثر قرباً من المادة الخدمية التي تشكل أساس الأداء اليومي للمجتمع. لقد وجدت هذه القضية اهتماماً كبيراً من المشاركين والحاضرين في الندوة، وأجمعوا على أن المستهلك يجب أن يشكل منطلقاً للمادة الاقتصادية المُقَدمة. يضاف إلى ذلك، أن إعطاء المستهلك "حقه الإعلامي"، سوف ينعكس إيجاباً على المؤسسات الإعلامية من خلال تدفق الإعلانات إليها. إن الإعلام الاقتصادي العربي، يمر بمرحلة صعبة للغاية، ولا أبالغ إن قلت: "إنه في مرحلة البحث عن كيان بعد حصوله على الهوية"، وتزداد مصاعبه كلما تعمق غيابه المؤثر على الساحة الإعلامية. ففي المؤسسات الإعلامية الغربية الناضجة، لا يتم التعاطي مع الخبر الاقتصادي كمادة من الدرجة الثانية، إذا ما كان يستحق بالفعل الدرجة الأولى. وقد أوجد هذا السلوك الإعلامي وعياً عميقاً لدى المتلقي في البلدان الغربية. فالمادة الاقتصادية ترتبط بلقمة العيش مباشرة، وهذا أمر من الأولويات.
مرة أخرى، يمكننا التأسيس على ما طُرح في ندوة "الإعلام الاقتصادي.. ماله وما عليه"، ويستطيع "مهرجان إذاعة وتلفزيون الخليج"، أن يأخذ زمام المبادرة، خصوصاً وأنه لأول مرة في تاريخه قدم في دورته الـ 11 جوائز لبرامج اقتصادية. إنها خطوة مهمة على صعيد التشجيع، وعلى طريق فهم قطاع لا يقل أهمية عن أي قطاع إعلامي آخر.

محمد كركوتي m@karkouti.net