الإصلاح الديني من الآليات القسرية إلى القراءات المفتوحة

بقلم: د. علي عبود المحمداوي
النص الديني يخاطب الناس أجمعين

قراءة النص الديني المنتجة لتعددية الحقيقة

يتشكل الفهم على محاولات في البحث عن الحقيقة، الحقيقة التي لم يصلها احد الا وانكر الاخر واقصاه، لا حقيقة بل حقائق، ذلك ما يمكننا من ان نحمل مشعل التغيير والتسامح والتعايش.

إن القول بالحقيقة المطلقة على المستوى الديني هو أشد الاقوال خطبا، لكثير من الاسباب منها: تعددية المذاهب والملل والنحل، تاريخية الصراع ورجال الحديث (تكذيب طرف وتصديق اخر)، علاوة على سبب الهوية التي تشكلت لتؤخذ منطلقا لالغاء الآخر.

كل ما سبق يسهم في تكبير مستوى التطرف الناتج عن الحقيقة الاوحدية المطلقة والتي لا اس مقنع لها، لذلك هنالك محاولات تشهدها الساحة الفكرية العربية والاسلامية اليوم تسعى الى اعادة فهم وبناء لتشكل جديد يحمل مرحليات الصحوة والتثوير والتنوير والتحديث اهدافا له، واليوم يتقلب الفكر العربي الاسلامي بين هذه المرحليات، ولغرض قراريته توجب البحث في امكانية تطبيق منهجية القراءة المفتوحة التي عليها ان تدعم نتاج التعددية الدينية ومقولات التسامح والخروج من مكبلات الالية السلطوية للمؤسسة الدينية المتطرفة.

ولعمل ما سبق يلزمنا ان نفهم التالي:

أ – إن النص الديني هو نص يتضمن خطابا الهيا، وهذا النص بالتاكيد يتضمن معنى حقيقيا ومرادا نهائيا، ويحاول مفسر النص (مهما كان) ان يتحرك في سبيل هذا الهدف. الا انا النتائج لا تصل الى هدف مشترك بين المؤولين.

ب- ان ما يصل إليه قاريء النص ومفسره من معنى لا يجعلنا متقيدين بأنه الحقيقة المطلقة بل الحقيقة التي توصل لها، لان البحث عن المعنى فيه هو الوصول إلى دلالة على ما يكون حجة لنا في اعمالنا وسلوكياتنا، وهذا غير متوفر لان الاحكام التشريعية في اغلبها والتي يسوقها موضوع الاجتهاد إنما هي أحكام ظنية بإجماع فقهاء التشريع.

ج- وبما أن النص الديني نص يخاطب الناس أجمعين وبكل زمان ومكان، فإن لهم الحق كله في أن يجدوا ما يفسر ويبرر ويرسم لهم شكل العلاقات الاجتماعية وعلائقهم الأخرى، مازالوا يبحثون عن تشريع لهم في هذا النص، وعليه يكون المعنى غير محصور، ومن ثم المعنى المعطى في زمن ما هو معنى مخالف لزمن آخر في كثير من الأحيان، ودليل ذلك اختلاف المفسرين مع ثبوت الآيات واللغة.

وعليه يمكننا القول إن هذه القراءة تعطينا فسحة من هاجس الحرية الفردية وصناعة حقيقة لا تقتل الآخر، ولا تلغيه، حقيقة تعترف بغيرها، لكنها تقول إنني أمثل حجة في هذا الزمان والمكان للتوافق حولي، وهنا يمكن ملامسة الجانب الاجتماعي في صناعة الحقيقة. وفي ذلك أيضاً مشكلة فتتحول الحقيقة من المقدس والمطلق إلى الإنسان الحر والمحدود!

إلا إن نظرية إمكانات القراءات المتعددة للنصوص الدينية لا يعني إباحة الفوضى في فهم وتفسير وتأويل النص الديني، فالقراءات المتعددة إنما تكون معقولة ومقبولة إذا ما التزمت بآليات البرهان والاستدلال العقلاني الاجتماعي فلا يمكن أن نقول إن كل النتائج التي تخرج بها القراءات هي صحيحة وعلى الدرجة نفسها من المصداقية أو التحقق أو القيمة المعرفية "فالقراءة التي لا تمتلك أدلة كافية لإثبات مقبوليتها يتم اجتنابها وطردها والإعلان عن بطلانها، ولكن يمكن أن تكون لدينا أكثر من قراءة تمتلك استدلالاً قويا وكافيا لإثبات معقوليتها ...".

إذن لنجعل من الخطاب الإصلاحي متوجها نحو القراءة للدين ولنصطلح عليه ولو تجاوزا أو مجازا على انه إصلاح ديني، وأقول ذلك لان قراءة الدين ترتبط بالمنظومة الفكرية والنسق المعرفي الإنساني والذي يمثل (الثقافة) فبقدر ما يمكن أن نتحدث عن إصلاح ديني بقدر ما الأمر متعلق بإصلاح نسقي متسلسل أو لا اقل مرتبط بالإصلاح الثقافي للفكر الإسلامي أو العقل الإسلامي والعربي، ولا قيمة للكلام عن بعض التعاليم في مجال من مجالات الإصلاح، ونتوقف عند غيره وذلك لأن "البنية الإسلامية مأزومة إلى النخاع" في كل متطلبات نهضتها، وفي كل ما يرتبط بإصلاح حالها وذلك من الأصولية إلى الدور السلبي الذي تمارسه بعض المؤسسات الدينية إلى الواقع المتخلف على مستويات السياسة والاقتصاد والاجتماع.

د. علي عبود المحمداوي ـ قسم الفلسفة – كلية الاداب – جامعة بغداد