الإصلاحات السياسية في تونس تأسيس لجمهورية الغد

بن علي يزيد حظوظ تونس في التنمية والحياة السياسيَّة المتطورة

تونس ـ تفتح تونس مع 7 نوفمبر 2007 طوراً جديداً من التغيير لتلج طوراً جديداً الذي يقوده الرئيس زين العابدين بن علي؛ طوراً جديداً فيه من الرهانات والتحديات التنموية والسياسية والاجتماعية.
وتعزِّز هذه المرحلة حظوظ هذا البلد العربي في التنمية والحياة السياسيَّة المتطورة.
ويقبل البلد على هذه المرحلة بقدر كبير أيضاً من التحفز والثقة لإثراء المنجز السياسي والتنموي بالتعويل أساساً على حسن التخطيط والاستشراف، وثقة تجد سندها في النقلات النوعية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أحرزها على مدى خمسين سنة من الاستقلال وبالأخص خلال العقدين الأخيرين من حكم الرئيس زين العابدين بن علي ثاني رئيس لتونس المستقلة.
وقد كانت تلك النقلات التي تترجم اليوم إلى وقائع ماثلة في الفضاء السياسي والمؤسساتي التونسي وفي ومؤشرات مدققة ينطق بها المشهد الاجتماعي والتنموي في هذا البلد..نتاج المكانة المتميزة التي احتلها هاجس الإصلاح والتحديث في مسارات البناء والتنمية التي خاضتها تونس على مدار نصف القرن الماضي وكسبت دفعاً نوعياً ودفقاً قوياً على مدار السنوات العشرين الماضية التي يبرز استقراء حصادها وفاء القيادة التونسية الحالية التي ارتقت للحكم مع تغيير 7 نوفمبر 1987 لموروث الحركة الإصلاحية الوطنية التي امتزج فيها منذ بدايات القرن العشرين وفي سياق معركة الكفاح التحريري التطلع إلى الحرية من الاستعمار بتحرير المجتمع من التخلُّف.
ولعل المفردات الكبرى التي وسمت تجربة تونس منذ الاستقلال في 20 مارس 1956 إصدار "مجلة الأحوال الشخصية" في 13 أغسطس من السنة نفسها كنص مرجعي وكوثيقة رمز استبطنت تطلع النخبة السياسية والمثقفة التي تولت الحكم غداة الاستقلال إلى بناء جديد يحلق فيه المجتمع بجناحيه وتتحقق فيه فضائل المساواة والتوازن والشراكة.
كما تميزت تلك الفترة بحدث فارق تمثل في إعلان النظام الجمهوري في 25 يوليو 1957 والذي كرس البعد السياسي في المشروع التحديثي التونسي. وهما حلقتان جوهريتان استكملتا في غرة يونيو 1959 مع إصدار دستور الجمهورية التونسية الذي كان منطلقاً لعملية بناء دولة الاستقلال الحديثة وللتقدم خطوات على درب التحديث الاجتماعي عبر خيارين أساسيين هما تعميم التعليم ودعم حقوق المرأة تشريعاً وممارسة.
وفي سياق هذا الوفاء للفكر الإصلاحي التونسي كان تغيير 1987 المنطلق لفعل إصلاحي شامل استهدف بالدرجة الأولى تثبيت مرتكزات النظام الجمهوري بما هي وعاء لمشروع التحديث الشامل السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي نهل من تجارب المجتمعات المتقدمة ومكاسب البشرية وعمل على تمثل عصارة الفكر الاجتهادي المستنير الذي اجتاح أصقاع العالم العربي الإسلامي منذ أواسط القرن التاسع عشر.
ولأن التغيير الذي قاده بن علي سنة 1987 يعد امتداداً للمشروع الإصلاحي التحديثي الذي باشرته دولة الاستقلال بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة فقد شهدت السنوات العشرون الماضية عمليات مراكمة نوعية ثبتت جملة المبادئ المرجعية للنظام الجمهوري من حيث تكريس مبدأ سيادة الشعب وعلوية القانون والاحتكام إلى المؤسسات وعملت على إثراء المنجز التشريعي التونسي بمختلف مكوناته باتجاه تأمين انخراط هذا البلد في حركة التحديث الكونية سيما لجهة بناء مجتمع ديمقراطي تعددي تزدهر فيه قيم الحوار والتسامح والاعتدال بمنأى عن محاذير الانغلاق والتطرف.
وفي هذا الباب برهنت القيادة التونسية على مدى العقدين الماضيين على إرادة مصممة في التأسيس لمشروع مجتمعي تحديثي متكامل الأبعاد متناغم الأهداف يدرك التونسيون اليوم ومعهم المتابعون لتجربة هذا البلد حجم النقلات النوعية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أحدثها في المشهد التونسي منجزاً سياسياً وتنموياً على الصعيد الداخلي وصورة مشعة خارجياً لبلد متقدم لم يتردد الكثيرون عرباً وأجانب مؤسسات إقليمية ودولية وأممية في وسم تجربته التنموية التحديثية بالفرادة والريادة.
وفي سياق هذه التجربة التي تغتني يوماً بعد آخر بمنجزات نوعية لها اثر كبير في واقع التونسيين وفي صورة بلدهم شكل مجال الإصلاح السياسي حقلاً خصباً لتكريس التطلع الوطني الجماعي إلى صياغة تجربة ديمقراطية تعددية تستمد هويتها ومفرداتها من واقع البلاد ومطامح نخبها المسيَّسة والمبدعة في تفاعل متواصل مع مكاسب البشرية في عصر العولمة الذي قرب المسافات وجعل الحدود الجغرافية التقليدية غير ذات معنى.
وليس من المبالغة في شيء القول بأن الدفق الإصلاحي الذي عاشته تونس منذ 1987 قد أسس واقعاً لا مجازاً لما يسميه الكثيرون من أهل الرأي والقرار تونسيين وعرباً وأجانب بـ"الجمهورية الثانية" ويطلق عليه كثيرون آخرون عبارة "النموذج التونسي" وهي تقييمات تشي بحجم النقلة التي شهدها البلد في حيز زمني قصير على أصعدة ترسيخ مبادئ ونواميس النظام الجمهوري وتكريس الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والاقتراب من مراتب الدول المتقدمة على مستوى تحسين مؤشرات التنمية البشرية وفسح المجال أمام المواطن للمشاركة الفعلية في تصريف الشأن العام السياسي والتنموي.
فقد جسدت تجربة تونس التحديثية ومنجزها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على مدى السنوات الماضية الترابط الوثيق المتين بين ثنائية "الديمقراطية والتنمية" تأكيداً لوعي النخبة المسيسة والمثقفة في هذا البلد بأن المكاسب التنموية والاقتصادية ليس لها معنى في حياة الوطن والمواطن ما لم تواكبها مكاسب مماثلة على صعيد تعصير الفضاء السياسي والمدني وتكريس الخيار الديمقراطي التعددي وتأصيل قيمة المشاركة كمبدأ وخيار ثابت لا يستثنى منه أي من أطراف المشهد السياسي والفكري الوطني.
وترجماناً لأبعاد هذه المقاربة الواعية بحركة التاريخ اقترنت إرادة تحسين نوعية حياة ومستوى عيش التونسيين بجهد لا يلين استهدف تطوير الحياة السياسية وتوسيع فضاءات التعبير الحر أمام سائر مكونات الطيف السياسي التونسي على اختلاف مرجعياتها السياسية والفكرية والإيديولوجية وكرَّس رسوخ العزم على توطيد مؤسسات ومبادئ النظام الجمهوري من حيث تعزيز مكانة السلطتين التشريعية والقضائية ودعم الضمانات الدستورية لاحترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية.
وتواترت في سياق هذه الرؤية الإصلاحية شواهـد سعي القيادة التونسية تشريعاً وممارسة، مبادرة وقراراً، إلى ترسيخ ثقافة الديمقراطية والتعدد على مستوى مؤسسات النظام الجمهوري وعلى صعيد هياكل وتنظيمات المجتمع المدني وأجهزة التخطيط والقرار التنموي مركزياً وجهوياً ومحلياً.
وقد وجدت الإرادة في تطوير المشهد السياسي والجمعياتي والمؤسساتي التونسي ترجمتها العملية في مجهود الإثراء المتلاحق للمنجز التشريعي الوطني المتصل بالحقوق والحريات والنصوص المنظمة للحياة السياسية والعامة التي عرفت في ظرف سنوات قليلة معدودة إضافات نوعية غير مسبوقة وسعت مدى ومجال ممارسة الفعل السياسي المنظم مع الحرص على تحصين العمل العام السياسي والجمعياتي من محاذير الانزلاق التي يمكن أن تؤدي إلى إجهاض التجربة وإدخال البلاد في متاهات من الفوضى والتسيب.

وإن ما عزز ولا يزال مقومات ديمومة البناء الإصلاحي الديمقراطي التعددي في تونس كون هذا البناء قد استند إلى مرجعية سياسية تأسيسية رسمت الخيارات والتوجهات الكبرى وسطرت التمشي والمنهاج الواجب توخيه لتحقيق المنشود وطنيا في كل أبواب التنمية سياسة واقتصاداً واجتماعاً، مرجعية أولى وكبرى تتمثل في البيان المؤسس لتغيير 7 نوفمبر 1987 الذي أكد فيه بن علي جدارة الشعب التونسي بـ"حياة سياسية متطورة ومنظمة تعتمد بحق تعددية الأحزاب السياسية والتنظيمات الشعبية" تواكب ما بلغه هذا الشعب من وعي ونضج بما "يسمح لكل أبنائه وفئاته بالمشاركة البناءة في تصريف شؤونه في ظل نظام جمهوري يولي المؤسسات مكانتها ويوفر أسباب الديمقراطية المسؤولة".
وفي سياق هذا التمشي الإصلاحي عمل بن علي مدعوماً بوفاق وطني واسع حول كبرى الخيارات والتوجهات التي أعلنها وعمل على هديها على الارتقاء بقيمة المشاركة السياسية للمواطن وتكثيف وتنويع مجـالات مساهمته في تصريف الشأن العام من خلال منابر وفضاءات الحوار والاستشارة وعبر مواعيد الانتخاب والاستفتاء كما حرص على إعادة الاعتبار لقيمة "المواطنة" التي أكد مراراً أنها تمثل العنوان لإحساس الإنسان بكرامته والحافز له على الإسهام الطوعي في التأسيس لمستقبل وطنه ودفع مسيرة نمائه.

واعتباراً للمنزلة الجوهرية للدستور لكونه المرجع الأعلى الذي يحكم البناء السياسي والمؤسساتي التونسي فقد كانت الإصلاحات التي شهدها هذا النص المرجعي في مراحل متلاحقة عنواناً لحرص متين على إحاطة مكونات الفعل التحديثي بمقومات الديمومة والشمولية إذ بادر بن علي منذ ارتقائه إلى سدة الحكم بالتأكيد على علوية الدستور وإلزامية احترام مبادئه من قبل الجميع سلطة ومعارضة مواطنين.
وفي سياق المد الإصلاحي الذي شمل الدستور الصادر في غرة جوان 1959 أتى تعديل سنة 1988 الذي مثل بحق صحوة دستورية إذ وضع حداً للرئاسة مدى الحياة وللخلافة الآلية بما أعاد للنظام الجمهوري اعتباره وأوكل للشعب كلمة الفصل في اختيار من يقوده.
وضمن المسار نفسه تتنزل مبادرة بن علي في 17 ديسمبر 1987 أي شهرا بعد التغيير الذي ارتقى به الى الحكم بإحداث "المجلس الدستوري" لمراقبة دستورية القوانين وهي مؤسسة تم إدراجها بمقتضى تعديلات لاحقة صلب نص الدستور وتم تباعا تعزيز صلاحياتها حرصاً على ضمان مطابقة التشريعات والقوانين على اختلافها لروح الدستور ونصه.
وأبرز المحطات المفاتيح في مسيرة الإصلاح السياسي في تونس التعديل الجوهري المدخل على الدستور التونسي في غرة يونيو 2002 والذي كان لأول مرة في تاريخ تونس المستقلة محل استفتاء شعبي انتظم يوم 26 مايو من السنة نفسها.
وقد شكل ذاك الإصلاح الذي طال زهاء نصف بنود الدستور محطَّة مفصليَّة في مسار تعميق التجربة الديمقراطية التعددية في تونس سيما من خلال تنصيص فصله 40 المعدل على مبدأ تعددية الترشحات لرئاسة الجمهورية.
وقد تعزز هذا الإصلاح الذي شمل بالتوسيع والتيسير مقتضيات وشروط الترشح للمنصب الأعلى للدولة بتعديل آخر لا يقل أهمية كرس الإرادة في إثراء الوظيفة التشريعية وتوسيع مجالات وفرص تمثيل سائر القوى السياسية والشعبية من خلال إقرار بعث غرفة برلمانية ثانية هي "مجلس المستشارين" الذي شرع في عمله صائفة 2005.
وفضلاً عن هذا البعد المتصل بالانتخابات الرئاسية وبدعم العمل البرلماني والذي ينطوي قطعا على مدلولات سياسية عميقة تنبئ عن النسق التصاعدي لنضج التجربة الديمقراطية التعددية في تونس فقد جاء الإصلاح الدستوري الجوهري لسنة 2002 مكرساً لمبدأ شمولية حقوق الإنسان وتكامل أبعادها ومرسخاً لقيم التضامن والتآزر والتسامح.
واعتباراً لمكانتها كأحد ثوابت المشروع التحديثي لدولة الاستقلال وكواحدة من مرتكزات الوفاق الوطني التي ارتقى بها بن علي إلى مرتبة الدستور كانت "مجلة الأحوال الشخصية"..مجلة المرأة والأسرة مدار إثراء نوعي لمضامينها من خلال التعديلات الهامة التي طالتها وأبرزها التنقيحات المعلنة في أوت 1993 وذلك باتجاه تعزيز حقوق المرأة التونسية ومكاسبها ودعم مكانتها في الأسرة والمجتمع والارتقاء بها من مرتبة المساواة إلى منزلة الشراكة التامَّة سيَّما وأن المرأة أضحت تتمتع بفضل مكاسبها التعليمية والمعرفية بحضور فاعل بارز في الحياة النشيطة وصلب فضاءات النشاط العام.

واستناداً إلى هذه المرجعية الدستورية المتطورة التي تدعم صلابة البناء الإصلاحي وتضمن أسباب ديمومته سلكت القيادة في تونس تمشياً يرمي إلى تكريس الخيار الديمقراطي التعددي كأحد ثوابت بيان 7 نوفمبر 1987 وكأحد تجليات مبدأي الحرية والمواطنة اللذين نص عليها الدستور التونسي بأن بذلت جهداً مثابراً لتطوير النصوص التشريعية المنظم للحياة العامة وذلك وفقاً لخيارات سياسية ورؤية إصلاحية لا تتعسف على الواقع ولا تغمط المواطن حقوقه وطموحه سيما في بلد أثمر فيه الرهان على التربية والتعليم منذ الاستقلال سنة 1956 تحولات مجتمعية هيكلية توسعت معها شريحة المتعلمين وتنامي الوعي الجماعي بوقائع عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وقد شكلت وثيقة "الميثاق الوطني" التي صادقت عليها سائر الأحزاب السياسية التونسية ومختلف المنظمات الوطنية والمهنية سنة 1989 علامة بارزة في مسيرة التأسيس لبناء وطني يستند إلى منطق الوفاق والإجماع حول الثوابت الجوهرية للنظام الجمهوري ومكاسب دولة الاستقلال ويتوخَّى أسلوب الحوار والمشاركة في رسم معالم المستقبل الوطني بمختلف مناحيه.
وضمن المسار نفسه تعد المبادرة في 3 مايو 1988 أي بعد ستة أشهر من التحول بإصدار قانون جديد للأحزاب السياسية إحدى الحلقات الهامة ضمن عملية البناء الديمقراطي في تونس ذلك أن هذا التشريع المستحدث قد أتاح توضيح وضبط دور الأحزاب في التأطير وفي تنظيم مساهمة المواطن في الحياة السياسية وذلك في إطار التحلي بمفردات السلوك المدني وفي نطاق شرعية القانون والدفاع عن الثوابت الأساسية لدولة الاستقلال ودولة التغيير وهي الهوية الوطنية وحقوق الإنسان وقيم النظام الجمهوري وحماية مكاسب الشعب ومصالحه ونبذ العنف والتطرف والعنصرية.
وبما أن هذا البناء السياسي قد استند إلى منطق التدرج الذي يجعل من كل خطوة على درب التطوير المدخل لخطوات أخرى أعلى وأعمق فقد شكل إدراج المفاهيم والمبادئ والثوابت المتصلة بعمل الأحزاب السياسية وعملية البناء الديمقراطي التعددي ضمن نص الدستور عنوانا لإرادة سياسية صريحة في إكساب القوانين والتشريعات المتصلة بالتعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات طابعا أكثر إلزامية وقوة قانونية أعلى تكفلان إلزامية إحترامها من قبل السلطات العامة وسائر أطراف المشهد السياسي الوطني.
وقد أتاح قانون الأحزاب لسنة 1988 ومناخ الانفراج السياسي والاستقرار الذي عاشته تونس على مدى العقدين الماضين من فتح مجالات الفعل والتحرك واسعة أمام الأحزاب السياسية التي يبلغ عددها حاليا 9 أحزاب 6 منها تأسست بعد تغيير 7 نوفمبر 1987 وآخرها "حزب الحضر للتقدم" الذي أعلن عن قيامه صائفة 2006.
وتحظى 5 أحزاب من المعارضة حالياً بالتمثيل صلب البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين) وضمن مجالس الولايات (المحافظات) والمجالس البلدية.
ومن منطلق رؤية وطنية تنأى عن منطق الإقصاء تلاحقت قرارات أعلى هرم السلطة في تونس من أجل توفير السند الضروري لمجمل مكونات المشهد الحزبي حزباً حاكماً ومعارضات.
وفي هذا الإطار بالذات يتنزل قرار الرئيس بن علي في 7 نوفمبر 2005 بمزيد دعم الأحزاب السياسية مادياً حتى تتوفر لها قدرات أفضل للعمل والنشاط وذلك من خلال الترفيع في مناسبتين في منحة الدولة المخصصة للأحزاب السياسية لتصل إلى 135 ألف دينار سنوياً.
ولأن الانتخابات تعد أسمى ممارسة ديمقراطية فقد أقر الرئيس التونسي تعديل التشريع المنظم لهذه العملية أي "المجلة الانتخابية" في عدة مناسبات بهدف توفير الضمانات اللازمة للناخبين ودعم شفافية ونزاهة العملية الانتخابية في مختلف مراحلها.
وأبرز هذه التنقيحات تعديل 4 أغسطس 2004 التي أقر نظام انتخاب رئيس الجمهورية في دورتين وتوسيع صلاحيات المجلس الدستوري لتشمل مراقبة العملية الانتخابية فضلا عن تركيز مرصد وطني توكل إليه مهمة متابعة مختلف مراحل العملية الانتخابية.

وبالتوازي مع التشريعات ذات البعد السياسي والانتخابي كان لرصيد التشريعات الضامنة للحريات ولحقوق الإنسان قدر كبير من اهتمام القيادة التونسية التي تميزت قراءتها لهذا المجال برؤية شمولية لا مجال في نطاقها للمفاضلة بين الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفرد والحقوق الخصوصية لبعض الشرائح التي تستوجب العناية والدعم على غرار شريحة الطفولة التي تعد تونس من البلد القلائل التي أفردتها بمجلة خاصة لحماية حقوقها.
وفضلاً عن مصادقتها على مجمل الاتفاقات والعهود الدولية ذات الصلة وإرسائها لمؤسسات موجهة قصرا لمتابعة تجسيم التشريعات الوطنية في المجال على غرار "الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية" التي أنشئت في 8 جانفي 1991 وتم دعم صلاحياتها ومشمولاتها في محطات لاحقة تتالت الإجراءات والتشريعات الداعمة لمنظومة حقوق الإنسان في نسق تصاعدي منذ تغيير 7 نوفمبر 1987 لتبلغ أكثر من 400 إجراء تكرس حقوق الإنسان ثقافة وممارسة في شمولية مجالاتها وكونية قيمها.
وتم في نطاق التمشي ذاته تطوير الجانب القضائي لحماية الحريات وحقوق الإنسان إذ ألغيت عقوبتا الأشغال الشاقة والسجن المضيق منذ سنة 1989 وذلك في إطار ارتكاز القانون الجزائي على مبدأ التدابير العقابية ذات الصبغة الإنسانية والإصلاحية التي تؤهل من زلت بهم القدم للاندماج مجددا في المجتمع.
كما انضمت تونس إلى اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمناهضة التعذيب سنة 1988 وعدلت النظام القانوني للاحتفاظ والإيقاف التحفظي ضمن مجلة الإجراءات الجزائية في ثلاث مناسبات (1987 و1993 و1999) قبل أن يأتي الإصلاح الجوهري للدستور سنة 2002 ليقرَّ إخضاع الاحتفاظ للرقابة القضائية وتنفيذ الإيقاف التحفظي بإذن قضائي ولينزل هذه الإجراءات في نص الدستور.
واستكمالا لهذا التمشي بادر الرئيس بن علي بإلحاق المؤسسات العقابية وقطاع حقوق الإنسان بوزارة العدل منذ يناير 2001 تكريساً لمبدأ الولاية القضائية على تنفيذ العقوبات حماية للذات البشرية.
وقد حظي المنجز التونسي في مجال حقوق الإنسان في محطات عدة بإكبار المؤسسات والهيئات الدولية المتخصصة.
ومن أبرز شواهد هذا التقدير انتخاب تونس سنة 2006 في عضوية أول تركيبة للمجلس الاممي لحقوق الإنسان وحيازتها حالياً عضوية اللجنة الأممية لحقوق الإنسان.

ووعياً بأن ترسيخ الخيار التعددي لا يتأتى بدون إرساء حرية الرأي والتفكير والتعبير تتالت المبادرات منذ تغيير 7 نوفمبر 1987 على المستويين التشريعي والمؤسساتي من أجل تمكين المجتمع من المقومات التي تكفل ازدهار قيم الحرية والتعددية والتسامح والتضامن.
وفي تكريس لإدراك القيادة في تونس للعلاقة الجدلية بين تحرير الاعلام وتحرير الفضاء العام بشتى مكوناته حرص بن علي في خطاب خمسينية الاستقلال (مارس 2006) على التأكيد على أن "تفعيل الحوار الوطني ودعم المجتمع المدني وتطوير دور الأحزاب السياسية لا يتوفر إلا في ظل إعلام حر نزيه قادر على النقد والتقويم والمساءلة".
وقد وجدت هذه المقولة التي تكررت مراراً في خطاب بن علي وقراراته على مدى سنوات التحول ترجمتها العملية في جملة من المبادرات التشريعية الهامة أبرزها المراجعات المتعددة التي شملت القانون المنظم للقطاع الإعلامي والاتصالي "مجلة الصحافة" بهدف تعزيز طابعه التحرري إضافة إلى المبادرات المتصلة بدعم التمويلات الممنوحة من قبل الدولة لصحف الرأي وصحف الأحزاب السياسية.
وقد تم تنقيح مجلة الصحافة في أربع مناسبات منذ التحول وذلك سنوات 1988 و1993 و2001 و2005 في اتجاه دعم حرية الإعلام وإلغاء العقوبات السالبة للحرية الشخصية وجعل حرية الرأي والتعبير حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.
ومثل إعلان الرئيس التونسي يوم 27 مايو 2005 بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للثقافة عن إلغاء إجراء الإيداع القانوني والعقوبات المترتبة عنه في ما يتعلق بالصحافة محطة مضيئة تدعم المسار الرامي إلى تعزيز حرية الإعلام والتعبير والنشر في تونس.
كما تواترت الإجراءات والخطط الرامية إلى تطوير أداء مختلف مكونات الفضاء الإعلامي المكتوبة والسمعية والبصرية والارتقاء بمضامينها بما يتلاءم مع أهمية الرسالة الموكولة إليها في ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية والتعددية وتعزيز انفتاح الفضاء السياسي والثقافي التونسي على مختلف الحساسيات وترسيخ ثقافة التفتح والتسامح والتضامن والحوار التي تحوز منزلة رفيعة في المقاربات التونسية لقضايا الداخل والخارج.
وكان لقرار بن علي في الذكرى 15 للتحوُّل (نوفمبر 2002) المتعلق بفتح الفضاء السمعي البصري أمام القطاع الخاص انعكاس كبير في إثراء الإعلام التعددي المتنوع الذي تعزز بفضل هذا القرار بإذاعتين حرتين على التوالي سنتي 2003 و2004 وبقناة تلفزية خاصة سنة 2005.

وإدراكاً من القيادة التونسية لأهمية الأدوار النبيلة للتنظيمات الشعبية والمؤسسات الأهلية في رفد مجهود التنمية وتأكيداً لإيمانها بأن تطوير وتكثيف النسيج الجمعياتي يعد رافداً للبناء الديمقراطي التعددي ودعامة حقيقية له عملت تونس على إحاطة نشاط الجمعيات بإطار تشريعي ملائم ومتطور وعلى تمكينها من فرص دعم مادي ومالي أوفى.
وتأسيساً على مرتكزات المشروع السياسي والمجتمعي والتنموي الذي تتوخاه منذ زهاء العقدين اعتبرت تونس دعم النسيج الجمعياتي وتنويع مسالك ومجالات تدخله وتوسيع دائرة مشاركته في فضاءات الحوار والاستشارة حول أمهات القضايا الوطنية وأبرز الملفات التنموية من صميم إرادة التأسيس لبناء ديمقراطي تعددي منغرس في التربة التونسية ومعبر عن مشاغل وشواغل وإرهاصات المجتمع التونسي ونخبه.
ويعتبر ما شهدته الساحة التونسية على مدى العقدين الماضيين من تنام لعدد الجمعيات وتنوع لميادين اختصاصها وشمولها لمجمل التراب التونسي ولسائر مجالات النشاط من قبيل نشدان التراكم المؤسس للتحولات النوعية كما أنه يتنزل بصورة أكيدة في نطاق المسعى لتكريس مفهوم الديمقراطية التشاركية وهو مسار ديناميكي متطور قوامه إطار سياسي وتشريعي محفز ومحيط حراك تنموي دافع وثمرة تطور معرفي وثقافي أدركه الشعب التونسي بفضل رهان تونس الاستقلال على التعليم سبيلاً لارتقاء الفرد وازدهاره وعلى تحرير المرأة مدخلاً لبناء أسرة منسجمة ومجتمع متوازن.
وقد أكد بن علي في خطابه يوم 20 مارس 2006 بمناسبة خمسينية الاستقلال على جسامة ونبل الرسالة الموكولة لتنظيمات المجتمع المدني في رفد الجهد الإصلاحي الوطني بأن شدد على أن "حركية المنظمات الوطنية ومختلف مكونات النسيج الجمعياتي هي مؤشر صحة للمجتمع وعامل توازن وتفاعل بين مختلف مكوناته" معربا عن اليقين بأنَّ "للمجتمع المدني دوراً أساسياً في معاضدة جهود الدولة في مختلف المجالات كما أن له دوراً مهماً في النقد والتصويب وتوسيع مجال المشاركة في الحياة العامة".
وفي سياق المسعى الرامي إلى دعم مكانة المجتمع المدني كأحد المفاهيم المرتبطة بالديمقراطية كمنهج وكتجربة تاريخية انتهجت الإرادة السياسية في هذا البلد العربي خلال العقدين الماضيين باب التشريع والقانون سبيلا لتنمية وتكثيف نسيج المنظمات والجمعيات عبر إدخال إصلاحات جذرية على الإطار القانوني المنظم لاحداث الجمعيات (قانون الجمعيات) سيما عبر المبادرة منذ سنة 1988 إلى إلغاء الترخيص المسبق عند تكوين جمعية وتعويضه بتصريح وهي مبادرة تنبئ عن العزم على تحرير الفضاء السياسي والاجتماعي أمام القوى الحية وسائر الحساسيات للتعبير عن ذواتها والإسهام بالتالي من مواقعها في خدمة الشأن العام بتنوع أبوابه ومجالاته.
ويتيح استقراء التطور الكمي الذي عرفه عدد الجمعيات في تونس خلال العقدين المنقضيين تبين أهمية وعمق النقلة المسجلة على هذا الصعيد والتي تنطوي فضلاً عن ذلك على أبعاد نوعية جلية ذلك أن عدد الجمعيات قد تضاعف أربع مرات خلال هذا الحيز الزمني إذ ارتفع من 1976 جمعية سنة 1987 إلى أكثر من 8 آلاف جمعية سنة 2006.

ان هذا الرصيد الثري الذي راكمته تونس في سياق نهجها الإصلاحي المتسم بالجرأة والريادة قياساً بدول المحيط وأخذاً بالاعتبار محدودية الثروات الطبيعية وما يحفل به تخطيطها السياسي والتنموي سيما البرنامج الانتخابي "بن علي لتونس الغد" (2004-2009) والمخطط الحادي عشر للتنمية (2007-2011) من خيارات ومشاريع يجعل الآفاق واعدة بإثراء هذا المنجز الديمقراطي والتنموي الذي رددت القيادة التونسية ومعها القوى الحية أنه يظل دوماً منفتحاً على مدارات أعلى وأرقى تتناسب مع درجة التقدم المجتمعي وتستجيب لتطلعات التونسيين والتونسيات الى قدر أكبر فأكبر من النماء والرفاه والوفاق.
وإن ما تضمه اليوم الساحة السياسية التونسية من تنظيمات حزبية وهياكل وتنظيمات جمعياتية فضلاً عن الحضور المتنامي للمرأة والشباب صلب مؤسسات الاستشارة والقرار وطنياً وجهوياً ليقوم دليلا على الحركية الخصبة التي تطبع المجتمع التونسي الذي تجد مكوناته المختلفة بشتى تلويناتها فضاءات متعددة لإبلاغ آرائها ومواقفها والمساهمة الفعلية في صياغة القرار السياسي والتنموي في كنف إلتزام الجميع بالثوابت الوطنية والولاء لتونس..تونس وريثة قرطاج والقيروان وأرض جامع الزيتونة المعمور.