الإصلاحات الدستورية المصرية: رؤية أميركية

أصدر برنامج الشرق الأوسط التابع لمركز كارنجي لدراسات السلام الدولي دراسة عن ضرورة تتبع الولايات المتحدة للديمقراطية في مصر لميشيل دوني كبير الباحثين بالمركز والمتخصصة في دراسات الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض ومحرر نشرة الإصلاح العربي، ومؤلف لعدد من الكتب عن الديمقراطية في الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية. فترى الكاتبة أن الأحداث التي تموج بها منطقة الشرق الأوسط على الساحة الفلسطينية، اللبنانية والعراقية جعلت الولايات المتحدة تتخلى عن نشر وتعزيز الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وحاجة الولايات المتحدة لتقرب من الدول الصديقة (مصر، السعودية، الأردن.......)، ومواجهة بعض قوى الممانعة في المنطقة مثل سوريا لحل واحتواء تلك القضايا. ولكن مازال هناك العديد من الفرص أمام الولايات المتحدة لمتابعة الديمقراطية على المدى الطويل بدون تعريض الاستقرار وعلاقات الولايات المتحدة مع الدول الصديقة للخطر. التعديلات الدستورية المصرية في 26/12/2006 طلب الرئيس حسني مبارك تعديل 34 مادة من الدستور المصري لفتح باب الديمقراطية والحريات في مصر، والتي تتيح أن يكون للأحزاب السياسية مرشحين في الانتخابات الرئاسية القادمة (2011)، وإعطاء السلطة التشريعية قدر كبير من الرقابة على السلطة التنفيذية والموازنة العامة، وإصدار قانون مكافحة الإرهاب بدلا من قانون الطوارئ الذي مازال يعمل به حتى الآن، ونقل بعض من سلطة الرئيس الى السلطة التنفيذية، ولكنها تحد من سلطة السلطة القضائية في مراقبة الانتخابات التي ترى فيها قوى المعارضة أساس نزاهة العملية الانتخابية (الرئاسية والبرلمانية)، فضلاً عن منع تكوين أحزاب على أسس دينية أو عرقية أو مذهبية. وقد أشار الرئيس في خطابه للبرلمان أن هذه التعديلات الدستورية تهدف الى نظام سياسي مصري للعصر الجديد، والتي ترى فيها ميشيل أنها تهدف الى تمكين نجل الرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية القادمة، بعد تصعيده في الفترة الأخيرة داخل الحزب الوطني الديمقراطي (الحزب الحاكم في مصر). ففي الآونة الأخيرة بدأ الحديث عن نجل الرئيس كمشرح للحزب الوطني الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية القادمة (2011).
فقد قاد جمال مبارك الإصلاحات السياسية والاقتصادية في مصر بل أنه هو الذي أعلن أن عن رغبة مصر في امتلاك الطاقة النووية في الاستخدامات السلمية لمواكبة التطورات الحديثة التي يشهدها العالم في الفترة الأخيرة خلال المؤتمر السنوي الرابع للحزب الوطني الديمقراطي في شهر سبتمبر 2006. ورغم الاختلافات بين الحزب الوطني الديمقراطي وقوى المعارضة إلا أن هناك اتفاق حول العديد من القضايا مثل الانتخابات الرئاسية، وتقوية سلطة السلطة التشريعية في مواجهة السلطة التنفيذية، وإلغاء حالة الطوارئ. الولايات المتحدة والإصلاحات الدستورية المصرية ترى ميشيل دوني أن هذه الإصلاحات الدستورية التي تشهدها مصر في الفترة الحالية قد تكون بداية التحول الديمقراطي المصري، كما أنها قد تكون بداية اتجاه لمزيد من تأكيد سلطة الدولة الشمولية السلطوية وتأكيد خضوع المواطنين الكامل لسلطة الدولة.
و ترى أن متابعة أو عدم متابعة الولايات المتحدة لهذه الخطوات الإصلاحية سوف يكون له مردود على نتائج أو المخرج الأساسي لهذه التعديلات والتطورات الجديدة التي ستشهدها مصر، وفي وجهة نظر الدول العربية من مدي جدية الولايات المتحدة في دفع وتعزيز الديمقراطية بصورة عامة وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص. والشهور القادمة ستوفر للولايات المتحدة الأميركية الفرصة لدفع مصر تجاه إصلاح سياسي حقيقي. وتري أن هذه الإصلاحات السياسية التي أعلنها الرئيس حسني مبارك ــ زعيم الحزب الوطني الديمقراطي ــ تتيح الفرصة لنجله في الانتخابات الرئاسية القادمة.
و ترى أن مبادرة الرئيس مبارك لتعديل طريقة اقتراع رئيس الجمهورية كانت تحمل قدراً كبير من الحرية ولكنها فرغت من مضمونها الأساسي عند تمريرها من السلطة التشريعية (مجلس الشعب)، وهذا ما يمكن أحداثه (فعله) وتوقعه في التعديلات الدستورية الجديدة التي طرحها الرئيس أخيراً والمقدمة للبرلمان المصري لإقرارها، ففي حالة فشل الولايات المتحدة في تقديم الدعم الكافي لقوى المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني لتزيد من ضغوطها على النظام من أجل إحداث تغير حقيقي ومراقبة مدى جدية النظام في تحقيق هذه الإصلاحات، سيواجهه الولايات المتحدة تحدي رئيس هو كيفية الاستفادة من الأوضاع الجدية في دفع التطورات الى أبعد من الساحة السياسية، وخصوصا تجاه منافسة عادلة وحقيقية في النظام السياسي الجديد والمتوقع. تحديات السياسية الأميركية و ترى الكاتبة أن السنة القادمة سوف تكون سنة محك للولايات المتحدة لدفع مصر تجاه الإصلاح السياسي. فالتعديلات الدستورية المطروحة الآن على البرلمان سوف تحدد الحياة السياسية المصرية لأجيال قادمة، والسؤال المطروح هل هناك ضغط كافي من مؤسسات المجتمع المدني وقوي المعارضة لدفع النظام المصري تجاه الإصلاح؟
و ترى أن مصر ستواجه في المستقبل ركود سياسي واقتصادي واحتمالية عدم الاستقرار، الذي يفرض على الولايات المتحدة إتباع سياسات واقعية في اتجاه التأثير على النظام المصري فقد كان لضغوط الأميركية خلال العامين (2004 و2005) تأثير على الإصلاحات الداخلية التي اتخذها النظام المصري خلال العامين الماضيين. فكانت تصريحات الرئيس الأميركي بوش التي كانت تجمع بين المدح والنقد والمساعدات دور في قرار الرئيس مبارك في 2005 لتعديل نظام انتخاب رئيس الجمهورية. وخلال تلك الفترة وجهت الولايات المتحدة الأميركية بموافقة الكونجرس دعمها للأنشطة الديمقراطية والتي تراوحت ما بين 5-20 مليون دولار سنويا تشمل 17 مليون دولار للمنظمات غير الحكومية، وللمتدربين، ونشر المراقبين للانتخابات البرلمانية 2005.
وفي مواجهة تراجع الديمقراطية المصرية باتهام أيمن نور زعيم حزب الغد السابق اتخذت الإدارة الأميركية قرار بإلغاء المحادثات التجارية التي بدأت في يناير 2006، وبعد أن أحدثت هذه الخطوة عائق في العلاقات المصرية ــ الأميركية بدأت الولايات المتحدة نتهج سياسية الحوار مع النظام المصري عن قضايا الإصلاح والحد من التصريحات الناقدة للسياسة الإصلاحية المصرية. وكان هناك انطباع عام لدي متبني الإصلاح في مصر عن تراجع مبدأ الديمقراطية من على أجندة صانع القرار الأميركي أو أن الإدارة الأميركية لا تملك الرؤية الاستراتيجية لنشر الديمقراطية في المنطقة.
وفي عام 2006 ظهر عاملان يعقدان صياغة سياسية أميركية فاعلة يتمثلان في:
1. قضية تداول السلطة في مصر والتي أصبحت قضية تشغل الرأي العام المصري منذ نهاية عقد التسعينات من القرن المنصرم، والتي اشتدت مع تزايد التوقع لدى الأغلبية المصرية أن الرئيس مبارك لن يترك موقعه الرئاسي خلال السنوات القادمة مما جعل كل الإصلاحات موضع تدقيق خارج وداخل المؤسسة الرئاسة لما لها ن تأثير على فرص نجل الرئيس ومنافسيه في الانتخابات الرئاسية القادمة، ولذا لا يجب على الولايات المتحدة تحديد من سيخلف الرئيس مبارك في هذا الموقع الرئاسي، وفي نفس الوقت لا بد من تشجيع الخطوات الإصلاحية التي تحد من سلطات الرئيس، وإعطاء مزيد من القوة للسلطة التنفيذية في المستقبل.
2. العامل الثاني هو أن قوى المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني أصبحت في العام أو العامين الماضين أقل وحدة وتماسكاً فالكل يوافق على الإصلاح ونقل بعض الصلاحيات من السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية، وتعزيز سلطة السلطة التشريعية داخل النظام السياسي المصري وكذلك السلطة القضائية، ولكن هناك اختلاف بين هذه القوى والمؤسسات حول العديد من القضايا منها كيفية تعديل نظام انتخاب السلطة التشريعية والتي سيطرت على فكر النظام السياسي وقيادات صنع القرار في مصر لتحل محل مشاريع الإصلاح الأميركية الصنع، لذا يجب على الولايات المتحدة الأميركية عدم عرقلة الإصلاحات المصرية كما يجب عليها توسيع جهودها لتدعيم هذه الجهود وتطويرها، فضلاً عن تطوير الاستراتيجية الأميركية لكي تتناسب مع التطورات التي يشهدها النظام السياسي المصري. فهناك العديد من القضايا الرئيسية التي يمكن للولايات المتحدة لعب دور فيها مثل تحديد مدة الرئاسة في مصر، وإعطاء المزيد من الحرية لأحزاب السياسية والحركات ومؤسسات المجتمع المدني، وتشكيل لجنة مستقلة حرة لإشراف على الانتخابات، وتقيد سلطة السلطة التنفيذية في مواجهه السلطة التشريعية، وإصدار قانون الإرهاب ليحل محل قانون الطوارئ.
والشيء الأهم في السياسية الأميركية تجاه عملية الإصلاح في مصر هو أن تحتل هذه القضية أولوية أجندة صانع السياسية الأميركية، والحوار مع النظام السياسي المصري حول، واستمر الدعم الموجه لها ومزيد من التأييد والدعم للمنظمات المجتمع المدني وحركات المعارضة المصرية رغم الغضب الشعبي المصري من السياسية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. عمرو عبد العاطي
باحث في العلوم السياسية - مصر