الإشاعات في مصر

السيسي حايمنع الدعم

• إشاعات قديمة

كنتُ راكباً مع الكاتب الراحل محمد محمود عبدالرازق في سيارته، ذاهبين إلى فيلته في حي الزهور بالهانوفيل بالإسكندرية، وصعد بالسيارة مرتفعاً فيه طريق إسفلتي وسط واحة من الرمال، وقال:

- هذا الطريق يؤدي إلى فيلا كانت مملوكة لجورجي زيدان (الكاتب المعروف ومؤسس دار الهلال) وعندما وضعتْ الدولة الحراسة عليها، أتخذها المشير عبدالحكيم عامر سكناً له، وكان يقابل فيها المطربة وردة الجزائرية، وقد تمت إقامة هذا الطريق الإسفلتي من الشارع العمومي إلى فيلته، فاستفاد منه الكثير من سكان هذه المنطقة، وأنا منهم.

ولم أعارضه فيما قال، فأنا أعرف مدى كرهه لعبدالناصر وعصره. وقد كان الحديث عن علاقة عامر بوردة يتناقل من مدينة لأخرى في مصر، وقال لي صديق: إن عامر يقف ناظرا إلى الطائرات وهي تطير في السماء، في الاستعراض العسكري، وهو فاتح فمه، مندهشا كيف تطير الطائرات هكذا.

لكن آخر قال: إن فتح فمه هكذا، من تأثير الحشيش الذي يتعاطاه.

وانطلقت النكت عن ذلك حتى قبل أن يموت، بأن عند موته سيدفنونه في "تربة" (يقصدون تربة الحشيش) وسيضعون على قبره "وردة".

لكن الصديق محمد السيد عيد، قال لي: إن الدكتور عبدالعزيز الدسوقي (رئيس تحرير مجلة "الثقافة") كان ضابطا في الجيش وعمل طويلا مع عبدالحكيم عامر، فقال عنه: كل ما يشاع عن إدمان عبدالحكيم عامر للحشيش وعلاقته بوردة، محض اختلاق، فقد كان الرجل ملتزماً ولا يقبل الحرام، وعندما أعجب ببرلنتي عبدالحميد تزوجها على سنة الله ورسوله، وقد أعجب بثقافتها قبل أن يعجب بجمالها، فقد تحدثت أمامه في احدي الجلسات عن الاقتصاد بطريقة توشي بمدى ثقافتها.

وقد عمل محمد السيد عيد مساعدا للدكتور الدسوقي في إدارة الأدب، وكان قريبا منه لسنوات عديدة.

وتناقلت الأخبار في بداية السبعينيات عن شاب يحمل حقيبة كبيرة، دخل محل حلواني كبير مواجها لمبني السكة الحديد بالإسكندرية، واستغل ازدحام المشترين في الدكان، وترك حقيبته وخرج، وعندما فتحوها وجدوا بها امرأة مقتولة.

وشاعت هذه الحكاية في الإسكندرية كلها، ثم في باقي مدن مصر، واضطر صاحب المحل أن ينشر خبرًا مدفوع الأجر في الجرائد ينفي وقوع هذه الحادثة. واتضح أن وراءها بعض الحلوانية حوله، الذين يحسدونه لنجاحه ولرواج بضاعته.

وقال لي موظف شاب إن الفنان محمد صبحي مسيحي، وإنما دعته عائلته باسم (محمد) لكي يعيش، وأنه (أي محمد صبحي) قد قال هذا لمذيعة التليفزيون في لقاء معه.

وسألت محدثي: شاهدت هذا اللقاء التليفزيوني؟

قال : لا، إنما زميل والد خطيبتي في العمل؛ شاهده.

وانتقل هذا الخبر في كل مكان، وكان المقصود به الإساءة لمحمد صبحي، ليس لأنه مسيحياً، فذلك أمر لا يستحق الإساءة، وإنما لأن الأسرة التي أطلقت اسمه، اعتبرت أن اسم "محمد" من الأسماء السيئة التي تتشابه مع الشحات، وخيشة وبعجر وباقي الأسماء التي تلجأ إليها بعض الأسر، لكي تجنب طفلها الحسد.

وانطلق خبر آخر في الإسكندرية بعد ذلك، بأن عصابة تختطف الأطفال الصغار، وتقتلهم، وتصحن رءوسهم، وتضيف المسحوق على الكوكاين والهوريين، وأنهم شاهدوا امرأة ريفية، تضع طشت ألمونيا على رأسها، مغطى بقطعة قماش متسخة، وعندما صعدت به القطار في طريقها إلى بلدتها، وقع الغطاء دون أن تحس، فوجدوا جماجم كثيرة للأطفال المخطوفين.

وانتقلت الحكايات الكثيرة التي تؤكد هذا، رءوس الأطفال تتنقل من مكان لآخر، وقد ضبطوا مجموعة من هؤلاء الناس.

وأن الكثير من الأسر تبحث عن أطفالها الضائعين.

وتسأله: رأيت هذا بنفسك؟

فيجيبك: لا، إنما زميل زوج عمتي في العمل شاهده وحكاه له.

وآخر يؤكد أن ابنة خال زوجته تسكن في "العامرية" وقد حكت لها جارتها بأنها شاهدت هذا في الأتوبيس الذي يبدأ من محطة مصر.

وتتبعت المباحث الجنائية الإشاعة، وتوصلت إلى مُطلقها، وتم القبض عليه ومحاكمته.

إشاعات تنطلق، وتجد من يروجها ويضيف إليها من عنده، ويؤكدها، ويدعي أن الكثير رآها وحكى له. ولا تجد من رآها رأي العين، إنما تأكيد بأن فلان أو فلانة حكت له وهو يثق في كلامها.

وشاهدتُ في القنوات التليفزيونية، برنامجا مستفزا اسمه "أرجوك ما تفتيش".

مذيعة تمسك ميكرفونا وتسأل الناس في الشارع عن أشياء لم تحدث، فيؤكد معظمهم بأنهم رأوها. كنتُ أشاهد البرنامج وأنا غاضب لاستخفاف المذيعة بالناس. لكن الكل يعلم ويفتي ويشرٍّع.

وجاءتني رسائل كثيرة (عبر النت) تحكي عن خصال كل شخصية في العالم، اللبناني والفرنسي والسوري.. إلخ، وللأسف كلها أجمعت على أن خصلة المصري إنه مُصِر على الإفتاء، من المستحيل أن يقول، إنه لا يعلم.

• إشاعات الإخوان

وبعد إزالة الغمة وانتهاء حكم الإخوان، انطلقت الإشاعات بشكل بشع، فقد قال لي شاب قبل الاستفتاء على الدستور في حماس شديد:

- الحمد لله أن أنهيت إجراءات معاشي المبكر، وإلا كنت قبضت 75 جنيها في الشهر، فقد أصدر السيسي قرارا بأن يكون المعاش 75 جنيها.

قلت له: هذا كلام خاطئ، فالوزارة الجديدة رفعت المعاشات ولم تقللها، وحتى لو حدث هذا، فما صلة السيسي بالتأمينات، الرجل مازال وزيرا للدفاع، ولا يشرف إلا على الجيش.

قال الشاب: لا، صديقي (فلان) حدث معه هذا.

ثم حدثني آخر قبل الاستفتاء على الدستور وهو حائر:

- بفكر أسوي معاشي، لكن السيسي خلى المعاش 75 جنيها في الدستور الجديد، وأنا مع الدستور لكن....

- وما صلة المعاشات بالدستور؟

- يعني، لو قلت نعم، حاخد 75 جنيها إذا سويت معاشي.....

وأحس بآلام في رأسي من فرط الدهشة، ويحدثني الشاب الأول مرة أخرى وهو غاضب وثائر: مش عارف أعمل إيه مع السيسي!

يتحدث وكأن هناك قرابة أو مصاهرة معه، وحدثت بينهما مشكلة:

- ما الذي يغضبك منه؟

- ذهبت لكي أدخل الكهرباء للبيت الذي أبنيه، فقالوا لي: السيسي موقف دخول الكهرباء للبيوت الجديدة.

- لا حول ولا قوة إلا بالله، ما دخل السيسي بدخول الكهرباء للبيوت؟!

ويظل يدافع عن فكرته، ويقسم بأن السيسي هو السبب، قلت له:

- إما إنك تكذب أو هناك موظف في الكهرباء إخواني، ويريد الإساءة إلى السيسي. وأنا مستعد أن ابلغ عنه الآن.

وأشكو لآخر عما أعانيه من جهل هؤلاء، فيقول لي:

- أيوه، بس السيسي حايمنع الدعم.

وأكاد أصرخ من الغيظ. ويكمل هو: أنا سامعه في التليفزيون بنفسي وهو يقول هذا.

وتأتي جارة لنا قبل الاستفتاء على الدستور، فتسألها زوجتي:

- حاتروحي تقولي نعم؟

فتصيح في حدة:

- عايزاني أقول نعم على دستور إلهام شاهين؟!

وتصدمني الإجابة، فأسألها:

- ما صلة إلهام شاهين بالدستور؟

- ما هي إللي عاملاه، أنتَ ما شفتهاش في التليفزيون؟!

- أنا عارف كل لجنة الخمسين، ومافيهمش إلهام شاهين.

فتقسم ألف قسم بأن إلهام شاهين هي إللي عملت الدستور، وتخرج عن الموضوع قائلة: يرضيك إنها تقول أنا حاعلمكم دينكم؟!

وأحس أنني مخطئ لأنني أتحدث معها، فقد تركتْ الدستور وتفرغت للحديث عن إلهام شاهين وأفلامها.

ويحكي لي صديق، زوجته تعمل معلمة، بأن زميلا له اتصل به تليفونيا، وقال:

- الدولة لن تجد نقودا لصرف مرتبات المدرسين هذا الشهر.

فينظر صديقي إلى زوجته ويسألها:

- أنت قبضتي مرتبك والا لأ؟

فتقول: قبضته إمبارح.

وشاهدت عبر التليفزيون رجلا مسنا، لحيته بيضاء وطويلة، يرتدي جلبابا أبيض وهو يصيح فرحا وسط الكثيرين من أمثاله: السيسي قُتل في الإسكندرية، على يد المخابرات العسكرية يوم 21 أتناشر.

ويهلل أمثاله فرحين.

ويأتي آخر إلى ويؤكد إنهم أصابوا السيسي، فقلت له:

- لقد كان بالأمس مع رئيس الجمهورية.

فيقول في هدوء شديد:

- الكاميرا جابته وهو جالس.

- يعني أصيب، ولحق يخف ويحضر الاحتفال؟!

ويتقدم حامد صديق (وهو باحث بمركز البحوث) للمطالبة بإصدار حكم لكشف حقيقة اغتيال السيسي ومدى علاقته بالجثة المحفوظة بمستشفى المعادي العسكري. والغريب أن القضاء استجاب له وأحال دعواه رقم 7574 لسنة 68 قضائية إلى الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري، ويطالب حامد صديق بمعرفة سبب اغتيال السيسي، هل بالسم أم بطلق ناري أثناء زيارته الأخيرة لمرسى مطروح.

لا تحزنني الإشاعات، فقد تعودنا عليها، وإنما يحزنني قدر الجهل المنتشر، خاصة في القرى والأحياء الشعبية. والعلاج في رأيي هو مراقبة أئمة المساجد فبعضهم يبث أفكارا ومعلومات لا تتناسب مع المنطق ولا العقل ولا الدين. والاهتمام بالعلاج النفسي والعقلي الذي أهملته الدولة طويلا، حتى وصلنا إلى هذه الحالة الصعبة.