الإسلام والعلمانية: معضلة لا بد لها من حل

بقلم: د. أحمد صبرة
طرح كل الأسئلة الشائكة وتقديم إجابات ممكنة

يواجه الإسلام الآن معضلتين لا يبدو أنه واجههما بمثل هذه الحدة عبر تاريخه الطويل: معضلة الإقصاء بوصفه واحدا من أديان كثيرة على الأرض، بعضها سماوي، والآخر أرضي، ولكنها كلها محل تساؤلات كثيرة حول جدوى الدين من حيث هو دين في حياة البشر، ومعضلة التشكيك فيه بوصفه دينا يحض على العنف والإرهاب في نظر شريحة واسعة من الناس.
وأما عن معضلة الإقصاء، فقد رأى كثيرون أن الأديان عامل فرقة بين البشر، فكثير من الحروب التي دارت عبر التاريخ كان سببها التعصب الديني، ولعل صراع الأديان السماوية الثلاثة حول القدس هو التجلي المعاصر لهذه الفرقة، كما أن هناك كثيرا من الأسئلة يطرحها الناس على الأديان لا يقبل العقل بسهولة إجابات الأديان عنها.
والأسئلة المطروحة أمام الإسلام كثيرة جدا، وتبدو إجابات المدافعين عن الإسلام هنا غير مقنعة تماما، فما يخص المرأة مثلا، لماذا أباح الإسلام زواج الرجل من أربعة نساء، بينما لم يبح ذلك للمرأة، ولماذا تجاوز الرسول عليه الصلاة والسلام في زواجه الأربعة إلى حد أنه جمع تسع نساء مرة واحدة، ولماذ تغطي المرأة شعرها؟ بينما لا يجب على الرجل أن يفعل ذلك، ولماذا يكون نصيب المرأة من الميراث نصف الرجل؟ وكذلك شهادتها، وهل الإسلام من هذه الزاوية دين ذكوري؟ حتى أنه في حديثه عن الجنة وعد الرجل بكل شيء فيها بينما لم يعد النساء بشيء؟ فالرجل له الحور العين، وأما المرأة فلا أحد يدري ماذا أعد الله لها في الجنة.
مثل هذه الأسئلة وغيرها كثير تدور في أذهان بعض المسلمين، هناك من يعلنها ويترجم موقفه منها خروجا عن الدين، ويصرح أنه إنسان رباني صلته بالله مباشرة لا حاجة له لأي دين يقوده في علاقته بالله سبحانه وتعالى، وبخاصة بعض النساء اللاتي نلن حظا من الثقافة الغربية التي جعلتهن في حيرة، ويمكن تلمس بعض العذر لهن في هذا.
أما معضلة التشكيك فإن الإسلام يواجه موقفا لم يواجه مثله من قبل، فقد كان سلوك بعض الجماعات الإسلامية التي تدعو إلى جهاد "الكفار" وتستبيح دماءهم سواء أكانوا مدنيين أم غير ذلك مبررا لربط الإسلام بالإرهاب، وكانت ذروة ذلك أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول التي كانت لحظة فارقة في وضعية المسلمين داخل هذا العالم، وليس مجهولا ما يواجهه المسلمون الآن، ولا ما يواجهه الإسلام نفسه من أسئلة كثيرة تربطه بالإرهاب.
إن من أخطر النتائج التي ترتبت على هذا الربط هو تآكل الرصيد الثقافي المنتج للإسلام الذي تكون عبر مئات السنين، بدا الإسلام دينا عنيفا، وبدا معه المسلمون مجموعات من البشر تكره الغرب، أي تكره التقدم – من وجهة نظرهم - وتكره التحضر والحرية وتبارك الديكتاتورية، مجموعات لا هم لها إلا القضاء على المنجز البشري الذي كان للغرب النصيب الأوفر في تحقيقه، وجاء بعض مفكري الغرب ليؤكدوا هذا التوجه ويكرسوا هذه القطيعة بين المسلمين وبقية العالم، وكان صامويل هانتنجتون المبشر الأكبر بهذا الصراع القادم بين الأيديولوجيات الذي سيكون علامة على القرن الواحد والعشرين، صراع الأيديولوجية التي يمثلها الإسلام في جانب مع الأيديولوجيات الغربية في جانب آخر.
لقد وضع إدوارد سعيد بحسه التنبؤي الفذ يده على بذور هذا الصراع القادم بين الإسلام والغرب في كتابه المؤسس "الاستشراق" حين رأى أن المنطقة الإسلامية جغرافيا وحضاريا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لم تنصهر تماما في البوتقة الغربية، وظلت دائما تحمل أفكارها الخاصة عن الحياة والكون في مواجهة سيل الأفكار التي انهمرت من الغرب، وتأبت – من ثم - على محاولات التحديث التي حاول الغرب أن يطبقها في مناطق كثيرة من العالم.
إن معالجة التحدي الذي يواجهه الإسلام من الإقصاء أو التشكيك تستلزم وعيا استثنائيا، وإبداعا في الأساليب، وخاصة أن الأخطار كثيرة ومعقدة وملتبسة، وهي لا تأتي فقط من خارج الإسلام، بل إن الصورة التي يقدمها كثير من المسلمين عن أنفسهم، وعن الإسلام نفسه تساعد على تكريس هذه القطيعة بين الإسلام والعالم، فكيف يمكن تقديم صورة للإسلام تعيد التصالح المفقود مع العالم؟
في ظني أن نقطة البدء الأولى هي حل معضلة التعارض بين الإسلام والعلمانية بحسبانها الأيديولوجية المقابلة المهيمنة، إن هذه الكلمة تثير حساسيات كثيرة في الخطاب الإسلامي المعاصر، وهي تستخدم في أوساط كثيرة على أنها مرادفة للكفر بالمقدسات، وربما يبدو في بعض أطروحات العلمانية ما يبرر ذلك، لكن العلمانية ليست كيانا متجانسا، فهناك علمانيتان: علمانية جوهرية وعلمانية إجرائية أو بتعبير عبدالوهاب المسيري علمانية شاملة وعلمانية جزئية، وهنا يمكن أن ندير نقاشا عميقا بين الأيديولوجيتين لا تلوي فيه عنق النصوص الدينية لتنسجم مع أطروحات العلمانية ولا نفعل العكس.
هنا نحن نحتاج إلى ما أسميه فقه الواقع إضافة إلى الفقه الإسلامي المتوارث، وهو أمر يتطلب منا جرأة وإعادة تأمل لكثير من أفكار التراث التي تمارس وطأة علينا الآن.
كما نحتاج أيضا إلى ما أسميه أيضا فقه الأقليات، وهي الأحكام الفقهية التي ترخص للمسلمين الذين يكونون أقلية في مجتمع ما لا يترخص لغيرهم في المجتمعات الإسلامية، فهل يمكن اعتبار المسلمين الآن أقلية تعيش في مجتمع عولمي على تناقض معهم، ومن ثم يترخص لهم ما لا يترخص لغيرهم في أزمان أخرى.
كما أننا في حاجة أيضا إلى تأمل فكرة المذهبية في الإسلام، والآثار التي ترتبت على انقسام الإسلام إلى سني وشيعي، ثم انقسام الإسلام السني مثلا إلى مذاهب أربعة رئيسية معروفة، ثم انقسامهم مرة أخرى إلى سلفيين وجهاديين وصوفيين وغير ذلك، وكأننا لم نخرج بعد من عصر الفتنة الكبرى. إن تجاوز هذه المذهبية أمر لا يمكن تصوره، لكن ما يمكن تصوره هو البحث عن صيغة غير مسبوقة للتعايش البناء بين أتباع هذا الدين أيا كانت انتماءتهم المذهبية.
لقد أصبح المسلمون الآن وكأنهم يعيشون في عالم غير العالم الذي يعيش فيه بقية البشر على هذا الكوكب، ويبدو انعزالهم متزايدا في ظل ما يسميه الغرب الآن الحرب ضد الإرهاب، حتى هؤلاء الذين ذهبوا ليعيشوا في الغرب أحاط كثير منهم أنفسهم بسياج عزلهم، وأنتج من بينهم أفرادا مارسوا الإرهاب بأي تعريف يمكن أن يراه البشر.
ما الحل؟
إن هناك محاولات مخلصة رأى فيها أصحابها الخطر القائم أو القادم، وحاولوا فيها أن يناقشوا هذه الإشكالية المعقدة بين الإسلام والعالم، لكنها محاولات تحتاج إلى مزيد من الدعم.
وقد فكرت في إنشاء موقع على "الويب" نجمع فيه بمساعدة كريمة منكم كل ما يساعد على سد الهوة القائمة بين الإسلام والمسلمين والعالم، الهدف الأساسي لهذا الموقع هو البحث عن حل لمعضلة التعارض بين الإسلام والعلمانية من خلال طرح كل الأسئلة الشائكة وتقديم إجابات ممكنة لها، وفي تصوري المبدئي أن هذا الموقع سيشمل أربعة محاور كما يلي:
المحور الأول:
1- المقالات المهمة التي اقتربت من هذه المعضلة في التراث القديم.
2- الكتابات العربية الحديثة حول العقلانية أو علاقة الإسلام بالعقل.
3- ما كتبه الغربيون أيضا.
المحور الثاني:
الإسهامات الشخصية التي تكتب من أجل النشر في الموقع نفسه.
المحور الثالث:
ساحة نقاش داخل الموقع تحاول من خلالها استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب يكون شعارها الأكثر أهمية هو العقل أولا والعقل أخيرا في مناقشة أي قضية تخص الشأن الإسلامي.
المحور الرابع:
نشر الأخبار التي لها صلة بالأفكار المطروحة داخل الموقع من ندوات أو مؤلفات، أو غير ذلك.
والموقع المقترح لا يستثني مجالا في الحياة يمكن أن يدير حوله نقاشا بدءا من السياسة والاقتصاد والفقه والتفسير والحديث والفن والأدب والفكر والمرأة وحقوق الإنسان وقضايا المجتمع وغير ذلك.
يستهدف هذا الموقع في مرحلته الأولى هؤلاء الذين تعميهم انفعالاتهم وعاطفتهم الدينية الجياشة لتدفعهم إلى زيادة مساحة العزلة بين الإسلام والعالم من خلال تفسيراتهم للنصوص الدينية وسلوكهم اللاعقلاني الذي يضع لنفسه أولويات تهمل ما أسميته قبل ذلك فقه الواقع.
في مرحلة ثانية يمكن أن نقدم نسخة إنجليزية للموقع نخاطب من خلالها الشباب الغربي ونجري معه حوارا يساعد على إحداث تفاهم أكبر بين البشر، كما نخاطب أيضا مراكز بحوثهم ودوائر صنع القرار لديهم.
نحن نحتاج فعلا إلى كل مشاركة فعالة في هذا الموقع الذي آمل أن يخرج إلى النور خلال شهر رمضان الكريم، نحتاج إلى كتابات عقلانية تجيب عن كثير من الأسئلة الشاكة في حياتنا، نحتاج إلى الكتابات المؤسسة في هذا السياق التي لدينا جزء كبير منها، لكننا نحتاج إلى المزيد، نحتاج أخيرا إلى رؤى إضافية قد تخدمنا في هذا الموقع الذي آمل أن يسهم في إغناء حياتنا، وجعلها أفضل، أرجو أن أتلقى ردودا إيجابية.
ما رأيكم دام فضلكم في هذا المقترح؟ أ‌. د. أحمد صبرة Sabra2212@hotmail.com