الإسلام والسياسة والمسلخ الفلسطيني وحماس

بقلم: علي الصراف

هل حاولت حركة "حماس" أن تظهر لأحد ما، في الغرب، او في إسرائيل، أو حتى بين الفلسطينيين أنفسهم، أنها أكثر إعتدالا مما يشاع عنها، وانها جديرة بأن تكون محاورا مقبولا، عندما اندفعت الى القضاء جماعة "جند أنصار الله" الاسلامية "المتطرفة" في غزة؟
الحقيقة، هي ان الأمر لو كان متعلقا بإرضاء أحد ما، أو إثبات شيء ما، لظل هينا. فالمشكلة التي تواجهها حماس لا علاقة لها، بالأحرى، بأي أحد خارجي، وانما مع مشروعها بالذات.

فالمشروع الذي انطلقت منه حماس، وضع الإسلام، فقها وتشريعا، في مقدمة السياسة. وهذا ما يفعله عادة كل الذين يتبنون الدين، أي دين، إطارا للسياسة. وليس من العجب، بعد ذلك، أن يكون الدين هو السياسة، أو كل السياسة. فبما انه دين، فانه يرقى على كل ما عداه ويفرض شروطه عليه، فإن لم يمتثل صار كافرا.
هذه "العلاقة" بين الدين والسياسة لم يتم فصلها في الغرب لمحض أسباب تتعلق بالكنسية او بالدور الذي كان يلعبه رجال الدين، بل بالدرجة الأولى لأن الدين ينطوي على قوة تصعيد لا حدود لها إلا السماء، بينما السياسة تتطلب "تنزيلا" يتعلق بأتفه الشؤون الواقعية، بما فيها رفع القمامة، وتنظيم عمل الرذيلة.
وأول التعقيد في استخدام الدين كإطار للسياسة، هو أن أي تصعيد ليس كافيا. فكلما صعّدت، جاء من يُصعّد فوقك أكثر. وكلما زدت تطرفا، جاء من يُزايد عليك بالتطرف.
لماذا؟ لأن إبتغاء مرضاة الله لا حدود لها. في حين ان السياسة، قد تبتغي او لا تبتغي مرضاة الله، إلا انها تبتغي ان تضع كل شيء في مرضاة الناخبين أولا، بمعالجة مشكلات واقعية يعانون منها.
على هذا الأساس جاءت حماس الى السلطة. فهي لم تُنتخب لأنها كانت تدعو للصلاة عشر مرات في اليوم، ولكنها انتخبت بسبب الفساد الذي ظل ينخر سلطة حركة فتح. وهي انتخبت بسب فشل خيار المفاوضات، كما انها انتخبت من اجل تقديم خدمات للمحرومين. وهي أمور يستطيع من يشاء أن يربطها او لا يربطها بالإسلام، إلا أنها قضايا واقعية تتطلب معالجات من جنسها، أي واقعية أيضا.
لم يكن ممكنا لحماس، وهي في مطلع قيادتها للسلطة، أن تواصل التصعيد ضد الفساد. بل كان عليها أن تعالجه. أما الفقه والتشريع، فقد كان من الضروري يأتي ثانيا، وان ينسحب الى الوراء من اجل معالجة هذه المشكلة أو تلك من قضايا الناخبين.
وسواء صلى الفلسطينيون عشر مرات في اليوم، وفي كل يوم 500 ركعة، فان الفقر والحرمان لا يُعالج بالصلاة وانما بعمل واقعي ما، يقوم على علاقة ما، ويتطلب التوصل الى تسوية ما، مع أحد ما.
حماس، مثلها مثل غيرها من الأحزاب والحركات الإسلامية، تعرف انه إذا كانت السياسية تتطلب ترتيبات وتسويات ومناورات مع هذا وذاك، فان العلاقة مع الله لا يمكن ان تنطوي على ترتيبات ولا تسويات ولا مناورات.
وحرصت حماس، حتى وهي شريك مع "الجهاد الإسلامي"، أن تكبح جماح هذا المنظمة التي تقف فوقها، في التصعيد الديني للسياسة. ولكن الأقدار ظلت تخبئ لها تصعيدا آخر... أعلى، فظهرت منظمة "جند أنصار الله" بقيادة الشيخ عبداللطيف موسى الذي اعلن عن إقامة "إمارة إسلامية" في غزة.
موسى قال، بمعنى واضح، ان حماس ليست إسلامية بما فيه الكفاية، وهو حرم على أتباعه يقاتلوا الى جانب حماس حتى ولو ضد إسرائيل. أما حماس، فقد حاربته، ليس باللجوء الى تحكيم الشرع، وانما بتحكيم الرشاشات.
حيال هذه المنظمة "الطالبانية"، انتهت حماس الى انها لا تستطيع التصعيد على التصعيد، فوجدت ان واقعية السياسة في التعامل مع التصعيد هي الحل.
وهذا هو ما يحصل عادة، في كل حزب او جماعة تتخذ من الدين إطارا للسياسة.
الجماعات الإسلامية في الجزائر لم تكن تحارب النظام "اللائكي" وحده، بكل كانت تحارب بعضها بعضا، وذلك بين تصعيدٍ وآخر أعلى منه، حتى انتهى البلد بالتحول الى مسلخ يتم فيه بقر بطون الحوامل، وقتل الأطفال. والسبب هو ان الجبهة الإسلامية للإنقاذ قالت (للناخبين) إن "الإسلام هو الحل". فصوت لها الناخبون عام 1991 بأغلبية ساحقة ظنا منهم إن الإسلام، بما انه خير دين، فلا بد وان يكون خير حل، لجميع المشاكل، ابتداء من التفاوض على تسديد ديون خارجية (كانت تصل الى 25 مليار دولار)، الى رفع القمامة.
ولو اتيح لهذه الجبهة ان تتولى السلطة، لصارت الجزائر إقطاعيات كل منها أشبه بغزة، وكل منها يذهب في التصعيد الى مستوى أعلى من الذي في جواره. وبدلا من رفع القمامة أو تسديد الديون، فقد كان الخيار البديهي بين تيارات تكفر بعضها سعيا "لمرضاة الله"، هو جز الرؤوس.
وعمليا، فقد ظل إسلاميو الجزائر يجزون رؤوس بعضهم بعضا، بمقدار ما كانوا يفعلون ويُفعل بهم، حتى سقط ما يزيد على 250 ألف قتيل، جلهم من الأبرياء وخسائر تقدر بـ 60 مليار دولار!
في غزتها الخاصة، جزت حماس رؤوس "جند أنصار الله" ليس لمرضاة الله وإنما لمرضاة سلطتها. وهي امتنعت حتى الآن عن جز رؤوس مقاتلي "الجهاد الإسلامي" فقط لأن هؤلاء لم يطرحوا أنفسهم كبديل لسلطة حماس في غزة، وعندما حاولوا، في بعض المرات، أدبتهم، وجرّت أذنهم.
ولكن لو كانت حماس هي التي تُصعّد فوق "جند أنصار الله" او "الجهاد الإسلامي" لكان هذان الطرفان هما اللذين يجزان رؤوس قادة حماس لمرضاة مكانتهما الواقعية في السلطة.
لقد قتل في المواجهة بين حماس وجند أنصار الله العشرات من المسلمين الأتقياء، الذين كان قتلهم، في ظروف أخرى، حراما وجريمة وفقا لكل معايير الشريعة الإسلامية. ولكن حماس وجدت انه يجوز في السياسة ما لا يجوز في الشرع!
هذا الاستنتاج، الشديد الواقعية، الذي توصلت اليه حماس برشاشاتها، كان من الأولى بها أن تقبل القول به من جانب الآخرين. فحركة فتح، بقبولها الخيار التفاوضي، انما قالت لحماس: يجوز في السياسة ما لا يجوز في الشرع!
بقي انه، لو كانت حماس عارضت الخيار التفاوضي لفشله، لتقترح مسارا واقعيا آخر، فان سلطة حماس كان يمكن أن تكون أحسن حالا مما هي الآن. فالسياسة الخاطئة لا تُقاوم بالإسلام، وإنما بسياسة أفضل منها، تقبل الواقعي وتتعامل معه بوسائل وخيارات وبدائل واقعية، بما فيها خيار المقاومة المسلحة نفسها.
ولكن حماس جعلت من الإسلام إطارا للسياسية، فخسرنا السياسة، ولم نكسب من الإسلام إلا "جند أنصار الله".
السياسة انتهت الى السعي لتصفية حماس، أما حماس، فقد انتهت الى قتل "جند أنصار الله".
السؤال الذي يحسن بالفلسطينيين أن يسألوه هو: ما هذا المسلخ؟

علي الصراف alialsarraf@hotmail.com