الإسلام والإسلاميون

أول ضحايا ولاية الفقيه أبرز فقهائها

الكثير من الناس لا يميز بين الإسلام كدين ومنهج سماوي، وبين معتنقي الإسلام أي المسلمين، وبين أصحاب العقائد التي يُدعى بناؤها على أساس إسلامي أي الإسلاميون.

حديثنا هنا يتعلق بالإسلاميين بغض النظر عن مذهبهم، ويتعلق بشعارهم الذي رفعوه دائما بصياغات لفظية مختلفة، ولكنها تتفق في المعنى. فالشعار الأخير الذي رفعوه جاء على وفق الصياغة اللفظية "الإسلام هو الحل"، وهنا يكمن هذا السؤال: عن أي إسلام يتحدثون؟ عن الدين الذي جاء به خاتم الأنبياء محمد (ص) الذي لا يقبل الاجتهاد أو التحريف أو التلاعب؟ أو الدين الذي بني على أسس من الاجتهادات البشرية التي تخطئ وتصيب. أي اجتهادات علماء الإسلام ومفكريه وفلاسفته؟ إذا كان قصدهم الدين الذي جاء به الرسول الأعظم (ص) فهذا كلام ينقصه الدليل الموضوعي، لأن الموجود الآن هو قراءة للدين والنص الديني وليس هو الدين نفسه! والفرق واضح بين الوعي الوحياني للنبي (ص) والوعي البشري لعلماء الدين. وإذا كان مقصودهم الثاني أي القراءات "الاجتهاد" فيرد هنا تعدد المذاهب الفقهية وتنوعها وكثرتها وتعدد الرأي في المذهب الواحد أيضا. وكل مذهب هنا وكل صاحب قراءة يدعي أنه يمثل هذا الشعار "الإسلام هو الحل".

كأنموذج تظهر هنا تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فحينما تفجرت الثورة في إيران كانت النهاية كالبداية، أي كانت ولاية الفقيه بصورتها التي نظر لها الإمام الخميني هي السائدة في بداية الثورة وحتى هذه اللحظة. وبالرغم من كثرة المجتهدين في إيران فإن أراءهم صودرت من أجل الرأي السائد، فبرزت هنا العديد من الإزاحات المعرفية التي أدت إلى إزاحات بشرية في كثير من الأحيان. والتجربة الآن تنتقل إلى دول (الربيع العربي) فالتجربة السلفية التي يمثلها الإخوان المسلمون والتيارات السلفية الآخرى بدأت تنضج وبسرعة، فرئيس مصر ورئيس تونس هما من الاتجاه الأخواني السلفي نفسه، وربما رئيس سورية المقبل سيكون سلفيا إذا بقي الشيخ معاذ الخطيب رئيسا بعد نجاح الانقلاب في سورية. هذه التجربة القديمة – الجديدة رفعت شعار (الإسلام هو الحل)، وسوف تتشكل إزاحات معرفية لتتحول إلى إزاحات بشرية فيما بعد.

تظهر المشكلة هنا في قراءة الإسلاميين للإسلام كدين ممنهج وخاتم للأديان السابقة عليه، بل وناسخ لها بصورة عامة وخاصة، فهناك اجترار لبعض القراءات من الديانات السابقة، وتبرز بشكل كبير في موضوعة قبول الآخر أو رفضه، فالنصارى رفضوا أي رأي يعاكس أو يخالف ما أجمع عليه علماؤهم في مجمع نيقيا الشهير، واليهود لم ولن يعترفوا بالمسيحية كدين ناسخ لدينهم، وبالتالي فكل الآخرين مهرطقون. والإسلاميون لم يعترفوا بشركائهم الآخرين في الدين الإسلامي، ولم يعترفوا أيضا بالآخر البعيد، فظهرت مقولة دار الإسلام ودار الكفر لتعيد رسم ما أقرته اليهودية والنصرانية من قبل ولكن بلباس جديد.

القرآن الكريم يقدم رؤية تختلف عن جميع ما قدمه علماء الدين في كل الأديان، فهو يعترف بالآخر كشريك حقيقي وموضوعي، ويجعل الميزان في القبول هو التقوى بخطاب عام لكل الناس بدون استثناء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات 13). كما يرفض الخضوع لآراء الآخرين الذين شوهوا صورة الدين الذي جاء به الأنبياء من قبل نبي الإسلام العظيم (ص) وأكده النبي الأعظم محمد (ص): {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} (البقرة 120).

ما أخشاه هنا هو أن نتحول نحن طلبة العلوم الدينية كمصداق لقوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة 31). لأننا ننقل عن النبي الأعظم (ص) حديثا مفاده: عن أبي سعيد الخدري (رض) قال: قال رسول الل ه(ص): لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ شبرا بشبر وذراعا بذراع. فاليوم ينقل لنا قول فلان وفلان من الإسلاميين أنه قال كذا فاتبعوه، ولا ينقل لنا قول الله وقول رسوله وأهل العصمة (ص)، باعتبار أن فلانا يمثل الشريعة، فكم ممثل للشريعة الإسلامية يا ترى؟

أزمة الشعار تكمن في من يمثل الشريعة الإسلامية، فأي شخص الآن يدعي أنه ممثل للشريعة الإسلامية يزيح الآخرين، لأنه لا يتبنى إلا رأيه، أما آراء الآخرين فهي لا قيمة لها أبداً، لأنه يعتبر فهمه للدين والنص الديني هو الصحيح، كونه بنى رأيه على قواعد اللغة العربية لابن هشام وابن مالك، ومنطقه على التفتزاني والفخر الرازي، وأصوله وفقهه على أحد أئمة المذاهب الفقهية من المجتهدين. والواقع أن ما سطر هو قمة في الاعتباطية، فكيف نقبل بمذهب فقهي يكفر كل المذاهب الآخرى؟ وكيف نقبل برأي بني على آهات وألم الأخرين؟ كيف نقبل المعتزلة وقد قتلوا أحمد بن حنبل لأنه لم يقل بمقولتهم عن قدم القرآن أو خلقه؟ وكيف نقبل أحمد بن حنبل الذي اشتهر عنه قوله من لم يكن حنبليا فليس بمسلم؟ وكيف نقبل من يحكم بنجاسة أهل الخلاف؟! كيف نقبل هؤلاء في زمن بعثت فيه الأفكار والآراء بصورة جديدة ومغايرة لما سبق؟ فاعتباطية اللغويين دفعتها القصدية، والمنطق الصوري حل بدلا عنه المنطق الرياضي والعلمي، وقواعد الأصول تغيرت فلم يعد الاجماع من المدارك العلمية، وكذلك العقل لم يعد مدركا أصوليا إلا فيما تطابق مع النص الشرعي، وتغيرت القراءة لكل القواعد الفقهية التي وردت عن المعصوم (ع)، فمع هذا التغيير الكبير الذي حدث وسوف يستمر بالنمو والتوسع؛ أين محل شعار الأزمة؟ وأين محل الإسلاميين؟ هل سوف يتغيرون مع موجة التغيير؟ أو يبقون على وضعهم مؤدلجين ينتظرون غفلة الزمان عسى أن يجود عليهم بمستضعفين يحققون لهم ربيعا جديدا؟

ان الدعوة إلى التغيير أصبحت مطلبا علميا وموضوعيا مهما لا يمكن إغفاله أبدا، وإلا وقعت الطامة الكبرى ودخلنا في إنكار كل ما هو ضروري كما حدث في عصر النهضة الأوروبية.

علي البغدادي

أستاذ في حوزة النجف الأشرف

نشرت في العالم البغدادية