الإسلام وأصول الحكم يفضح الحقبة الليبرالية

الإسلام السياسي الحزبى الذى تم تدشينه بعد ثلاث سنوات فقط من صدور كتاب عبد الرازق كان قادرا دوما على قمع الروح التنويرية فيه

عندما صدر كتاب «الإسلام وأصول الحكم» عام 1925، لم يكن المجتمع المصرى القاعدى قد فارق نمط الإنتاج الزراعي، بعلاقات إنتاجه الرعوية (شبه الإقطاعية) ووسائل إنتاجه البدائية التى لم تختلف كثيرا عن نظيرتها فى العصر الفرعونى (الطنبور والساقية). ولذا استمر عاجزا عن تشكيل كتلة تاريخية حديثة منسجمة، لها مكتسبات سياسية ورؤية ثقافية ونماذج تنظيمية وطرائق في الحياة تميزها وتدعم استمراريتها، على منوال الطبقة البرجوازية فى التاريخ الأوروبى الحديث تأسيسا على الثورة الصناعية واقتصاد السوق ثم الديمقراطية السياسية، أو حتى الطبقة الإصلاحية اليابانية فى العصر الميجى نهاية القرن التاسع عشر، ولذا كانت القابلية للانقطاع إحدى أهم سمات المجتمع المصرى.

فظل ممكنا لكل حاكم جديد إعادة تشكيله مجددا دون ممانعة حقيقية، فتعددت تجارب الحكم (فوقيا) وتوالت مشروعات النهوض (محمد على، إسماعيل، المرحلة الليبرالية)، من دون أن تخلق مسارا تقدميا صاعدا للتاريخ المصرى أو تصوغ طبقة وسطى حقيقية تمثل حاملا اجتماعيا لتلك الكتلة التاريخية، ربما حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952م، وإمعان المشروع الناصرى فى تجربة التحديث السلطوى، تأسيسا على ركائز كالتعليم والتصنيع وإعادة بناء الجيش الوطنى، الأمر الذى شكل طبقة وسطى عريضة نوعا، وإن تأسست على مزيج من العسكرة والبيروقراطية، فظلت تعمل فى إطار الدولة، رهينة لأيديولوجية سياسية وحيدة وتعبوية، عاجزة عن صوغ تعددية سياسية أو حكم ديمقراطى. وهكذا كانت الحقبة الليبرالية، المؤسسة على ثورة 1919 ودستور 1923، أقرب إلى مفارقة. فقد شهدت من ناحية ما يشبه حركة تنوير ثقافي حاولت عبر رموزها الكبرى مساءلة الواقع بشكل جدي، وطرح بعض الأسئلة النقدية التى تتجاوز نمط التفكير الموروث، القائم علي الحدس والتأويل والمستند إلي السلطة المعرفية للدين وعلم الكلام، محاولا التماس مشروعيته الجديدة من الفلسفة والعلم الحديث.

إنه السياق الذى كتب فيه على عبدالرازق مؤلفه بعد عامين فقط من وضع الدستور وحكم الوفد، محاولا تحرير السلطة السياسية من المسحة القدسية والادعاءات الدينية، والتصدى لرغبة الملك فؤاد فى استيراد الخلافة بعد سقوطها فى اسطنبول، بغية تمتين شرعيته، ومن ثم تأكيد مدنية الدولة وعلمنة السياسة. وهو السياق نفسه الذى كتب فيه طه حسين بعد عام آخر (1926) «فى الشعر الجاهلى»، مستخدما منهج الشك الديكارتى، متحديا بعض المسلمات النظرية التى كانت بلغت درجة اليقين فيما يتعلق بأصول الشعر العربى الجاهلى، مؤكدا انتحال بعضه. ولكن الحقبة نفسها، فى المقابل، شهدت معركتين سواء حول الكتاب الأول أفضت إلى منعه، وحرمان مؤلفه من وظيفته إلى حين (فيما يشبه الحرمان الكنسي للمهرطقين). أو حول الكتاب الثانى أفضت إلى تخفيف طروحاته وتغيير عنوانه إلى «فى الأدب الجاهلى»، ما كشف عن الوجه الآخر لها، والمتمثل فى هشاشة القاعدة الاجتماعية ـ الاقتصادية بفعل استمرار حال التخلف الهيكلى، والافتقار إلى المكون العلمي التكنولوجي، الأكثر أساسية في بنية المجتمع الحديث، فاتخذت الحركة التنويرية طوال تلك الحقبة الليبرالية طابعاً فوقيا لم تتمكن معه من المساس بالجسد الاجتماعي المصري، إلى درجة اعتبر معها مجرد «مكافحة الحفاء» مشروعاً قومياً استمر طرحه على البرلمان لنحو العقد.

فى ظل تلك الهشاشة البنيوية لم تكن هناك حاضنة ثقافية حقيقة أو كتلة مجتمعية واسعة تتسم بالديناميكية، قادرة على أن تشكل رأيا عاما خارج السلطة والأحزاب يحمى الحرية الفكرية لعلى عبد الرازق أو طه حسين أو غيرهما، فمع غياب طبقة وسطى عريضة، تشكل سياجا عريضا يشبه الغضاريف والعضلات بين عظام السلطة الصلب جدا، ودماء الجماهير الرخوة جدا، تظل العلاقة بين المثقف منتج الفكر، وبين الحكم صاحب السلطة، هى العلاقة نفسها بين الفرعون والكاهن فى الزمن القديم، أو بين الفقيه/الشاعر، وبين السلطان/ الأمير فى الزمن الوسيط، علاقة بسيطة، تحدها العصا من ناحية والجزرة من الأخرى، فليبرر الفقيه من وحى القرآن وينشد الشاعر من وحى الخيال بغية الحصول على الجزرة، وإلا فهى العصا.

النتيجة أن مفكراً أو كاتبا، لم يكن ليستطيع الاستقلال عن شبكة السلطة والثروة من حوله اللهم إلا إذا كان من الزاهدين، وهم قطعا قليلون، وحتى من لم يجذبه العطاء فقد تخيفه العصا، خاصة فى ظل وجود قانون ازدراء الأديان وما يعادله أو يشبهه فى كل العصور، وأيضا كثرة المحامين الجاهزين لرفع القضايا، وكذلك الفقهاء الدينيون الجاهزون بفتاوى تشى بخروج هذا أو ذاك عن أصول الشرع الحنيف، وهنا تفتح أبواب الزنازين، وربما المقابر نفسها فيما لو تطوع موتور عقلى بمهمة تنفيذ حكم الشرع! الذى أفتى به أحد أمراء الإرهاب، على نحو ما كان ولا يزال. لقد رحل على عبد الرازق محزونا لأن فكره الرائد لم ينتج أثره على عينه، مثلما حوصر الكثيرون معنويا، وصفى البعض جسديا، لأن السلطة السياسية خانت أفكارهم التنويرية، أو لأن الإسلام السياسي/ الحزبى الذى تم تدشينه بعد ثلاث سنوات فقط من صدور الكتاب، كان قادرا دوما على قمع الروح التنويرية فيه.

بدلا من شيوع منهج النقد التاريخى نفيا لمفهوم الخلافة وما يحمله من ظلال دينية، مع إعادة تأسيس ظاهرة السلطة على مفهومى الأمة، والعقد الاجتماعى، جاء من يدعو إليها، متنكرا للفكر النهضوى العربى، وتراث الإصلاح الإسلامي (رشيد رضا)، ومن يحاول إعادة بنائها (حسن البنا) بالعنف الذى لم يزل يتصاعد، من الزمن الإخوانى البائس إلى الزمن الداعشى الدامى، مرورا بكل أشكال التطرف اللعين والإرهاب العدمى.

صلاح سالم

كاتب مصري