الإسلام.. في تجربة عبد الناصر

الاشتراكية العربية من وحي الإسلام

لم يتوقف في مصر، منذ نحو قرن من الزمان، الجدال حول علاقة الدين بالسياسة عموماً ونظم الحكم ورؤسائها بالدين خصوصاً، وفى مقدمتهم الرئيس جمال عبدالناصر (1918-1970). فقد ظلت مرحلة حكم عبدالناصر لمصر، التي امتدت منذ عام 1954 وحتى وفاته، مثاراً لتعدد الرؤى لما دار خلالها من وقائع وجرى من تغيرات، وتميزت علاقته بالإسلام خصوصاً بخضوعها لكثير من التفسيرات والرؤى المختلفة، بل والمتناقضة أحياناً.

فقد رأى بعض الباحثين والمؤرخين أن عبدالناصر ونظامه كانا مثالاً عربياً لتجربة كمال الدين أتاتورك التركية في فصل الدين عن الدولة، والتطبيق الصارم لقواعد العلمانية الغربية. وقد استند بعض هؤلاء الباحثين والمؤرخين بصفة خاصة إلى انحياز عبدالناصر للاشتراكية كنظام اقتصادى- اجتماعى، حيث رأوا فيه الدليل الكافى على ابتعاده عن الدين واستبعاده له من تنظيم المجتمع والدولة في مصر، انطلاقاً من رؤيتهم لتلك الاشتراكية باعتبارها مجرد نسخة معدلة من الماركسية السوفيتية ذات الجذور الإلحادية.

ووجد أصحاب تلك الرؤية دعماً لها في العلاقات الوثيقة التي ربطت عبدالناصر ونظامه بالاتحاد السوفيتى ودول الكتلة الشيوعية منذ عام 1955، والتى استمرت حتى وفاته، على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية. وقد دعم هؤلاء المؤرخون والباحثون رؤيتهم تلك بالإشارة إلى علاقات عبدالناصر الحميمة مع بعض التنظيمات المصرية الشيوعية قبل الثورة، ووجود بعض من أعضائها في الصفوف الأولى للضباط الأحرار القريبة من عبدالناصر.

كما استند باحثون ومؤرخون آخرون في حكمهم على عبدالناصر ونظامه بالعداء للدين وللإسلام خصوصاً إلى الصدام الواسع والمتواصل الذي نشب بينه وبين حركة الإخوان المسلمين منذ عام 1954 وحتى وفاته، حيث رأوا فيه دليلاً كافياً- حسب رأيهم- على أن الرجل ونظامه لم يتحمسا يوماً لتطبيق الإسلام كنظام سياسى واجتماعى واقتصادى للحكم في مصر، بل ذهبا أبعد من ذلك بالعمل على تصفية كبرى الحركات السياسية الإسلامية التي تؤمن بهذا وتسعى إليه منذ ثلاثينيات القرن العشرين.

وبالمقابل فقد ذهب باحثون ومؤرخون آخرون إلى أن تجربة عبدالناصر بخطوطها العامة ومعظم تفاصيلها لم تكن سوى نموذج للإحياء الإسلامى المختلط بالمفاهيم والأفكار القومية العربية. فقد مثل عبدالناصر بالنسبة لهم الوريث الطبيعى والمنطقى للتيار الذي ولد في مصر أثناء مقاومة الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر على يد علماء الأزهر، واستمر مع الحزب الوطنى الأول الذي شكله رجال الجيش المصرى بقيادة أحمد عرابى مع الرموز الوطنية والإسلامية المصرية المتأثرين بأفكار جمال الدين الأفغانى، وظل متواصلاً طيلة القرن العشرين مع الحزب الوطنى الثانى بقيادة مصطفى كامل، ثم مدرسة مصر الفتاة بكل مسمياتها والأشكال الحزبية والفكرية التي تفرعت إليها. ويدعم هؤلاء المؤرخون والباحثون رؤيتهم بما كان قائماً من علاقات وثيقة بين عبدالناصر وبعض من قيادات هذا التيار قبل ثورة يوليو 1952 وبعدها، حتى حدث الصدام بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين عام 1954. كما يرى بعض من هؤلاء المؤرخين والباحثين تشابهاً ما بين رؤية عبدالناصر للصراع مع الدولة العبرية ورؤى التيارات الإسلامية، بما يدفعهم إلى مزيد من تأكيد «إسلامية» تجربة عبدالناصر، وهو الأمر الذي يرون في العلاقات العدائية بين عبدالناصر والغرب، ما يزيد من تأكيده.

وما بين هاتين الرؤيتين لعلاقة عبدالناصر بالإسلام، تبدو الحقيقة الأقرب للصحة هي أن الرجل لم يدخل الإسلام في نظامه كرؤية للحكم كما تتبناها التيارات الإسلامية، ولكنه راعى دوماً في رؤيته لحكم بلاده طبيعة ثقافة وتاريخ شعبها المرتبطين بالقيم المستمدة والمستندة للإسلام، والإسلام كإطار حضارى عام يجمع مع العروبة مصر مع أمتها العربية. من هنا، ففى نفس الوقت الذي اعتمد فيه عبدالناصر «الكفاية والعدل» كعمودين لمشروعه الاشتراكى بكل تطبيقاته لبناء الدولة ومؤسساتها، فهو راعى المقومات الإسلامية الرئيسية لشعبه، فأسس إذاعة القرآن الكريم، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وطور الأزهر وأدخل إليه العلوم الحديثة وأعاد طبع كتب التراث الإسلامية ونشر الجديد منها، واهتم بالدائرة الإسلامية في علاقات مصر الخارجية كواحدة من دوائرها الأساسية. هكذا كانت تجربة عبدالناصر السياسية هي الأكثر تطابقاً مع حاجات واحتياجات المصريين المادية في العدل والتنمية، والمعنوية في العيش بداخل ثقافتهم الوطنية الراسخة مع تطويرها بما يناسب احتياجات العصر الذي يعيشون فيه.

ضياء رشوان

كاتب مصري