الإسلام... تجديد الخطاب الدِّيني

العلمانية لا تعني نفي الدين من المجتمع

انفتح المجال مجدداً في الثقافة العربية والإعلام للحديث عن «تجديد الخطاب الديني»، بعد سقوط دولة «الإخوان المسلمين» في مصر، وانتهاء بمخططات «الأسلمة» و«التمكين»، وبعد فشل هجوم الإسلاميين المصريين الكاسح على تراث نحو قرنين من التحولات السياسية والاجتماعية في هذه الدولة العربية الرائدة.

من المسؤول عن انخراط الشباب في «الإسلام السياسي»؟ ولماذا لم يجدوا في دين المناهج الدراسية، وإسلام الإعلام الرسمي، وخطب وتوجيهات المساجد والأوقاف والأزهر العتيد ما يطور في أذهانهم، فهماً جديداً لماهية الدين الإسلامي وطبيعة التدين في حياة إنسان القرن الحادي والعشرين؟

لماذا وضع الشاب الجامعي والفتاة الجامعية الوعي والعقل والإدراك خلف ظهورهما وتقبلوا بطيب خاطر وحماس يصل إلى درجة التضحية بالمستقبل والمال والروح، أفكار المودودي وسيد قطب، ومرشد «الإخوان» والقرضاوي وغيرهم؟

لقد تأثر سيد قطب، كما هو معروف، أشد التأثر بالداعية الباكستاني «أبو الأعلى المودودي»، وبخاصة في فكر التشدد واجتهادات التكفير. ويمكن لأي قارئ أن يعرف أن تشدد المودودي، يقول محمد الشافعي، رئيس تحرير «الهلال»، «كان ردة فعل للمجتمع الذي يعيش فيه. فهو من الأقلية المسلمة التي تعيش وسط غالبية من السيخ والهندوس في الهند. وغالبيتهم يعبدون الأبقار.. فإذا كان هذا عذر «المودودي»، فما هي الأعذار التي يمكن أن نلتمسها لواحد مثل سيد قطب ليعيد إنتاج نفس الأفكار التكفيرية في مجتمع وسطي ومتدين مثل مصر غالبيته العظمى من المسلمين؟». (الهلال نوفمبر 2013).

لم تكن جماعة «الإخوان المسلمين» لتقوى وتتغلغل مثل السرطان في القرى والنجوع، إلا بتقصير شديد من الدولة المصرية. فالرئيس أنور السادات تحالف معهم ليضرب «اليسار» و«الناصرية». أما مبارك، يضيف الشافعي، فقد ارتضى «الأنفاق التحتية» للتعامل مع «الإخوان»، وهكذا بات «الإخوان» ومن يتبع مدرستهم المتحدث الرسمي باسم الدين والمدافع عنه. لم تنجح مؤسسة التثقيف الديني العريقة من نقد الأستاذ الشافعي.

وجه رئيس تحرير الهلال انتقاده إلى المؤسسات الثقافية في مصر.. والتعليم والإعلام. وقال: إن الأزمة قد كشفت «أن الكارثة تكمن في التعليم وليس في الأمية أو الجهل، فكل الأجيال الجديدة من الإخوان ومن يدور في فلكهم، من خريجي الجامعات، خاصة الكليات العملية. أما الإعلام فحدث عنه بلا حرج، بعد أن عاش فترة طويلة يدور في فلك التفاهة أو المنوعات، ثم دخل عباءة السلطة، وعندما ظهر الإعلام الخاص لم يتغير من الأمر شيء، وبعد ثورة يناير دخلنا في كارثة أكبر».

ونالت المؤسسات الثقافية وابلاً غزيراً من انتقادات الشافعي، آخذاً عليها هيمنة الجمود وسلطان الموظفين والإداريين، بعد أن اختفى عن المشهد من كنا نراهم في الماضي من الأدباء والمبدعين: «لقد خرجت الثقافة بكل مؤسساتها من المعادلة تماماً، وأصبحت مبانيها تعج بالموظفين وتطرد المبدعين وأفكارهم المستنيرة، بينما ندوات وأمسيات الإسلام السياسي تضم الآلاف من الشباب لتحشو عقولهم بالظلامية والتشدد».

وتحدث مقال د. عاصم الدسوقي، ضمن العديد من مقالات الهلال حول «تجديد الخطاب الديني»، والإسلام المستنير واجتهادات العلماء، عن آليات هذا التجديد، فتناول الواقع المسيحي في مصر، وقال: «ينبغي أن يتغير خطاب الكنيسة المصرية الأرثوذكسية الذي يركز دائماً على مخاطبة المسيحيين بـ «شعب الكنيسة»، لأن هذا من شأنه أن يؤكد أن المصريين شعبان: شعب كنيسة، وشعب مسجد! فإذا أضفنا إلى هذا أن بين المسيحيين المصريين أنفسهم من يتبعون كنيستين أخريين هما الكاثوليكية والإنجيلية، أدركنا مدى حاجة الخطاب الكنسي في مصر إلى التوحد وإلى الاندماج».

وانتقد د. الدسوقي الطريقة التي يتبادل فيها المسلمون والمسيحيون الإشارة إلى بعضهما، وقال: «ينبغي أن يكف الخطابان المسيحي والإسلامي عن استخدام تعبير «عُنصري الأمة»، إشارة للمسلمين المصريين والمسيحيين المصريين، وأن يكف أصحاب الخطاب الإسلامي عن وصف الأقباط بأنهم شركاء لنا في الوطن».

ومثل هذه المطالب والانتقادات تبدو «سهلة»، مقارنة بمطالبته بأن يصبح المجتمع «دنيوياً وليس دينياً»، وألا يفهم أحد العلمانية بمعنى نفي الدين أو إلغائه، بدليل أن دور العبادة من كنائس ومعابد ومساجد لا تزال قائمة في دول أوروبا، كما أن أحد البابوات، يوحنا بولس الثاني، الذي توفى عام 2005، جاء من كنيسة بولندا، الدولة الشيوعية السابقة.

وقال: «إن تثوير الخطاب الديني الإسلامي بشأن العلمانية يتطلب الاقتناع بأن العلمانية لا تعني الإلحاد أبداً أو نفي الدين من المجتمع، وأن من الأصلح لشعوب الشرق الإسلامي المتعددة المذاهب والأديان أن تُحكم بقوانين وضعية يسهل تغييرها عند اللزوم وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه في حالة الحكم بمبادئ الدين الثابتة».

وأضاف أن على الخطاب الديني «أن يستخرج من التراث ما يساعد على علمنة المجتمع وجهاز الحكم». فنحن بحاجة إلى أن نقرأ مرّة أخرى دعوة د. زكي نجيب محمود في كتابه «تجديد الفكر العربي، الذي نشره عام 1973، وطالب بتنقية التراث «مما هو مضاد للعقل حتى يساير العرب الزمن»، ويمكن أيضاً الأخذ بما كان يدعو إليه المفكر جمال البنا، «من حيث حاجتنا إلى مذهب خامس بعد المذاهب الأربعة، وقوله إن الإسلام دين وأمة وليس ديناً ودولة».

جماعة عابرة للأوطان

وفي مقال مطول للدكتور عمار علي حسن بعنوان «الدين والتدين» قال إن الآفة التي أصابت المسلمين هي وجود من يسعى بينهم إلى «إضفاء قداسة على التدين وعلوم الدين». وهكذا، يتحول الدين إلى أيديولوجيا، وإلى فولكلور، فيختفي جوهرها العقدي، ويتحول إلى أسطورة، وإلى تجارة.

وتناول الإسلامي المصري المعروف د. «ناجح إبراهيم» ما اعتبرها العيوب الأساسية في الخطاب الإسلامي المصري بعد ثورة 25 يناير 2011، في مقال مطول بعنوان «محنة الحركة الإسلامية: الإسلام الإلهي يواجه الإسلام السياسي». واعتبر د. إبراهيم هذا الخطاب «سبباً رئيسياً» في محنة الحركة. أول عيوب هذا الخطاب، قبل وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة، التركيز على فقه وخطاب الجماعة بدلاً من الدولة: «فخطاب الجماعة يقوم على الولاء والبراء الديني والتوافق العقائدي والمذهبي. أما خطاب وفقه الدولة فيقوم على فقه المواطنة والحريات العامة، خاصة حرية العقيدة وعلى التوافق السياسي والمجتمعي وعلى العدل السياسي والاجتماعي».

كان العيب الثاني التركيز على خطاب المحنة، و«كان عليها أن تتجاوزه إلى خطاب التسامح والتعايش، وعدم الالتفات إلى ثارات الماضي»، ومن جانب آخر بالغت الحركة الإسلامية «في خطاب المحافظة على الهوية الإسلامية»، رغم أن الهوية الإسلامية يضيف «ليست في خطر كما يتوهم البعض».

ركزت الحركة الإسلامية في الماضي على «البديل الإسلامي عن الواقع الجاهلي». وهذه فكرة، يقول د. إبراهيم «خاطئة وسلبية تماماً، وهي نتاج فكرة تكفيرية تدعي أن المجتمع المصري جاهلي». ويعتقد د. إبراهيم أن «من بين عوام المسلمين من هم أعظم إيماناً وتقوى وتجرداً من بعض أبناء الحركات الإسلامية، وأمي -رحمها الله- كانت أعظم إيماناً وإسلاماً وعبادة وتقوى وتضحية وتجرداً مني رغم أنها كانت أمية. فعلى أبناء الحركة الإسلامية ألا يحتقروا إيمان العوام وأن يحذروا من رؤية النفس والعجب بها والاغترار بما قدموه من تضحيات وبذل».

وقعت الحركة الإسلامية كذلك في أخطاء قبل عزل د. مرسي رئيس الجمهورية. فقد تبنت خطاباً حربياً عدائياً، يستلهم تارة مفردات الحجاج بن يوسف الحاكم الطاغية، فيهدد بقطع الرؤوس التي أينعت، ويهدد بمائة ألف مقاتل وكل مقاتل بألف مقاتل.. دون مبرر.

ويطلب تارة بحصار هذه الفئة أو تلك. «وكم كنت أود أن تتعلم الحركة الإسلامية خطاب السلام والتسامح. ويؤسفني أن القساوسة في مصر كانوا أذكى منا في خطابهم، وهم حُرقت لهم 50 كنيسة، فإذا بهم يستعيرون خطاب السلام قائلين نحن نصلي من أجل الذين حرقوا كنائسنا». كيف يتم تجديد الخطاب الديني إذن؟ هذا ما سنراه لاحقاً.

خليل علي حيدر

كاتب كويتي