الإسلام السياسي... يهدد الدولة المدنية

الحاكمية شيء والمدنية شيء آخر

لقد عاش أجدادنا وآباؤنا في الخليج دهوراً متعاقبة دون أن تتلوث أفكارهم أو تنحو ممارساتهم إلى النحو الذي «جُلب» إلينا من الخارج بإدخال السياسة في الدين! وبالتالي تطوَّر المفهوم – الذي بدأ متوارياً لأكثر من ستين عاماً – ليُعبر عن حالات أسلمة الأنظمة العربية؛ ولكأن هذه الأنظمة ليست مسلمة ولا تعرف الدين، وصار أن ظهر التعصب والتشنج في شكل دعاوى وخطب دينية وفضائيات مذهبية بثت الشتات والفرقة بين المسلمين، وعززت رفض الآخر، وتأليب الجموع عليه وتحقيره وتكفيره في حالات عدة.

كما تطوَّر المفهوم إلى إدخال موجات العنف في الخطاب الديني التحريضي، أوصل بعض الشباب إلى أفغانستان والشيشان أو الانضمام لبعض الحركات الإسلامية المتشنجة، والتي لجأت أخيراً إلى العنف وسيلة لإرهاب الآخر وقذف الخوف في قلبه. كما ظهرت تنظيمات جديدة لم تألفها المنطقة العربية مثل «داعش» بكل ممارساتها الوحشية وخطابها المتشنج وإعلانها «الخلافة»، في تحدٍّ وتجاهل واضح للدولة المدنية التي تطالب بها الشعوب. وساهمت تلك الحركات في تشويه صورة الإسلام والمسلمين لدى الآخر.

الأمر الذي أربك المجتمعات المسلمة في أميركا وأوروبا، وأيضاً عجّلَ بتطبيق إجراءات صارمة ضد العرب والمسلمين، الذين يودون السفر إلى تلك البلدان، ناهيك عن عمليات التفتيش والملاحقة والتشكيك والتعرض للمسلمات في المطارات من قبل رجال الأمن، تماماً كما أربك عملياتِ تحويل الأموال وضرورة «أخذها تأشيرة من نيويورك» حتى تصل إلى الطرف الآخر، تحسباً لاحتمالية وصولها لجماعات إرهابية، ولكأن تلك السلطات تستحضر ما حدث في 11 سبتمبر 2001.

إن الدين الإسلامي يدعو إلى مكارم الأخلاق والصفاء الروحي والتوجه إلى الله عز وجل بقلب سليم، وأيضاً التسامح والمحبة وضرورة إعمار الكون، وصلة الرحم، وسواسية البشر، ولم يكن رجل الدين في الماضي أو إمام المسجد يتدخل في الشأن السياسي، الذي له رجاله ومتخصصوه! ولم يكن يدُر بخلد رجل الدين أنه سيصل إلى كرسي الحكم في يوم من الأيام. وكان مساعداً مخلصاً لولاة الأمر في حفظ النظام الاجتماعي والسلم الأهلي؛ عبر خطاب المحبة والتعاون وحفظ حقوق الآخر، والأمانة، وعدم اللعب بمقدرات الشعب.

وكان الإمام يدرك الخطوط العريضة التي يتحدث داخلها! أما ما تمخّض عن ما سُمي «الربيع العربي»، أو بعد سقوط الديكتاتوريات العربية الكبيرة، فقد ظهر في شكل ممارسات عنيفة ترفض الآخر، كما قلنا، وترفض كل ما وصلت إليه المدنية من إنجازات، وكل ما وضعته الأممُ من قوانين، ودساتير لتحديث مجتمعاتها، لتقود تلك الممارسات الناس إلى ما قبل 15 قرناً من الزمان، وبشكل مخالف لثقافة المجتمع وسلوك قادة وأفراده في عهد الرسالة الأول.

لقد تطوّر المجتمع المدني في بعض البلدان العربية، بشكل حدَّد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبيّن حقوق المواطنين مقابل التزامهم بالوفاء بالواجبات تجاه الدولة. وكذلك أزال العصبيات والأنايات القبلية، والطبقية والنفوذ، وصار جميع أفراد المجتمع تحت مواد القانون، بغض النظر عن أصولهم أو مكانتهم الاجتماعية أو الاقتصادية أو ثقافاتهم.

ولم يكن المجتمع المدني يوماً ضد دين معين، أو ضد ممارسة شعائرية معينة. رغم تمسك الدولة بزمام المبادرة في منح جزء من الحرية في بعض الدول العربية، أو الشكل الديموقراطي العام في بعض الدول الأخرى. كما تم استخدام الديمقراطية لخدمة النظم الحاكمة نفسها، رغم أن الممارسة الفعلية في أغلب الديمقراطيات العربية لم تكن ناجحة.

ولأن المجتمع المدني يؤهل الشعوب نحو ممارسة التضامن والتكاتف من أجل نيل حقوقها واشتراكها في إدارة نفسها، وهو نوع من التحالفات مع الدولة المركزية، تماماً كما يتشكل ذلك في قيام هذا المجتمع بتقديم، الإعانات والخدمات الاجتماعية للمواطنين أو أية أدوار إنسانية أخرى، فإن أعداء هذا المجتمع الذين يرون فيه انتقاصاً من أدوارهم، كونهم لا يؤمنون بالتعددية، ولا بالتسامح ولا بالمساواة ولا بالعدالة، فقد قاوموه بكل سلاح.

وحصل «تحالف» واضح بينهم وبين بعض أنظمة الحكم العربية، التي تسعى إلى ترسيخ دعائم الحكم عبر تأثير بعض الحركات أو رجال الدين. وبذلك دخل هؤلاء المعترك السياسي، وبرزت مطالبهم بتقويض بعض الأنظمة أو معاداة رموزها؛ ما تحوّل مع الأيام إلى منظمات تؤمن بالعنف وتفجير الآمنين، كما هو الحال مع «القاعدة» و«داعش» التي قامت واستفحلت بأموال عربية؛ بل وتحوّل «الاشتراكيون» إلى جحافل ترفع راية (لا إله إلا الله)، واستنوا قوانين خاصة بهم، ومارسوا الذبح والنحر والتفجير في الأبرياء، دونما مبررات أو محاكمات أو تهم أو إجراءات قانونية حضارية. فماذا سيحدث لو فعلاً أدارت هذه الجماعة بلداً أو بلداناً عربية بهذه الصورة الهمجية.
أحمد عبد الملك

كاتب قطري