الإسلام السياسي يعود بالمرأة المصرية الى عصر الحريم

القاهرة - من محمد الحمامصي
دموع المصريات تحت حكم الاخوان

لا يقل المشهد العام للمرأة المصرية مأساوية عما يجري في مصر بطولها وعرضها، حالة من الاستسلام والرضوخ للمقدر الجاري وسط قمع إرهابي يكمم الأفواه ويهدد بالتكفير والخيانة كل صوت مطالب أو معارض، الكثيرات طبقا لشهود عيان في الشارع المصري أرحن أنفسهن وارتدين الحجاب والنقاب ليس فقرا أو توفيرا ولكن خوفا، بينهن موظفات في مؤسسات وهيئات ووزارات الدولة اضطررن لمواكبة الأجواء التي فرضتها سيطرة تيارات الإسلام السياسي، وقليلات جدا من يقاومن، ويجئ ذلك تزامنا مع انزواء النخب النسائية وخفوت صوتها وتراجعها حتى عن الإدلاء بآرائها فيما يجري، أيضا تواردت ردود أفعال وفعاليات منظمات وجمعيات المرأة وحقوقها بعد أن تناوشتها التهم حتى طالت سمعتها وسمعة رموزها.

في هذا التحقيق تحاول "ميدل إيست أونلاين" قراءة ما يجري مستطلعة رأي الشارع وعدد من الكاتبات والباحثات، متسائلين عن أسباب خفوت صوت المرأة المصرية اليوم في الوقت الذي تنهش فيه مكتسباتها كيف نقيم دورها الآن ودور جمعيات ومنظمات المهتمة بحقوقها المرأة، هل رضخت واستسلمت؟.

وقالت علياء سعيد ـ مديرة بإحدى الإدارات التعليمية بالقاهرة ـ أنها تفاجأت خلال فترة وجيزة حجاب وانتقاب عدد من الموظفات والمدرسات اللاتي يأتين للإدارة.

وأضافت "هناك أجواء تزمت وتشدد تتفشى ليس في إدارتنا فقط ولكن في إدارات ومدارس كثيرة في القاهرة، أنا شخصيا محجبة الحجاب البسيط، ولم أتحجب إلا بعد أن أصبحت جدة، ولا أفتي في أمور الدين، لكن ما أراه غير طبيعي، كل واحدة تحجبت أو انتقبت كأنها عالمة فقيه بالدين، تفتي (عمال على بطال)، نعم كثيرا ما أتعرض لمدرسات وموظفات شبيهات بهؤلاء أصحاب الذقون الذين يعتبرون مجرد إطلاق الذقن يمنحهم حق الفتوى، فجأة يتحولن واعظات ومفتيات، وقد تساءلت كثيرا عما يجري وجاءني الرد أن الكل ركب موجة التدين خوفا أو حفظا على منصب أو مكان أو بحثا عن وظيفة أو مال، فالدولة الآن دولة الإسلاميين".

ورأت مروة السيد ـ بائعة بإحدى شركات الأجهزة الكهربائية بوسط القاهرة ـ أن هناك حالة من الردة في عقل المرأة، فأغلب من ناقشتهن من الفتيات الشابات المنقبات والمحجبات، يرين أن الحجاب أو النقاب يجعل فرصة الزواج أكبر، رغم أنهن متعلمات والكثيرات منهن حاصلات على شهادات جامعية.

وقالت السيد "هن لا يخفين أن ضغوطا في مقر العمل وفي الأسرة دفعتهن لذلك، ويرين أن ذلك أسلم لحريتهن الشخصية".

وتعترف أن ذلك بدأ في التفشي عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) وخروج الإسلاميين وإمساكهم زمام الأمور وسيطرتهم على الكثير من وسائل الإعلام والمنابر الفضائية، ثم لما نبتعد كثيرا وهناك مقولة تنطبق على ما يجري "الناس على دين ملوكهم" والناس على دين رئيسهم وهو صاحب ذقن وزوجته ترتدي الإسدال.

وقالت مي نوح ـ رئيس مجلس إدارة شركة فالكون للمقاولات ـ أن دور المرأة الآن مهمش بل ملغي، ورأت أن جمعيات ومنظمات المرأة تعيش حالة بين الترقب والحذر خوفا من التيار الجديد، ومحاولة للسكون حتى تتفهم الأوضاع المستقبلية وتتخذ القرار الصائب فتقوم الدفع بعجلة تنمية المرأة وتفعيل دورها وتنمية حقوقها أو الاستسلام التام لحين أن يغير الله في أمره.

وتتعجب هالة عبد الحميد ـ مدرسة ـ من اختفاء القيادات النسائية، وقالت "الساحة الآن متروكة لأصحاب الذقون وزوجاتهم المنقبات خاصة اللاتي أصبحن يعطين دروس في الأحياء والعشوائيات حيث يجمعن عشرات من نساء الحي بعد صلاة المغرب وحتى العشاء، لا أعرف ماذا يقلن، لكن انتشار النقاب والإسدال بهذا الشكل الكبير يدل أنهن يتحدثن عن ذلك وحرمة خروج المرأة بشعرها أو لبسها بنطال أو غيره".

وأكدت هالة أن قنوات أيضا مثل قناة الناس والرحمة وغيرهما يلعبان دورا فظيعا في غسل دماغ السيدات والرجال على السواء في البيوت، كل شيء حرام، كل شيء عذاب، كل شيء كفر، لغاية ما جعلوا من حياتنا جحيم".

أما نسرين ـ رفضت ذكر باقي اسمها ـ فرأت أن المرأة المصرية ليست وحدها التي استسلمت بل الشعب كله، الشعب كله أُنهك وتعب وسئم وخنع لكل ما يحدث حوله من سلبيات فقط، واعتقادي أن الكل واع جدا بأنه لا يستحيل إزاحة الإخوان من الآن وصاعد، ولذلك خضع الشعب مضطراً مُستسلماً لحزنه. أدعو الله أن يعفو عنا.

وقالت "أعتقد حين ترى المرأة عتاولة قيادات البلد ينحدر بهم الحال إلى هذا الحد ّ من الرضوخ والاستسلام! فتقول لحالها وبالبلدى "تروح فين يا صعلوك لما الملوك حالهم اصبح مقلوب"!.

شبح القهر يهدد المرأة المصرية
وقالت الخبيرة الإعلامية عزة عزت "رغم شبح القهر الذي يتهدد المرأة المصرية جراء تمكن التيار الإسلامي من حكم مصر تشريعا وتنفيذا ورئاسة، الأمر الذي يضرب كل المكتسبات التي ناضلت المرأة المصرية لتنالها عبر عقود تكاد تقترب من المائة عام، سواء على مستوى الأحوال الشخصية أو الحقوق السياسية والاجتماعية أو الاستقلال الاقتصادي، أقول رغم هذا التهديد لا نستطيع أن نتعامل مع المرأة المصرية بوصفها كتلة واحدة آثرت الصمت واستسلمت لما يحاك لها بليل، فبداية لابد من التفريق بين فئات النساء المصريات الآتي ستسرق مكتسباتهن، ولنتساءل بداية: هل هن جميعا مدركات لخطورة ما يتهددهن؟".

وأضافت "إذا ما تعلق التقييم بدور المرأة علينا بداية أن نحدد أي امرأة تلك التي ستخرج عن الصمت؟ وتتحرك لتتصدى إذا كانت نسبة تقترب من 50% من النساء يرتعن في الأمية والجهل والتغييب، وعدم الإدراك أو عدم الإدراك والوعي لحقوقها، ونسبة لا يستهان بها يطحنها الفقر، وتسعى وراء لقمة العيش لتعول أسرها.. بل ورجالها، ونسبة أخرى تساهم في تغييبها القنوات التليفزيونية المدعومة بالأموال الوهابية التي تكرس تهميش المرأة، وتبذل جل جهدها لإفهامها أن واجبها الديني أن تكون كائن خاضع وغير فاعل على كل صعيد.. وكل هؤلاء النسوة لا يعنيهن أن تعود المرأة للبيت أو تهمش سياسياً، أو تسرق مكتسباتها الاجتماعية، ما لم تكن بالفعل امرأة معيلة أو زوجة تعسة تبحث عن الطلاق أو الخلع أو أم تعاني في المحاكم من قضايا النفقة والحضانة والاستضافة، بمعنى صدور قوانين تسرق مكتسباتها في هذا الصدد بالذات، فالمرأة المصرية بوجه عام منهكة بشكل لا يسمح لها بالمشاركة في مناقشة أي قضايا عامة أو مشاكل لا تمسها بشكل شخصي".

ورأت أن جمعيات ومنظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق المرأة معظمها للأسف يعمل بتمويل خارجي، أو بدعم شبه رسمي في ظلال سيدات مصر الأوائل وبدعمهن، ووفقاً لأجندات ـ وإن بت أكره هذه الكلمة التي استهلكت وساءت سمعتها ـ لكنها الحقيقة أن إطار عمل هذه المنظمات مرتبط دائما بجدول أعمال ليس بالضرورة يهم أو يرتبط بالمجتمع المصري البسيط بكل طوائفه، فهو يمارس حياته اليومية بعفوية غير مدرك أن عاداته تحتاج غربلة وتغيير، فماذا ننتظر من هذه الجمعيات في ظل زوجة رئيس تقليدية وغير متحمسة أصلا لأنشطة هذه الجمعيات، بل إن زوجها الرئيس وجماعته لهم جمعياتهم التي تمارس تجهيل وإفقار النساء أكثر من خلال الاكتفاء بتقديم خدمات خيرية لا تثمن من جوع ولا تنمي وعياً، بل تكرس غيبوبة النساء لصالح استغلال أصواتهن الغشيمة في الانتخابات بكل ما تحمل رؤوسهن من جهل".

وأكدت أن كل هذا لا يمنع من أن المرأة المصرية الواعية والمثقفة والعاملة، والمبدعة، والناشطة في كل مجال من الصمت، ولن تبلع لسانها أو تستسلم؛ إذا ما أدركت بحق أن مكتسباتها ستمس في ظل نظام حكم يعادي بنسائه قبل رجاله حقوق المرأة، وهذا ليس افتراءً عليهم، بل لعل تصريحات نائبات التيار الإسلامي في مجلس الشعب المنحل وأدائهن وأرائهن ـ وعلى رأسهم النائبة أم أيمن ـ خير مثال على ذلك، كما أن خير دليل على حتمية ثورة النساء على ما يراد بهن ما حدث في مظاهرات ست البنات وفي المظاهرات المنددة بالتحرش التي تؤكد أن المرأة المصرية الواعية لم ولن ترضخ أو تستسلم".

الحرمان من حق الترشيح

وأكدت الكاتبة والإعلامية شيرين الغرابلي أن المرأة المصرية بالرغم من محاولات الإقصاء أو التهميش المستمرة لها إلا أنها لازالت تحاول قدر استطاعتها. وقالت "أما عن دورها في الحياة السياسية الجديدة منذ ثورة يناير فهناك مؤامرة كبرى لإقصائها بدأت من لجنة التعديلات الدستورية وقانون مباشرة الحقوق السياسية المعيب الذي حرمها حقها في الترشح، وكانت النتيجة برلمان نصف مصر غير ممثل فيه، ومع ذلك لازالت تحاول وهناك العديد من المظاهرات النسائية التي خرجت في شوارع مصر انتصارا لحقوق المرأة المصرية وانتقاد ما يمارس ضدها من عنف مادي ومعنوي".

وأضافت الغرابلي "أن المرأة المصرية ساهمت بنسبة كبيرة في إنجاح التجربة الديمقراطية الوليدة بمشاركتها في الانتخابات بمراحلها المختلفة، بل أكدت وجودها وأنها رقماً صعباً في الحياة السياسية، وبالرغم من هذه الحقيقة التي باتت جلية خلال الفترة الماضية إلا أن اجتهادات المرأة المصرية في هذا الاتجاه لازالت جهود فردية سواء من خلال الائتلافات النسائية أو الجمعيات الحقوقية المعنية، والحقيقة أن قضية تمكين المرأة باتت قضية حياة أو موت لمجتمع يتحدث عن النهضة، فكيف تكون النهضة بمجتمع يقف على قدم واحدة، النهضة الحقيقة لا تأتى إلا بمشاركة المرأة المصرية التي تمثل نصف المجتمع ، لكننا أمام إشكاليات عميقة في كون قضية التمكين السياسي للمرأة يتحكم بها الآن من لا يؤمنون بها أو بأهمية مشاركتها في صنع القرار السياسي من الأساس، ويشترك في قضية التمكين هذه الأحزاب السياسية والمجالس القومية المتخصصة والإعلام الذي لم يعد يتطرق لهذه القضية لا من قريب ولا من بعيد والدولة بأجهزتها الرسمية، وعلى رأسهم رئيس الدولة الذي أصبح يحتكر كل السلطات بعد قراراته الأخيرة".

ورأت أن المرحلة الانتقالية في مصر ما بعد الثورة تم إدارتها بنظرية تبديل الأشخاص وليس تبديل السياسات وأن عدم نضج المشهد السياسي أدى إلى تراجع كبير في الاهتمام بالمرأة بالإضافة إلى انعدام الرشد السياسي الذي نقول "انه ما دمنا جادين في حماية هذه الثورة التي قامت من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية التي لا يمكن أن تستقيم في ظل تغييب المرأة وإقصائها"، وبالتالي نحن نحتاج إلى مشروع نهضوي شامل يشارك فيه كل مصري من منطق المواطنة وليس بسبب الجنس باعتباره رجلا أو امرأة أو غنيا أو فقيرا أو مسلما أو مسيحيا، إننا بالفعل في حاجة إلي مشروع مصر النهضوي والذي تشارك فيه المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل، وهذا كان يتطلب منها أن تشارك أيضا في وضع دستور مصر القادم لرسم السياسات الاجتماعية والاقتصادية ولكن هذا المطلب أحتكر تحقيقه لجنة تشكلت بمعايير "الدستور دستورنا والبلد بلدنا " وها نحن بانتظار ما ستسفر عنه من نتائج مناقشات اللجنة، نستبشر خيراً بالرغم من كل هذه الإحباطات لتعود المرأة لتشارك في عمليات البناء في كل مكان وفق ما حصلته من تعليم وثقافة، وهذا لن يتم إلا في إطار بناء وعي جديد".

القوى الإسلامية تعمل على تجريدالمرأة من حقوقها

وقالت الكاتبة همت لاشـين مديرة معهد كونفوشيوس بجامعة دبي ورئيسة نادي قراء مجلة الصين اليوم بالإمارات إنه رغم أن المرأة المصرية شاركت بقوة في ثورة 25 يناير إلا أن القوى الإسلامية الآن تعمل على تجريدها من حقوقها ومكتسباتها وتهميش دورها حتى بدأت صورة المرأة تتلاشى تدريجياً وتختفي من على الساحة تماماً.

وأضافت "رغم الوعود السابقة بوجود أسماء ورموز نسائية في مجلس الرئاسة الجديد إلا إننا لم نر وجها نسائيا واحدا إلا وزيرة الشؤون الاجتماعية الدكتورة نجوى خليل وهي من النظام السابق، كما أن هناك علامات استفهام كبيرة حول الاسم النسائي اللامع للمستشارة تهاني الجبالي واختفائها إعلاميا في الفترة الأخيرة، للأسف الشديد وضع المرأة المصرية الحالي مؤسف للغاية فلا يوجد للمرأة أحزاب أو جمعيات نسائية منظمة تناقش قضاياها وتناضل من أجل حقوقها ومكتسباتها، فقط نسمع صرخات نسائية عشوائية من هنا ومن هناك وبعض الآراء والوقفات الاحتجاجية الضعيفة".

وطالبت شاهين تفعيل دور المرأة بشكل بارز وقالت "لن يتم ذلك إلا من خلال تأسيس أحزاب نسائية تعمل بقوة من أجل حقوق المرأة المصرية ومشاركتها في الحياة السياسية والمجتمعية، حيث يبدو أن المرأة المصرية ستواجه صعوبات كثيرة في المرحلة القادمة وليس أمامها سوي خيارين إما الحوار وأما الضغط بالقوة ولا اعتقد أنها ستستسلم وترضخ لأن المرأة المصرية قادرة على نيل حقوقها واثبات دورها".