الإسلام السياسي.. مصطلح هلامي!

التمسح بأعتاب الدين

لم أجد سبباً للمجانية التي نستقبل بها المصطلحات السياسية والاجتماعية سوى الكسل الذهني، الذي جعل الباب مفتوحاً أمام أي مصكوكات من المصطلحات لتدخل وتخرج دون أن «يعكّر» صفوها بحث جاد يستقصي المقاصد، ويبحث عن المنابت، والدواعي.

ولعل مصطلح «الإسلام السياسي»، الذي دخل الساحة على حين غفلة من أهلها، وأخذ «راحته» بالكامل، دون أن يبلوه أحد بمسبار التحقيق، ويضعه في ميزان النقد، ويستقصي جذوره ويعود به إلى منطلقاته الحقيقة، والغايات من ورائه. فهذا المصطلح بات في العقل الجمعي مظلة تضم جملة من الجماعات التي تدفع بخطاب يتمسح بأعتاب الدين.

والزج به باتجاه المعترك السياسي بدوافع مختلفة، ومن زوايا معينة، وحين نضعه على طاولة التشريح النقدي، والتفكيك سندرك أنه مصطلح «هلامي» فما دام هناك «إسلام سياسي»، فمن الضروري أن تكون هناك «إسلاميات» أخرى؛ يصعب عليك تحديدها، وإلا فمن أين استل «الإسلام السياسي» من الخطاب الإسلامي العقدي المعروف بمحدداته القرآنية، والسنة النبوية والمحصلة الاجتهادية على مر القرون.

ولن نجد خلاصاً من هذه المجانية في قبول هذا المصطلح إلا بتجريد هذه الجماعات من هذه اللافتة، والنظر إليها من منظور خطابها المطروح. ولا ننساق إلى منزلقها، ومنحها صفة «الإسلامي».. مع ضرورة التفريق بشكل قاطع وحاسم بين نصاعة الإسلام بوصفه عقيدة منزهة النقص، وبين سلوك المسلمين، الذي يتأرجح ويتفاوت في طريق تحقيق النموذج الإسلامي في أعلى صوره وغاياته النبيلة التي جاءت بها الشريعة المحمدية، وتلك أمنية عزيزة، وطريق يكفي الإنسان شرفاً المضي فيه، ولن يدرك غايته، فلا بد أن نفرق بين سلوك المسلمين، وعقيدة الإسلام، فالإسلام قيمة عظيمة، والمسلم يضرب بخطوه في اتجاه هذه القيمة، وعلى مقدار الخطى والمسافة المقطوعة باتجاه الغاية النبيلة، يكون التقييم والنظر..

فالخطابات التي ترفعها هذه الجماعات التي «خطفت» لافتة الإسلام وجيّرت بها طرحها الدعائي، من المهم الانتباه إليها، وتجريدها من لافتة «الإسلام»، والتعامل معها وفق سلوك المسلمين المنضوين تحت هذه اللافتات، بما يسهّل على الناقد أن يحاورها دون حرج الخلط بين الإسلام وسلوك المسلمين، فكل الجماعات والأحزاب التي ترفع لافتة الدين، وتتسمى بالإسلام تختصر «روح العقيدة» في خطابها، وأي محاولة للاختلاف معها، سترفع «نصال» التكفير والتفسيق والتبديع، مقدمة نموذجاً من «التماهي» بين الفكرة في نصوعها، والسالك في مدارج الطريق، والمحصلة من هذا السلوك أن أفراد هذه الجماعات اكتسبوا «حصانة» دينية، تطورت بشكل مذهل في حقول الغفلة حيناً و«الإرهاب» الديني حيناً آخر ليصبح هذا «المتماهي» منتجاً للدين بالفتوى، وموزعاً لصكوك الغفران بالرضا، وحاجباً عند باب «الجنة» يدخل فيها من يريد، ويوزع عليه خيراتها وبخاصة من الحور العين، ويرسل المخالفين إلى سقر وبئس المصير.

إن الناظر إلى خطابات هذه الجماعات، سيجد بينها خيطاً أساسياً ومهماً، وكأنه لازمة ضرورية لنموها وانتشارها، يتمثل في جنوحها نحو تقديم خطاب عاطفي يستهدف تغييب العقول، وإثارة الغرائز، وتجييش المنفعلين بالدين بأشواق طيبة النية، ولكنها منطمسة الرؤية والتمييز. فخطاب جماعة «الإخوان المسلمون»، يتأسس في جوهره على موضوع الحاكمية لله، وضرورة تطبيق الشريعة في الدولة الإسلامية، وينشط خطابها مستدعياً الآيات الكريمة التي تصف من لا يحكم بما أنزل الله بالكفر والخروج من الدين، فهذا الخطاب، في صورته المثالية وضع العديد من الدول العربية منذ نشوء هذه الجماعة تحت حرج مفارقة الإسلام جوهراً والبقاء تحت مظلته اسماً، وفق رؤية «الإخوان»، وهو أمر ما كان له أن يكون بهذه الحدة في الطرح، لولا أن «الجماعة» اتخذته مطية لتسنم الحكم، وإحكام قبضتها بهذا الخطاب الديماغوجي، فهذه الدول يأخذ فيها الإسلام وضعه الطبيعي، من عقود النكاح إلى المعاملات المالية وغيرها، دون أن تكون ثمة حاجة إلى رفع لافتة «الإسلامي» في معرض الترويج الدعائي.

أما الخطاب الشيعي فتكون العاطفة فيه أكثر بروزاً، ذات سلوك درامي لا يخلو من مظاهر الكوميديا السوداء في تفاصيل الممارسة، فالمرتكز الذي يقوم عليه الخطاب، يضرب على وتر العاطفة بأحقية «آل البيت»، ويبرز سيدنا الحسين بن علي، بوصفه الرمز الذي يشعل كل هذه الحمولة من العاطفة الجماعية لهذه الطائفة، التي أوقفت حركة التاريخ، أو ساقت الحاضر عبر مسالك العاطفة العمياء ليقع في سجن الماضي.

وعلى هذا المنوال يمكننا المضي مع كافة الجماعات التي خطفت لافتة الإسلام وجعلت منها شعاراً دعائياً لتحقيق أغراضها الدنيوية، وشهواتها للحكم، متوسلة في تحقيق ذلك أكثر الخطابات العاطفية تأثيراً وفق السياق العام في مجتمعات العرب والمسلمين.. فمن أراد الموت والخلاص من الحياة، فدونه بوابة يفتحها «ماكرون» بلحى طويلة وألسنة تبيع الحور العين، وتوزع طيبات الجنة على السذج البسطاء، ومن أراد البكاء على حق آل البيت المضاع فثمة عمائم بيضاء وسوداء، تمنحه بعد البكاء «لذة» إيذاء الجسد في «مهزلة» الاستبراء والمعاقبة على التخاذل، ومن أراد «وهماً» دينياً فهذه الحوانيت تملك بضاعة براقة الديباجة.. مفخخة المحتوى!

نجيب يماني

كاتب سعودي