الإسلام السياسي ... محاولة التناغم مع التحولات!

إلتفاف على المأزق

تحمل حركة اصطفافات، قوى الاسلام السياسي، بثنائياتها، السني والشيعي، المعتدل والمتطرف، اكثر من غيرها، ملامح فوضى منطقة، تنتقل مربكة، بين حالتين من اللاستقرار.

الرسالة التي وجهها زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، إلى أنصاره والمقربين منه، وبثتها مواقع على الإنترنت قريبة من تيار السلفية الجهادية، تعبر بشكل أو بآخر عن تغير، قد يكون تكتيكياً، في أولويات وطريقة تفكير هذه الجماعة.

ففي هذه الرسالة، إعادة لجدولة الأولويات، في التعامل مع تطورات المنطقة والعالم، بحيث تقترب في نظرتها للغرب، من التفكير الإيراني، قبل ظهور مؤشرات التحول، نحو البحث عن تسوية، للملف النووي، ولا تبتعد عن ذهنية تصدير الثورة، التي طرحها نظام الملالي، غداة استيلائه على الثورة والحكم في إيران.

كما تميل مقاربات الظواهري، لتهدئة مخاوف الطوائف الاسلامية الأخرى، من عنف السلفية الجهادية، مما يكشف عن رغبة، في وراثة حضور حزب الله اللبناني، قبل تورطه في الأزمة السورية، وظهوره بصورة الحزب الطائفي، بعدما كان يعبر عن حالة تحرر وطني، اجبرت الاحتلال الاسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان.

إطروحة الظواهري الجديدة، التي جاءت نتيجة لمجريات الصراع في المنطقة، لم تغادر المربع الطائفي في العراق، وابقت تعريف عملاء الولايات المتحدة في سوريا غامضا ـ لا سيما وانه ينطبق على النظام، الذي استجاب للرغبة الامريكية، واظهر تعاونا مع عمليات نزع سلاحه الكيماوي، مثلما ينطبق على المعارضة، المتحالفة مع الغرب ـ وابقت حدود التهدئة مع من تصفهم بالمرتدين غائمة. مما يعني مقتل المئات من الابرياء، دون وجه حق، الى ان تحين الفرص، لمقاربات اكثر وضوحا.

في المقابل، كان المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، في كلمته الموجهة للحجاج، وهم على جبل عرفة، بعيدا عن السياسات التي تتبعها بلاده، في الوقت الراهن، للتقارب مع الغرب، على امل التوصل الى حل، لازمة الملف النووي.

فقد حمل القوى "الإستكبارية" و"الشيطانية" وهي الأوصاف، المعتمدة إيرانيا للولايات المتحدة، مسؤولية التوتر، في الخليج وغرب اسيا وشمال إفريقيا، ولدى دعوته المسلمين، إلى الاتحاد والتآخي، تحت لواء التوحيد، أعتبر العناصر التكفيرية العوبة بيد الساسة الصهاينة.

اندفاع خامنئي، في تنظيره الديني، انطوى على مخالفة أخرى للسياسة التي يتبعها الرئيس حسن روحاني، الذي لا يستطيع الخروج من تحت عباءة المرشد الأعلى.

فقد التقى خامنئي، بشكل أو بآخر، مع اسامة بن لادن، في تقسيمه العالم، الى فسطاطي الكفر والإيمان، بحديثه عن تكفير المذاهب، الذي يخدم الكفر والشرك، وتحديده العدو بجبهة الاستعمار العالمي والشبكة الصهيونية، فيما يجري روحاني، اتصالات مع الرئيس الأمريكي باراك اوباما، ويبدي حسن النوايا تجاه اليهود، في الوقت الذي يتهرب من زيارة السعودية، التي من شأنها تهدئة توترات في المنطقة، وحفظ دماء المسلمين، ولا يخلو الدور الايراني في العراق وسوريا من شبهات طائفية.

والواضح أن المرشد الأعلى، كان يراهن خلال توجيه خطابه للحجاج، على خشوع المؤمنين، وضعف ذاكرتهم، وقلة قدرتهم على الربط، بين التنظير الديني والأحداث الجارية على الأرض، في لحظة تأديتهم لشعائر الحج.

حركة حماس، قدمت مساهمتها، في حالة التأرجح، بين التنظير الديني وتعقيدات السياسة، بمحاولتها وضع احدى قدميها في الدوحة، حيث الشيخ يوسف القرضاوي، والأخرى في طهران، بعد فشل المراهنة، على الزمن الإخواني، الذي بدات نهاياته، مع الاطاحة بالرئيس محمد مرسي.

رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، التقط خلل المعادلة، وحاول ايجاد الغطاء النظري، الذي يتيح الالتفاف، على حالة التشوه، التي ينطوي عليها تارجح حركات الإسلام السياسي.

دعوة مشعل لتوجيه البنادق نحو القدس، وحديثه عن الطائفية، خلال مؤتمر في بيروت، يندرج في هذا السياق إلا أن الدعوة والحديث أثارا حساسية" جيش الإسلام "أحد فصائل السلفية الجهادية في سوريا، الذي لم يتوان عن إصدار بيان، يهاجم راس الهرم الحمساوي، ويرفض الدعوة لتوجيه البنادق الى القدس، بدلا من مخيم اليرموك.

محاولات الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، للتناغم مع إيقاع التحولات، التي تمر بها المنطقة والعالم، دفعت تنظيم القاعدة، بكل تشدده المذهبي، الى محاكاة النموذج الإيراني، الأكثر اتقانا لإخفاء مذهبيته، وتعويم خطابه، ليشمل عموم المسلمين.

راوح الجانبان بين المناورة في تكفير المذاهب الأخرى، وإعادتها درجة في سلم الأولويات، كما فعل الظواهري، وادانتها بالمطلق، دون القدرة على درء شبهاتها، مثلما جاء في رسالة خامنئي إلى الحجيج، التي تفتقر إلى الانسجام مع الدور الإيراني في اكثر من مكان، وفي الحالتين، لا يستدعي الخطابان المستخدمان، وتجلياتهما على الارض، تدخلا خارجيا، لتاجيج الصراع المذهبي والطائفي، القائم في المنطقة، فهما كفيلان باذكائه، وجر الفئات البائسة اجتماعيا وفكريا للانغماس فيه.

والرغبة بالإفلات من المنعطف الاقليمي ـ الكوني المزدوج، دفع مشعل، إلى ما يشبه سياسة تبادل المنافع، مع ملالي ايران مرة، و القرضاوي مرات، مما اتاح للرئيس السوري بشار الأسد، تمرير شكواه من غدر حماس، مع اعترافه المبطن بخطئ تجاهل اخوانية الحركة، حين تعامل معها باعتبارها حركة مقاومة، دون أن يجد رداً منها وهي تحاول العودة الى المعسكر الذي غادرته.

اتساع المأزق، الذي يعاني منه الخطاب المذهبي، لحركات الإسلام السياسي، بثنائياتها المتعددة، وهو يلاحق زمن التحولات الإقليمية والدولية، لا يعني بالضرورة، انحسار حضور هذه الحركات، التي تجد في عودة المجتمعات الى مكوناتها البدائية، مناخا ملائما للتمدد.

يضاف بذلك، مظهراً آخر، إلى مظاهر الانكفاء الحضاري الذي تمر به الشعوب العربية والإسلامية منذ قرون؛ كشف عنه ما يعرف بالربيع العربي، الذي اخفق حتى الآن في تحديث وعقلنة الحياة السياسية، مما يزيد من صعوبة مهمة العقلانيين العرب، في التعامل مع واقعهم الجديد.

جهاد الرنتيسي

كاتب فلسطيني