الإسلام السياسي بين العرب وتركيا وإيران

بقلم: إبراهيم الزبيدي

حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا كانت الكثرة الكاثرة من العرب تتوجس خيفة من وصول حزب إسلامي جديد إلى الحكم في إحدى دول الإقليم، بعد أن شبعت الشعوب من المتاعب والآم التي تسببت فيها أحزاب الإسلام السياسي العربية والإيرانية والباكستانية والأفغانية، وما جرته على أمن المواطن واستقراره من اختلالات يصعب التغلب على انعكاساتها وآثارها المدمرة في المدى المنظور.

لذلك فإن الجماهير العربية، وخصوصا قوى التحرر والديمقراطية، لم ترحب بحزب العدالة والتنمية التركي، باعتبار أن لديها كفاية، ولا تحتاج إلى مزيد.

ولكن التجارب العملية التي حدثت في تركيا، منذ فوز حزب العدالة، واتضاح صورة الفعل العقلاني السياسي الجديد لحزب العدالة والتنمية، وإنجازاته المتسارعة على طريق تنمية تركيا وإطلاق اقتصادها في جميع الجهات، غيرت قناعات الكثرين من العرب التقدميين العلمانيين، سياسيين ومثقفبن، وبدأت تفعل فعلها في أوساط الجماهير وتكتسب احترامها وإعجابها، وتثير فيها الكثير من الأمل في انتقال عدوى الاعتدال والوسطية والعقلانية التركية إلى جميع دولنا العربية، وبالأخص إلى جارتنا العزيزة إيران التي يترتب على عودتها إلى الاعتدال والعقلانية والواقعية السياسية كثيرٌ من ازدهار المنطقة واستقرارها.

مناسبة هذا الكلام تصريحاتٌ غبية عدائية أدلى بها الجنرال حسن فيروزبادي رئيس اركان الجيش الايراني هاجم فيها "جبهة الدكتاتوريات العربية" في الخليج المعادية لايران، وأكد فيها على أن هذه المنطقة "كانت دائما ملكا لإيران".

مشددا في بيانه على أن "الخليج الفارسي انتمى وينتمي وسينتمي دائما لايران". وكـأن العالم توقف عند الامبراطورية الساسانية ودولة كسرى يزدجر.

ولو كانت هذه الأفكار العنصرية الفارسية الخالية من احترام الجيرة والخارجة على روح الانتماء الديني الواحد صدرت فقط من نظام الحكم الإيراني الحالي الطائفي العنصري المتطرف وحده لاعتبرناها مجرد هرطقة سياسية تعودْنا عليها في كل مرة تحتدم فيها المناوشات بين حكومات عالمنا الإسلامي، ثم لا تلبث أن تهدأ وتهجع وتحل محلها، فجأة، شعاراتُ الأخوة والجيرة والاحترام المتبادل، في حفلات تبويس اللحى وتبادل الاحترامات والمدائح الكلامية العابرة.

ففي أهم كتاب صدر عن آخر سنوات امبراطورية الشاه متضمنا مذكرات "أسد علم" رئيس وزراء إيران، ومدير ديوان الشاه إلى يوم سقوطه نقرأ كوارث وأعاجيب كنا نتوقع بعضها ونشك بوجود بعضها الآخر.

الكتاب عنوانه "الشاه وأنا" ويقع في 728 صفحة، أقتطع منها هنا فقط ما يتعلق بالعرب عموما، وبدول الخليج بشكل خاص.

- الأثنين 17 فبراير/شباط 1969: جاء سير دينيس رايت سفير بريطانيا لكي يراني هذا المساء، فعبر عن قلقه الشديد بشأن سياستنا في الخليج، والتي يمكن أن تؤدي إلى مشاكل مع العرب. قلت له "فليذهب العرب إلى الجحيم، ماذا فعل لنا العرب، لو أنهم يوقفون هذا الهراء ويدفعون لنا لحماية الخليج ويتركوننا نبدأ العمل."

- الأربعاء 26 فبراير: مات رئيس وزراء إسرائيل ليفي أشكول. رتبت الأمور لجلالته أن يقدم تعزية في سرية تامة للرئيس اللإسرائيلي لمنع حدوث أي مشاكل مع العرب.

الأحد 3 مارس: يوم ميلاد الملك الحسن ملك المغرب لذلك قدمت تهاني للسفارة. كان الملك الحسن وسيطا بيننا والملك فيصل. (منذ عدة أشهر رحب السعوديون بشيخ البحرين كرئيس للإمارة. قبل ذلك بأسبوع قبل الشاه دعوة لزيارة رسمية لبلدهم، ونتيجة لذلك الاستقبال ألغى الشاه الزيارة وظلت العلاقة لفترة متجمدة بين البلدين).

- الجمعة 7 مارس/ آذار: حضرت الغذاء والعشاء مع سموه. شعر سموه بتحسن طفيف هذا المساء. ولقد أخبرني بسرية تامة أن الأكراد قاموا بتخريب خطوط أنابيب عراقية عند الموصل وكركوك، وستأخذ شركات البترول هذه الحادثة كحجة، لتحويل إنتاجها لإيران.

-الأحد 23 مارس: تحدث السفير البريطاني. قلت له إننا لا نستطيع الوصول لحل بالنسبة للبحرين حتى نعرف مصير جزر طنب وأبو موسى.

- ظهر السفير أكثر ميلا من ذي قبل لأن يربط أي حل للبحرين باقتراحاته بالنسبة للجزر، قال إذا ما عضدت إيران قيام اتحاد الإمارات العربية إذن سيمكننا أن نحتل الجزر تحت مظلة مصالح الاتحاد دون أي خوف من العرب.

- فكر السفير البريطاني قليلا قبل أن يجيب، وحكمته كسرت حدة غضبي: "أنت محق تماما في كل ما قلته. لا يمكن لبريطانيا أن تهمل اهتمامات العالم العربي، لكني أقول لك بإيمان قوي إننا نعتبر إعادة الجزر لإيران من واجبنا".

- الثلاثاء 22 أبريل/ نيسان: رأيت سموه (الشاه) لعدة دقائق هذا الصباح.. كان ينتظر عمر السقاف وزير الخارجية السعودية الذي تحدث في مكتبي نصف ساعة، قبل اجتماعه. إنه عاقل برغم أنه عربي.

- الأحد 8 سبتمبر/ أيلول: قلت للسفير المغربي: أنظر فقط إلى العراق، إنها دولة بائسة كالأقزام بين العمالقة، والتي كادت تضربنا ضربة قوية في عبادان لولا قواتنا العسكرية.

الأربعاء 1 أكتوبر/ تشرين الأول: حضرت غداء وكان الشيخ راشد في دبي الضيف الرئيسي، قابلته مرتين أو ثلاث مرات، وكان يفاجئني بكونه رجلا حليما بعيد النظر، بخلاف شيوخ الخليج الآخرين والذين بدأ أنهم مسكونون بمركبات نقص.

الأحد 5 أكتوبر: كان يوما فضيعا، لقد استقبلني سموه وكان مكتئبا للغاية، فقد أعلن بدون مقدمات أن العراق أعلن أنه ليس لنا الحق في التدخل في شؤون الخليج، وقال "أنا أنظر دائما لليوم الذي أستطيع فيه أن أصفي حسابي مع هؤلاء الناس إلى الأبد".

الخميس 4 فبراير: الأربعاء الماضي بذل السفير البريطاني قصارى جهده لتحطيم معنوياتي بادعاء أننا لا نملك فرصة لإخضاع العراق، فالعراق نمر، فهل تعتقد بأنك قادر على ركوب نمر، وحتى لو تصورت ذلك فإن النمر سينتصر في النهاية ويركبك. فقلت له "إن الشاه ليس فقط قادر على ركوب النمور ولكن أيضا ركوب الحمير".

الخميس 18 مايو: وصلت غولدا مائير بطائرتها الساعة السابعة صباحا، وقال لي (الشاه): هذه المرأة لديها قوة تحمل هائلة. استقبلها ساعتين ونصف ثم رجعت إلى المطار لتطير إلى إسرائيل مرة أخرى. (كانت إيران حريصة على ألا تعادي العرب، ولذلك كانت تتحاشى أي نشر في الصحف بخصوص الاتصالات ذات المستوى العالي بإسرائيل).

من كل هذا يتبين أن إيران ليست نظامَ حكم ٍ عابرا في حياة الأمة أخطأ فتعمد أن يسيء إلى جيرانه العرب أو يحتقرهم أو يطمع في أراضيهم وثرواتهم لتهون القضية، بل هي أمة فارسية كبرى، مع استثناء قليل مكن مكوناتها، لم يستطع الإسلام عبر تاريخه الطويل أن يمحو من قلوب جمهرة واسعة من أبنائها هذه النعرة العنصرية الفارسية الحاقدة على العرب.

بالمقابل ليس بين العرب، حكاما أو شعوبا، من يتطلع إلى معاداة إيران أو تخريب حياتها السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية، وجعل العلاقة مه جماهيرها علاقة احتراب واستعمار واستغلال واستعداء، بل إن من مصلحة الجميع أن تظل شؤون كل دولة من اختصاص شعبها وحده، دون تدخل من أحد، ودون محاولة أحد تصديرَ نظامه السياسي أو الطائفي إلى أحد. وهذا ما فعلته تركيا الحديثة، بالتمام والكمال.

وقد تعمق هذا السلوك العقلاني الوسطي أكثر في المجتمع التركي على أيام حزب العدالة والتنمية، وصار لتركيا حضورٌ كاسح ومطلوب ومحبوب ومحترم في كل أرض وفي كل هواء في المنطقة كلها، دون مشاكسات ولا مؤامرات، ولا زراعة طوابير خامسة وخلايا مخابراتية إرهابية في هذه الدولة أو تلك من دول الإقليم، بل بالتفاهم والتعاون والتناغم، اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا كذلك.

ففي أحلك أيام جيرانها العرب والإيرانيين كانت تركيا تحافظ على شعرة معاوية بين حكومات الدول والشعوب، على حد سواء. فطيلة سنوات الحصار الاقتصادي الذي فرضه العالم على نظام صدام حسين واصلت تجارتها مع الشعب العراقي، لفائدة تجارها ولتنمية اقتصادها وخدمة أشقائها العراقيين في الوقت نفسه.

وفي حالة العقوبات الدولية لنظام أحمدي نجاد لم تقطع تركيا تجارتها المشروعة مع إيران، بل زادت وتيرتها لخدمة الطرفين. لم تقف تركيا موقفا معارضا، بتطرف، للمشروع الإيراني النووي، بل اختارت الموقف الوسطي العقلاني القادر على ممارسة الضغط على النظام وتخفيف اندفاعه وعنجهيته.

وحيت تقرر غزو العراق لإسقاط نظام صدام حسين لم تسمح تركيا العدالة والتنمية للقوات الأميركية باستخدام أراضيها في هذه المهمة.

وتركيا في القضية الفلسطينية كانت أصدق وأخلص من جميع العرب وأكثر جرأة في كسر غرور القوة الإسرائيلي في حالات عديدة، عكس إيران التي تُجعجع بالقضية الفلسطينية والمقاومة كثيرا ولا يرى منها أحدٌ طحنا حقيقيا، على امتداد عشرات السنين. جميع تحركات إيران في الدول العربية انتهازية وتخريبية وتحريضية و"تشييعية". أما تحركات حزب العدالة والتنمية فتوفيقية توحيدية اسثمارية إعمارية، دون جدال.

تركيا كانت أعقل من إيران في التعامل مع القضية العراقية. لم تلجأ لتخريب العراق، ولم ترسل الإرهابيين والمفخخات لفرض نفوذ وكلائها العراقيين، ولإبطال إعلان دولة كردية محتملة في شمال العراق، ولمنع القيادة الكردية من انتزاع كركوك التي وصفها جلال طالباني بأنها قدس الأكراد ناسيا أنه رئيس للدولة العراقية وليس رئيس حزب الاتحاد الكردستاني وحده. بل احتضنت كردستان، بحنكة وروية وذكاء. وهاهي آلاف الشركات التركية تمسك بشرايين الاقتصاد والإعمار والبنية التحتية في أربيل والسليمانة ودهوك، الأمر الذي خدم اقتصادها أولا، وجعل القيادة الكردية تعد لا للعشرة فقط بل للمئة قبل المضي أكثر في مجارات مشاعر القوميين الأكراد العراقيين الانفصالية، وخصوصا فيما يتعلق بكركوك وبالتركمان.

وفي أحداث تونس ومصر سارعت تركيا إلى الانحياز للجماهير، وطالبت نظامي حسني مبارك وزين العابدين بن علي بسرعة الاستجابة للمنتفضين، وإجراء الإصلاحات اللازمة قبل فوات الأوان، ثم فات الأوان.

والعلاقة السورية التركية قفزت فجأة من نذر الحرب قبل عدة سنوات إلى فتح الحدود وإلغاء التأشيرات وتوقيع أكثر من عشرين اتفاقية، الأمر الذي جعل تركيا الدولة الأكثر قدرة على نصح بشار الأسد بالتخلي عن خيار العنف وبسرعة إجراء الإصلاحات اللازمة وقبل فوات الأوان، أيضا، إلى أن فات الأوان، مع الأسف الشديد.

حزب العدالة والتنمية لم يعمد إلى قمع القوى المعارضة التركية بالدبابات والمدافع، ولم يفرض الإقامة الجبرية على خصومه السياسيين، ولا إلى فرض قناعاته الدينية والطائفية بالقوة على المواطنين، كما فعلت سلطات دولة الولي الفقيه في إيران، وأحزاب الإسلام السياسي العراقية الحاكمة، في بغداد وبعض محافظات الجنوب، بل ظلت الحرية الشخصية في تركيا مضمونة ومحترمة، وجميعُ حقوق الإنسان التركي محمية ً ومقدسة، ولا شيء يأتي إلا بإقناع المواطنين بالديمقراطية وبالحوار.

ولعل أهم إنجازات حزب العدالة والتنمية أنه استطاع، بحنكة وحكمة، أن يجعل علمانية المجتمع التركي المتوارثة معتدلة ودون تطرف وغلواء. بعبار أخرى، لقد قام بتهذيبها، جاعلا منها علمانية منسجمة مع الإسلام، ثم جعل الإسلام متصالحا مع العلمانية. وفي ظل حكم العدالة والتنمية العقائدي الإسلامي صار صندوق الاقتراع وحده الحكم الوحيد بين الجميع، حاكما كان أو محكوما. ولعل أكبر منافعه على الإطلاق أنه أعاد الجيش التركي إلى ثكناته، تاركا السياسة للسياسيين، والعسكر للعسكريين. لا خاط بين هذا ولا ذاك.

وأمس قالت وكالة رويترز إن آخر استطلاع للرأي توقع أن يفوز حزب العدالة والتنمية بثالث ولاية له على التوالي في تركيا في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي تجري في 12 يونيو /حزيران.

فقد أجرت مؤسسة "جينار" لاستطلاعات الرأي المسح في الفترة من 13 الى 27 ابريل/ نيسان، ونشرت النتائج في صحيفة صباح مظهرة ان الحزب الحاكم سيفوز بنسبة 48.7 في المئة من الاصوات، أعلى من نسبة 46.6 في المئة التي سجلها في انتخابات عام 2007.

وتتفق نتائج استطلاع جينار مع استطلاع اجرته مؤسسة "متروبول" ونشرت نتائجه في 25 ابريل/نيسان في نفس الصحيفة، وأظهرت أن نسبة تأييد الحزب بين 47 و50 في المئة.

ويعود السبب إلى أن حزب العدالة والتنمية قاد فترة رخاء غير مسبوقة في تركيا، بعدما ورث اقتصادا مضطربا، عقب الازمة المالية في عامي 2000 و2001. وهذا يعني أن مؤامرات القوميين الأتراك المتطرفين فشلت في إضعاف قوة حزب العدالة والتنمية، طالما أنه حقق لتركيا اقتصادا مزدهرا، وتنمية اجتماعية تخطت التوقعات، ولجم التضخم والعجز في ميزان المدفوعات، وقفز بالناتج القومي الإجمالي بين عامي 2002- 2008 من 300 مليار دولار إلى 750 مليار دولار، وبدخل المواطن خلال تلك الأعوام من 3300 دولار إلى 10.000 دولار.

لو كنت أضع قبعة على رأسي لرفعتها احتراما وتبجيلا لهذا الحزب الإسلامي العظيم ولزعيميه الوطنييْن الكبيرين، عبدالله غول والطيب أردغان. فلن يلومني أحد على ذلك بعد كل الذي رويته في هذا المقال؟

إبراهيم الزبيدي