الإسلام السياسي: التناقض والتخلف

تطبيق الشريعة إذا عدل عنه الإسلام السياسي فقد هويته!

تنتعش، هذه الأيام، موجة واسعة من رفض أنموذج الإسلام السياسي في المنطقة بأكملها، بعد أن فشل، بسائر بأشكاله، في التعايش مع قيم المدنية، والحريات العامة، وحقوق الإنسان الأساسية. سقط الإخوان في مصر بسبب عجزهم عن تأسيس دولة مدنية، مبتنية على أساس النظام المؤسساتي، وليس الشريعة الإسلامية، في قراءتها السلفية الأخوانية.

وقد أظهرت احتجاجات تركيا الواسعة زيف الأنموذج المعتدل للإسلام السياسي، وأن هذا الكيان، بأشكاله المختلفة، لن يستطيع أن يطبق النظام المدني، لوجود تناقضات منطقية في مبادئه الفكرية. وقد أجهض الإسلامويون مشروع الثورة السورية، التي كان من المفروض أن تطالب بالديمقراطية، وليس بالاستبداد الديني، مقابل نوع آخر من الاستبداد القائم على أساس العصبية القومية والحزبية. وفي الجانب الإيراني، الفوز الساحق للمرشح الإصلاحي، حسن روحاني، حمل في دلالاته وجود قوى مدنية قوية في إيران، بإمكانها الضغط على النظام الديني وتحميل إرادتها عليه.

عراقياً، أثارت الحملة الهمجية على المقاهي، والبارات، والمحلات الأخرى، رداً قوياً من القوى والنخب المدنية العراقية، ما أدى بمجلس محافظة بغداد والحكومة العراقية إلى أن تتفاعل، إيجابياً، مع ما حدث وتعمد إلى بعض المواقف التصحيحية. هذا يبرهن على أن المدنية ما زالت حية في العراق، وأن بإمكانها أن تؤثر في الوضع العراقي، وأن الأنموذج العراقي للإسلام السياسي ليس له مستقبل، هنا أيضاً، للأسباب نفسها التي أطاحت به في الدول الأخرى، وليس العراق، مجتمعياً، على خلاف مع جواره الإقليمي في هذه النقطة.

التجربة التي عاشتها تلك المجتمعات مع الإسلام السياسي برهنت على أنه ليست هناك علاقة بين هذا الأنموذج للحكم والديانة من حيث هي خيار شخصي لكل فرد ومجتمع، فعلى الرغم من أن الكثيرين أقبلوا، سابقاً، على الإسلام السياسي، رغبة لنصرة دينهم، أو خوفاً من العقوبة في حال خذلانهم له؛ ظهرت الحقيقة، بالتدريج، بأن هذا الأنموذج يناقض مبادئه الدينية، وأنه حتى المؤسسات والمرجعيات الدينية للمذاهب الإسلامية ترفضه رفضاً قاطعاً، فقد كان شيخ الأزهر جالساً مع بابا الأقباط إلى جانب الفريق عبد الفتاح السيسي حين أعلن عزل الرئيس محمد مرسي، الإسلامي، عن السلطة. وترك أحمدي نجاد لترك السلطة، وهو غير مرغوب فيه من مراجع قم والنجف، الذين امتنعوا، في كلتا المدينتين، عن اللقاء به حين زيارته لهما.

استغلت أحزاب الإسلام السياسي شعار تطبيق الشريعة بوصفه حلاً لمشاكل شعوبها. لكن، تبين أن هذا الشعار لم يكن سوى ذريعة لاستقطاب أصوات المتدينين والمحرومين للوصول إلى السلطة، ومن ثم، تطبيق ولايتهم اللامتناهية على جميع مفاصل الحياة المدنية. وقد أصبح واضحا أن حتى المؤسسات والمرجعيات الدينية التقليدية غير راضية عن الإسلام السياسي وغير طامحة لتطبيق الشريعة.

عراقياً، لم تطالب الشخصيات الدينية السنية التقليدية، ذات النزعة الصوفية، بتطبيق الشريعة في النظام السياسي، في تأريخ العراق الحديث، ولم تظهر شعارات الإسلام السياسي قبل ظهور الحركة الإخوانية في العراق في منتصف القرن المنصرم. وفي الجانب الشيعي، أيضاً، لم تطالب النجف، أبداً، بتطبيق الشريعة، بل هي ترى تطبيقها من اختصاصات الإمام المعصوم، وليس غيره على الإطلاق. وعليه، لم تناد بتطبيق الشريعة سوى أحزاب الإسلام السياسي، بدءاً من حزب الدعوة، منطلقة أساسا من مبادئ الفكر الإخواني السلفي، المرفوض من كبار مراجع النجف.

للمزيد من التأكيد على أن الغالبية الساحقة من علماء الشيعة تخالف تطبيق الحدود الشرعية في زماننا هذا، أنقل نصين من أشهر مراجع الشيعة في إيران والعراق، هذا السيد أحمد الخوانساري يقول، في كتابه (جامع المدارك): "أما إقامة الحدود في غير زمان الحضور وزمان الغيبة فالمعروف عدم جوازها وادعي الإجماع في كلام جماعة على عدم الجواز إلا للإمام عليه السلام".

وهذا السيد أبو القاسم الخوئي يفتي، بصراحة: "أنّ الفقيه ليس كالإمام (عليه السلام) في وجوب الإطاعة إلاّ في تبليغ الأحكام فيما إذا كان واجداً لشرائط المرجعية والتقليد [. . .] فإنّ إجراء كل أحد الحدّ على كل أحد غير جائز قطعاً بل لابدّ في أمثال ذلك من أن تصدر تلك الأفعال والتصرفات بإجازة الإمام". وقد صرّح السيد السيستاني، أكثر من مرة، بأنه من المطالبين بدولة مدنية في العراق، وليس له أي طموح سياسي شيعي يطالب بتطبيق أحكام دينية محددة. ومن أراد التفصيل فليراجع كتابي المتحدث الرسمي باسم السيد السيستاني، حامد الحفاف، (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني) و(الرحلة العلاجية لسماحة السيد السيستاني وأزمة النجف).

إذن، كيف يقوم عدد من الجهلة والمتخلفين بمحاولة التضييق على الحريات العامة في إغلاق المقاهي وقتل بائعي المحلات المرخصة قانونياً لبيع المشروبات الروحية؟ ومرجعيات الشيعة تؤكد على عدم صلاحية الحكومة أو أي شخص آخر في تطبيق الشريعة، وأنها من اختصاصات الإمام المعصوم الغائب، ولماذا لم تهتم هذه الجماعات، غير المتمدنة، بما يحدث من انتهاكات للإنسان العراقي يومياً؟ ولماذا يتركون شؤوناً أكثر ارتباط بالأخلاق العامة والحياة الاجتماعية؟ هناك قائمة طويلة من الجوانب المهملة، المرتبطة بالأخلاق العامة، في حين أن الجماعة ينشغلون بسوء استعمال سلطتهم المزيفة لمحو ما تبقى من الحياة المدنية في العراق، باسم حماية الأخلاق والآداب الاجتماعية.

لماذا لا يهتم هؤلاء بتطبيق قوانين صارمة تمنع وتعاقب زواج الأطفال القاصرين، المنتشر في العراق، وهو حرام، دينياً وأخلاقياً،ً حيث البنت ليست رشيدة، وغالباً لا يُطلب رأيها في الأمر؟ ولماذا لا توجد قوانين واضحة تُطبق، بصرامة، ضدّ جريمة الشرف المنتشرة في العراق؟ وكم من بريئات قتلت بدم بارد، ومن دون أية مؤاخذة بهذه الحجج البدوية المتوحشة؟

ولماذا لا تقوم الحكومة المتخلقة بحماية الفتيات من استغلالهم في تجارة الجنس، المنتشرة في البلاد، وهو أمر ممنوع في الدول الغربية، الفاسدة بتصور هؤلاء؟ ولماذا لا توجد أية إجراءات قانونية لمنع السياقة في حال استعمال المشروبات الكحولية، وهو أمر يطبق، بشدة بالغة، في الدول الغربية؟

وكيف أصبح هؤلاء المتظاهرون بالتدين دعاة للأخلاق والآداب الاجتماعية، وهم منحدرون في الفساد بكل أشكاله؟ وهل هناك أنموذج مشرِّف لمجتمع أخلاقي في الدول الخاضعة لجماعات الإسلام السياسي كي نقتدي به ونحذو حذوه؟ ها هي إيران تعاني من تصاعد الإصابة بمرض ضعف المناعة المكتسب (الإيدز)، إذ تجاوز عدد المصابين والمصابات به مئة ألف نفر على مستوى البلد، ومعدل سرعة انتشاره في إيران تبلغ ثلاثة أضعاف المعدلات العالمية العامة. وتلك السعودية تتصدر قوائم انتهاكات حقوق الإنسان عالمياً، فما هي الجنة التي تؤملنا به الجماعات المنادية بحماية الأخلاق العامة والآداب الاجتماعية؟

علي المعموري

كاتب عراقي