الإسلاميين في مصر: طريق العنف مسدود

فرضية الجهاد ربطت بالعنف المدني!

اختلفت خبرة الجماعات الإسلامية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، عن إرهاب الألفية الثالثة الذي بدء مع اعتداءات 11 سبتمبر، وأصاب بلدان عديدة كبريطانيا وأسبانيا وتركيا ومصر والمغرب وغيرها. هذا الإرهاب الجديد اختلف في طبيعته وأهدافه عن العنف الجهادي الذي مارس إرهابا في السبعينيات والثمانينيات، بصورة تجعل من فرص تأثير مراجعات الشيخ سيد إمام على خلايا القاعدة أمرا شديد الصعوبة.

فحين ظهر تنظيما الجهاد والجماعة الإسلامية بصورة مكتملة في السبعينيات، كان لكل منهما مشروع عقائدي وسياسي استند على أسس فقهية وتفسيرات دينية خاصة، كفروا على أساسها السلطة الحاكمة، وطالبوا بمحاربتها، وتبني قادة تنظيم الجهاد خطاب عقائدي يدعوا إلي قتال الحاكم الذي لا يطبق شرع الله، وكذلك فعل تنظيم الجماعة الإسلامية الذي قدم وثيقته الشهيرة "ميثاق العمل الإسلامي"، وتبني نفس التوجه بصورة أكثر "جماهيرية" من تنظيم الجهاد "النخبوي" والأكثر عقائدية وصرامة.

وقام كلا التنظيمين بتجنيد آلاف العناصر في بنية تنظيمية محكمه، يقودها مستوي قيادي مركزي في كثير من الأحيان، وعناصر وسيطة وقواعد منتشرة في كل المحافظات والمدن المصرية، وتم تكوينهم عقائديا من أجل خوض مواجهة مسلحة مع كل أعدائهم من الأقباط ورجال الدولة والعلمانيين وأجهزة الأمن، بالإضافة إلي الأبرياء من المواطنين العاديين الذين سقطوا ضحية هذا العنف الآثم.

وكتب الشيخ سيد إمام نفسه كتاب "العمدة في إعداد العدة: الجهاد في سبيل الله" في نهاية الثمانينيات أثناء وجوده في أفغانستان، ونشر بعدها ببضع سنوات كتابة الهائل الذي زاد عن ألف صفحة وهو " الجامع في طلب العلم الشريف"، وقدم الرجل رؤيته الفقهية للعنف الجهادي وحث على الخروج على الحاكم، وقدم إطار فقهيا يبرر العنف دون أن يتخلي عن بعض ضوابطه التي اعتبرها شرعية.

وسيتضح من أي نظرة إلى عناصر الجهاد في تلك الفترة، أنهم شباب تكونوا دينيا وعقائديا على مجموعة من الكتب والتفسيرات شديدة العمق والانحراف أيضا بلغ بعضها 1500 صفحة بخلاف عشرات الكتب الأخرى ومئات النشرات التنظيمية، وأجروا تدريبات بدنية وإعداد نفسي وديني هائل قبل ممارسة العنف استمر لعدة سنوات، واعتبر كثير منهم أن اغتيال الرئيس السادات عام 1981، كان تسرعا أجهض حلمهم في "الانقلاب الإسلامي" على النظام القائم.

وجاء عقد التسعينيات من القرن الماضي ليشهد العالم العربي ساحة مواجهة أخري أكثر عنفا ودموية من نظيرتها المصرية، حين قامت الجماعة الإسلامية المسلحة "بمعركة محلية " في الجزائر من أجل إسقاط نظام الحكم القائم، وشهدت البلاد ما يشبه الحرب الأهلية غير المعلنة وحدثت جرائم عنف وعنف مضاد راح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب الجزائري.

وخسرت الجماعات المسلحة هي الأخرى معركتها ضد النظام القائم(نظام مبارك)، وبدا فشل جماعات العنف الديني في معركتها ضد النظام المصري والجزائري بداية تحول حقيقي لهذه الجماعات نحو قتال العدو البعيد أي الغرب متمثلا في الولايات المتحدة وحلفائها.

هذا القتال الذي اختلف في وسائلة وأهدافه عن القتال المحلي الذي خاضته هذه القوي من زاوية انه كان هدف سياسي محدد سعت إليه هذه الجماعات وهو إسقاط النظم القائمة، ولكن من الصعب اعتبار أن الصيغة الثانية أو الجديدة للخلايا الجهادية المتعولمة تهدف بعملياتها الإرهابية إلي إسقاط النظام الأمريكي أو البريطاني أو الإسباني إنما تهدف إلي الانتقام منه والعمل على إيذائه والضغط عليه لتغير سياسته تجاه المنطقة، وهو أمر يختلف اختلافا كبيرا عن الهدف المحلي المحتمل الذي قامت على أساسه هذه الجماعات سابقا،وهو إسقاط النظم الحاكمة في البلدان العربية، الأمر الذي استلزم بناء تنظيم عقائدي محكم العضوية محدد الأهداف، على عكس الحالة الانتقامية الجديدة التي خلقت خلايا نائمة وأخري شبه نائمة لا رابط تنظيمي محكم بينها ولا تعرفها أجهزة الأمن المحلية والعالمية.

ويمكن اعتبار عام 1998 الذي أعلن فيه جناح أيمن الظواهري في تنظيم الجهاد انضمامه إلي تنظيم القاعدة وتشكيل ما عرف " بالجبهة العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين "، البداية العملية لتحول تنظيمات الجهاد المحلية من محاربة " العدو القريب " المتمثل في النظم القائمة، إلي محاربة العدو البعيد أي الغرب "الصليبي" و "اليهودي".

ومن هنا فأن مراجعات الشيخ سيد إمام الشريف ستؤثر على من مارسوا العنف عبر المرور بخبرة التنظيمات الجهادية الكبرى المحلية، أي الذين امتلكوا مشروع عقائدي يستهدف قلب النظم القائمة بالعنف، كحالة الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر، وما تبقي من الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، ومن تنظيم القاعدة في السعودية واليمن، وهي أشكال لا تعبر عن الصورة الغالبة من جماعات العنف الفردي والعشوائي.

أما الخلايا النائمة وشبة النائمة لما تبقي من "حالة القاعدة" في العالم، وخلايا العنف في العراق وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فهي بالتأكيد لن تتأثر بهذه المراجعات، لأنها من ناحية لا تمتلك عمق التكوين العقائدي نفسه لعناصر الجهاد، كما أنها من ناحية أخري لا تستهدف قلب نظم الحكم القائمة كما حاولت التنظيمات الجهادية في مصر والجزائر، فلا أحد يمكن أن يقول أن الـ 16 شخصاً الذين قاموا باعتداءات نيويورك الإرهابية كانوا يستهدفون في نهاية المطاف تغيير النظام السياسي الأمريكي، والأمر نفسه ينسحب على اعتداءات مدريد ولندن وسيناء وميدان عبد المنعم رياض ثم أخيرا حادث الحسين في شهر فبراير الماضي 2009، وكل الاعتداءات التي أعقبت عملية الدار البيضاء الكبرى في المغرب عام 2003، فالغرض كان الانتقام من هذه الدول وليس تغيير الحكم فيها.

الدين وفلسطين لافتتان مغريتان!

لقد تغير شكل الإرهاب ودوافعه مع تلك الحوادث الجديدة، فهو أولا يغلب عليه الطابع الفردي لأشخاص لا ينتمون إلي أي من التنظيمات الجهادية الكبرى، وليس لهم أي رغبة أو حتى حرص على صياغة مشروع فكري أو عقائدي يوضح الهدف النهائي من ممارسة هذا العنف، وهم لا يتحملون البقاء في تنظيم محكم بهيراركية صارمة ويقوده أمير يؤمر فيطاع، وشاهدنا مؤخرا عملية انتقال من مرحة "الفكر الجهادي" إلي عصر "الفعل الجهادي"، وأصبح "الجهاد" في الحالة الجديدة "مهمة فردية" تمثل نوع من الخلاص الفردي الذي يصنع ـ أو ويبرر ـ حادثة فردية، ولا يحمل أي رؤية جماعية أو مشاريع عامة لتغيير المجتمع أو إسقاط النظام، كما فعل أعضاء التنظيمات الجهادية في الثمانينيات، كما أن التكوين "العقائدي" لهذه العناصر الجديدة يتم عادة عبر الإنترنت وعبر ثنائيات مبسطة وسطحية تختلف كثيرا عن لغة الشيخ سيد إمام في كتبه الجهادية الأولي وفي مراجعاته الجهادية الثانية التي تتسم بالعمق.

المؤكد أن هذا الشباب المتناثر الذي يلهمه "نموذج القاعدة"، بعد تفكك التنظيم، كان سيقوم بعملياته الإرهابية، حتى لو كان أصدر الشيخ سيد إمام فتواه منذ خمس سنوات، فخلية لندن التي لم تتجاوز 5 أشخاص، لن تكون قادرة على فهم ماكتبه الشيخ سيد إمام، لأن المحرك الأول وراء فعلهم العنيف هو الواقع الاجتماعي والسياسي والدولي المحبط، ثم بعد ذلك يجري تغليفه بمبررات جهادية تجعل موتهم طريق إلي الجنة.

ولنا أن نتخيل حجم سوء الواقع الاجتماعي والسياسي، حين يقدم بعض هؤلاء الشباب على عمليات انتحارية في العراق أو غيرها بعد فترة إعداد ـ فردي أو عبر أفراد محدودين ـ لا تتجاوز في بعض الأحيان الشهرين، في حين إنه كان يجري في السبعينيات إعداد كادر الجهاد بدنيا ونفسيا لسنوات، وعقائديا عبر قراءة كتب وتفسيرات دينية بآلاف الصفحات، حتى يكون قادراً على حمل السلاح لا القيام بعمليات انتحارية.

ولعل حادثة الحسين الأخيرة في القاهرة والتي جرت بعد مراجعات الشيخ سيد فضل، تدل على استحالة أن تؤثر هذه المراجعات على "جهاد العملية الواحدة" الذي يقوم به شباب "هاوى" لم ينتم إلي أي جماعة تنظيمية جهادية، يعيش حالة إحباط اجتماعي وسياسي، ويتوقف حدود فكرة "الاستراتيجي" عند القيام بعملية إرهابية يسقط فيها أبرياء، ولا يعرف ما لعمل أو ما لهدف بعد هذه العملية.

من المؤكد أن مراجعات سيد إمام صادقة وتاريخية، ولكنها لن تؤثر في الجيل الثاني من العناصر الإرهابية المتعولمة، ولا الجيل الثالث من شباب العنف الفردي والعشوائي الذي شهدناه مؤخرا في القاهرة. لأنها كتبت وهي متصورة أن الزمن قد توقف عند نقطة إعلان الجهاد منذ أكثر من ربع قرن، وبالتالي هي تتصور أن من يمارس العنف الآن له نفس الخبرة الاجتماعية والتكوين النفسي والسياسي للجيل الجهادي الأول، ولا تعرف أن الأجيال الجديدة لا يعرف أحد شيئا عنها، ولا تعيش في ظل تنظيمات كبري، ولا تقرأ من الأساس كتبا حتى تفهم كتاب الشيخ فضل الذي تجاوز الألف صفحة، ولا مراجعاته التي تجاوزت المائة صفحة.