الإسلاميون والحكم الديمقراطي: تساؤلات جدلية ما بعد الربيع العربي

بقلم: د. مفيد الزيدي

هل تؤمن الحركات الاسلامية بالديمقراطية حقيقة ام تعتبرها مجرد تكتيك ووسيلة لاكتساب الشرعية حتى تبلغ الحركة درجة التمكن ثم تنقلب عليها؟

من هذا السؤال الجوهري تطرح الان اهم قضية في الواقع العربي وهي الديمقراطية بعد ان اخذ التيار الاسلامي بالصعود في اكثر من مكان في البلاد العربية،بعد الربيع العربي والثورات الشعبية التي امتدت من تونس ومصر الى ليبيا واليمن وسوريا، ومن ثم اصبحت الدعوة للممارسة الديمقراطية في الحكم اكثر حضورا ونشاطا لدى التيار الاسلامي في البلاد العربية في المجال السياسي.

وهذا ادى الى ظهور مناقشات وحوارات بين التيارات الفكرية مع الاسلاميين في قضايا عدة، اهمها موقف الاسلاميين من الديمقراطية وحرية التداول السلمي للحكم واقامة المجتمع المدني وتوفير الحريات العامة للناس. وهذا ما دفع التيار الاسلامي الى اللجوء الى الاصول الدينية في محاولة لربط كثير من المفاهيم الديمقراطية بجذور الفكر الاسلامي ،وحاول بعض المفكرين الاسلاميين التوصل الى الاراء التوفيقية باستخدام منهج القياس من اجل معالجة قضايا تخص الديمقراطية تثار الآن في الواقع العربي مثل حقوق الانسان ووسائل الديمقراطية والسلطة والتعددية والحزبية وغيرها.

ان ظاهرة الاسلام السياسي انتشرت في البلاد العربية في السنوات الاخيرة في الاجواء السياسية والاجتماعية والثقافية التي افرزها الواقع العربي، حيث احتضنته الحركات الاسلامية وبروز الظاهرة الاسلامية، وطرح تساؤل هل تتمكن الحركات الاسلامية من معايشة الحداثة والمعاصرة ومواجهة تحدي الاخر والتوفيق بين الذات والاخر، ومدى قدرة الخصوصية الاسلامية على التعايش مع العصر وافرازاته المتجددة، وموقفها من الديمقراطية كفلسفة للحياة وفكرة للتطبيق العملي في المجتمعات العربية المعاصرة؟

ان الحركات الاسلامية تطرح الان نفسها كمشروع حضاري جديد وبديل عن الانظمة القومية والليبرالية والديكتاتورية بشكل خاص التي شهدها الواقع السياسي العربي طوال العقود الخمسة الماضية، ولكن يبدو هناك ادراك بات يتجسد يوما بعد اخر لدى التيار الاسلامي بان اي مشروع حضاري لا تكون الديمقراطية ركيزته الاساس سيكون الفشل مصيره، وبدأت الاحزاب الاسلامية بعد الربيع العربي تخوض الانتخابات وتشارك بالعملية الديمقراطية وتعمل على تغيير تسميات احزابها وخاصة جماعة الاخوان المسلمين في تونس ومصر وليبيا حيث تجسد ذلك بشكل خاص في اعرق واكبر جماعة للاخوان في مصر بظهور حزب جديد (الحرية والعدالة) فاز بالانتخابات البرلمانية الاخيرة بالاغلبية وتسلم رئاسة مجلس الشعب المصري.

ورغم حالة التفاؤل في التعاطي الديمقراطي حاليا عند الاسلاميين بعد احداث الربيع العربي الا ان السؤال المطروح بما ان الخطاب الديمقراطي هو جديد على الاسلاميين فهل لديهم فرصة ان يكونوا ديمقراطيين بحق بكل ماف ي هذه الكلمة من معنى؟ وهل تتحقق الديمقراطية الحقيقية على ايدي الاسلاميين بعد عقود طويلة من الحكم الديكتاتوري شهدتها البلاد العربية من المغرب الى المشرق العربيين؟

ان الاستنتاجات التي نتوصل اليها في هذا البحث ان التيار الاسلامي في البلاد العربية يتعرض الان لتحديات خارجية عدة تفرض عليه ان يتكيف وينسجم بقدر او باخر مع التغيرات العربية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ثم ان الحركات الاسلامية اصبحت تتأثر بمرور الوقت بالديمقراطية ولايمكن لها ان تتجاهل افكارها لانها باتت تنتشر بين النخب المثقفة والشباب ومنظمات المجتمع المدني واساتذة الجامعات، ودخلت الان في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في الدول التي شهدت التغيير العربي، وهذا ماجعل الحركات والاحزاب الاسلامية تخوض بحق الممارسة الديمقراطية بكل اشكالها واصبحت الديمقراطية تتحول من لفظ ومدلول سياسي الى ممارسة حقيقية في الواقع السياسي العربي الراهن. وبات الطريق مفتوحا امام القيادات الاسلامية والحركات الاسلامية بالعمل الديمقراطي العلني والحر وان تعبر عن نفسها وايمانها بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والقبول بالرأي والرأي الآخر كأولوية في الاسلام السياسي مع ممارسة النقد الذاتي للحركات الاسلامية.

ويطرح تساؤل هل يريد الاسلاميون الديمقراطية لهم ويرفضون حق الاخرين فيها؟ وهل سيقبلون بتسليم السلطة عندما تنتهي مدة حكمهم سواء في البرلمانات او عندما يتولوا حكم الرئاسة في بلد ما في البلاد العربية؟ تلك تساؤلات ستجيب عليها الايام في الدول العربية التي تسلم الاسلاميون فيها مقاليد الحكم سواء في تونس ثم مصر وربما سنراهم في ليبيا واماكن اخرى، لكني اعتقد ان الاهم في كل ذلك هو تغير العقلية الاسلامية تجاه الديمقراطية من التنظيرية القائمة على النصوص الدينية الى ممارسة الواقع السياسي المعاصر والقبول باللعبة الديمقراطية والاحتكام الى صناديق الانتخابات ورأي الشعب وهي خطوة برأيي مهمة على طريق التعددية والديمقراطية والحريات العامة والقبول بالراي الاخر والتعايش السلمي مع الاخر تتبعها الان الحركات والاحزاب الاسلامية في بعض الدول العربية التي شهدت رياح التغيير وهبوب الربيع العربي.

د. مفيد الزيدي