الإسلاميون ... دونوا الشريعة أولاً

قوانين لا وجود لها إلا في أذهان الفقهاء

من الغريب أن أهم كلمتين جاء بهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانتا: قرأ، وكتب. ومن الغريب أيضا أن المسلمين الذين خلفوه نسوا هاتين الكلمتين، فباتت "اقرأ" لا تعني في قاموس المسلمين إلا تلفظ وتلا وجهر بصوته، فيما كانت تعني وقت نزول القرآن: فكر، فسر، نظر، دقق، تدبر، فهم. والفعل إقرأ بمقاربة بسيطة للقواميس الإنكليزية لا يزال يعني: فهم المتكوب (Read: Understand writing)، فكيف تحول هذا الفعل الجوهري ـ الذي اشتق منه اسم كتاب الله القرآن ـ إلى فعل هامشي؟ الأمر يحتاج إلى حديث أطول.

الفعل الجوهري الثاني في قاموس المسلمين هو: كتب، ومنه اشتق اسم كتابهم المجيد (كتاب الله ـ يعلمهم الكتاب والحكمة)، التي تعني التدوين. وقد دعا النبي محمد (ص) المسلمين للتدوين والكتابة صباحَ مساء، وشدد على كتابة كل معلومة حتى لا تضيع، فجاء الحديث الشريف: (دونوا العلم بالكتاب). هذا إلى ما جاء التأكيد القرآني عليه في التعاملات المالية والعقود مهما كانت بسيطة (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق). إلا أنه ولأسباب يطول توضيحها منع التدوين في السنوات التي أعقبت وفاة النبي محمد (ص).

اليوم، وبعد أن خرج الكثير من المتطرفين المنسوبين إلى الإسلام من كهوفهم إلى الفضائيات، صاروا ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية. الواقع أنهم يجهلون تماما أن الشريعة الإسلامية التي يريدون تطبيقها لابد أن تدوَّن أولا، وأن يستفتى المختصون بالقانون رأيهم بمسودتها، ثم يستفتى الناس على تفاصيلها، وهو أمر لا أرى أن الاسلاميين اليوم قادرون عليه ولو لأربعة عشر قرنا مقبلة أخرى.

المثير للتساؤل أن الحركات الإسلامية التي وصلت في الخريف العربي إلى مسؤوليات إدارة الدولة في تونس ومصر وفي ليبيا وقبلها في العراق لم تفكر حتى اليوم بوضع الشريعة الإسلامية (النظرية) التي في الذهن موضع التدوين، وكأنها تريد أن تجعل مرجع الدستور مادة ذهنية في عقول الإسلاميين، وتريد أن تقول للمواطنين: لا أريد أن أضع أي مادة قانونية على الورق، وعليكم في كل خلاف أن تتقدموا شفاهيا أمام القاضي لينظر في مسائلكم، ويحكم نظريا عليكم بالعقوبة أو العفو!

المثير للمفارقة أيضا أن مصر اليوم، وتونس وليبيا والعراق لا تزال تعمل بالدساتير والتشريعات الليبرالية التي اقتبستها الأنظمة الديكتاتورية السابقة من الغرب، فحقوق المرأة، وحقوق العمال، وحقوق الاقليات الدينية، وغيرها من النظم لم يسهم المسلمون أي اسهام في إنضاجها أو تطويرها ناهيك عن اقتراحها لتكون واحدة من التعاملات الاكثر تحضرا في المجتمع.

على الإسلاميين اليوم، الحريصين على عدم تصوير الشريعة بأنها نكتة شفاهية، أن يعودوا إلى القرآن والسنة ويبدأوا تدوين كل تفاصيل الحياة ابتداءً من تشريعات النظافة وعقوبات من يشوه الطريق او الحائط، إلى قوانين الملكية وجباية الضرائب، وبيت مال المسلمين، وقوانين التحرش الجنسي في العمل، مرورا بعدد ساعات العمل، والإجازات المرضية، إلى قوانين الجنسية في البلد الإسلامي وقوانين اللجوء الديني (المؤاخاة) وغيرها من التشريعات التي لا طاقة لهم اليوم بانجازها إلا في عشرات السنين.

فهل سيقدم لنا الاسلاميون بعد الخريف مسودة (مكتوبة) للشريعة، أم أنهم سيظلون شفاهيين كما كان أسلافهم طيلة 14 قرنا، ويواصلون نشر فتاواهم الارتجالية على الانترنت وعلى الفضائيات التي تحولت إلى ساحة لا أخلاقية للتحريض الطائفي، الذي أبسط ما يقال عنه أنه الجانب الأبشع من تخلف هذه الشعوب وعجزها عن اتباع ما نادى به نبيها في عصر الرسالة.

ناصر الحجاج

نشر في العالم البغدادية