الإسكندرية تحتفي بقصص 'اسكيمو' الكرواتية

بقلم: منير عتيبة
لسنا من هنا

"كلاى كافيه".. كوفي شوب صغير أنيق على محطة ترام سبورتنج بالإسكندرية.
ليلة باردة من ليالي شهر يناير2009.
على هامش معرض الكتاب، حفل توقيع المجموعة القصصية "اسكيمو" للكاتب الكرواتى ضامير قراقاش (1)، ترجمة د. أسامة القفاش وإينس بابيتش.
كنت آخر الواصلين إلى الحفل. مجموعة من مثقفى الإسكندرية يتحلقون حول ضامير وأسامة، تجمعهم صفة واحدة، أنهم أصدقاء أسامة، جاءوا ليلتقوا به بعد سنوات الهجرة الطويلة إلى زغرب.
جلست، شعرت أن الزمن لم يجر كما كنت أظن، ربما ابيضت لحية أسامة، لكنه هو هو، النشاط والحيوية، وديكتاتورية المثقف الطفل عندما يتدلل على أصدقائه الذين يثق من حبهم له، والأصدقاء يناكفونه من المنطلق نفسه، فتتفجر الدعابات في المكان لتنال من الجميع، في جو لا يتكرر كثيرا.
ضامير قراقاش بدا لي شابا في أوائل الأربعينيات من عمره، أميل إلى الطول، لحيته قصيرة، يجلس واضعا ساقا على الأخرى، يستمع إلى ترجمة أسامة للأسئلة والتعليقات، ويجيب بالكرواتي، مع قليل من الفرنسية، وأسامة يترجم للحضور.
بدا لي ضامير مغرورا في بداية الجلسة، ثم اكتشفت أنه كشخصياته، طيب وضعيف تجاه عالم من الغرباء، فيضطر لأن يحيط نفسه بسياج من الغرور، أو البذاءة (في حالة شخصياته) كنوع من الحماية.
كنت قد قرأت مقدمة المترجم التي عنوانها "مقدمة ذاتية تحاول أن تكون موضوعية" قبل حضور حفل التوقيع، فقد أرسلها د. أسامة إليَّ بالإيميل، والتي ركزت على دور المترجم عندما يحاول أن يقدم نصا مكتوبا بلغة محلية إلى لغته، هل يلجأ للفصحى أم العامية أم هما معا؟
في الجلسة الحميمة بـ "كلاى كافيه" استطاع أصدقاء أسامة اكتشاف مدى تدخله في الترجمة، واعترف هو نفسه بأن دوره أكبر من مجرد مترجم، وعندما قرأت المجموعة تأكد لي أنها بصيغتها العربية تنتمي إلى أسامة بقدر ما تنتمي إلى ضامير. تنتمي لمن فيهما أكثر؟ لن أعرف أبدا، فليست لدى النية لتعلم الكرواتية.
وقع أسامة لكل منا إهداء باللغة العربية على نسخة من المجموعة، ورسم ضامير "اسكتش" لوجه ما في كل نسخة.
حركة غير مقصودة، لكنها عندى كانت ذات دلالة عفوية لتأكيد انتماء العمل لهما معا، فلم يكن أسامة مجرد ناقل، أو مترجم، أو حتى "ممصِّر" كما كان يحدث في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من تمصير للأعمال الأدبية والمسرحية الأجنبية. لكنه كان مبدعا مشاركا، وكانت مقدمته مجرد محاولة للفت نظرنا إلى قضية استخدام اللغة في الترجمة، حتى لا نفكر في الاحتمال الآخر، قضية تحول الترجمة إلى إبداع موازٍ، ليكون النص المترجم منتميا للنص الأصلي، ومستقلا عنه في الوقت ذاته.
في القصة الأولى والثانية نجد الشخصيات تتحدث بلهجة ريفية مصرية، وفي القصتين الثالثة والرابعة تتغير اللهجة لتكون من صعيد مصر، كان المترجم/المبدع المشارك يضع القارئ المصري في ذهنه وهو يعمل، لدرجة أن بعض الصيحات والتشبيهات لا أتصور أنها تصدر عن كاتب غير مصري، كأن تصيح شخصية في ص93 (يا عدوي) أو يشبه أحدهم نفسه عندما ذهب إلى ألمانيا بأنه (عرباوي) أي بدوي / أعرابي فى المدينة.
تشمل المجموعة أربع قصص عن المنسحقين، ليس بصفتهم منسحقين أو فقراء أو مهمشين، لكن بصفتهم من غير أهل المدينة، الغرباء الذين جاءوا من القرى البعيدة ليمسكوا الحلم في المدينة، فلا يجدون إلا سرابا شديد القسوة، وبذا تصبح المجموعة هجاءً متواصلا للمدينة التي لم تقض فقط على أحلام شخصيات القصص، بل شوهتهم من الداخل، حولتهم إلى نماذج للسلبية والضياع النفسي والمادي.
بداية من عنوان القصة الأولى "لسنا من هنا" يحدد الكاتب موضوعه الأساسي، المكان هو المدينة، والشخصيات غريبة ليست منها، لذلك تفعل المدينة فيها ما تفعله دائما بالغرباء.
تواجهك القسوة بداية من عنوان القصة، مرورا بالعلاقة المأزومة بين زوجين كارهين لحياتهما، لديهما ابن مريض، الزوج قروي أخذته نداهة الحلم إلى المدينة / المستقبل المبهر، فضاع (كنت هناك راجل.. وأنا هنا شرابة خرج.. ولا حاجة) (2) فيضع كل أحلامه في ابنه المريض، أملهما الوحيد، يحلم بالهجرة إلى السويد ليحقق للولد المستقبل الذي حلم به لنفسه. السويد التي لا يعرف عنها سوى اسمها، فقدانه لثقته بنفسه وبالعالم يجعله يحلم بما لن يحدث في مكان مجهول، وهو يسب زوجته طوال الوقت، مستخدما شتائم بذيئة تتصل بالأعضاء التناسلية لأمها، معظم شخصيات المجموعة تستخدم نفس الشتائم، وهي في رأيى ليست ذات دلالة ثقافية إشارية إلى انحطاط مستوى الحوار في هذه الطبقات، بقدر ما هي درع يستخدمه المطحونون لمواجهة العالم، ليوهموا أنفسهم بأنهم أقوياء.
يختفي الطفل، يبحثان عنه في كل مكان، لا يجدانه، تظن الزوجة أن عصابات خطف الأطفال قد أخذته لتحول جسده إلى قطع غيار يعالج بها الأغنياء في أماكن أخرى من العالم، يلقى الزوج عليها اللوم كله، تلوم نفسها أكثر، تشعر بأن حياتها لم تعد مهمة باختفاء الطفل / الحلم منها (اقتلني وريحني ماليش عازة فى الدنيا) (3).
يعثران على الطفل في الثلاجة، كان قد غافلهما واختبأ في الثلاجة القديمة، وشرب زجاجة كاملة. يحتضنان طفلهما، وقد عاد إليهما كطفلهما الحقيقى، وكحلم مشوه، حلم صغير ضعيف مريض مخمور، حلم لن يحدث أبدا، فلن يتغير حالهما أبدا.
"سأخبرك عندما نصل هناك" عنوان القصة الثانية، يرد على عنوان القصة الأولى، إنه محاولة للهروب من المدينة، الشخصية الرئيسية امرأة تعيش مع طفلتها في حمى صديق زوجها الراحل، الذي يؤجرها للعواجيز ليمارسوا معها رغباتهم غير المعقولة، عالمها محدود بـ "أبو طويلة" تحبه، وتعتقد أنه هو الشخص الذي يحميها من العالم، وهو مطارد من البوليس طوال الوقت، ويستغلها طوال الوقت، يأمرها بأن تجهز نفسها للهروب، فتنفذ طلبه، وعندما تسألها ابنتها (احنا رايحين فين يا ماما - رحلة - فين؟ - حقولك لما نوصل هناك) (4) هي نفسها لا تعرف، إنها فاقدة لإرادتها، في ظل شخص فاقد لحريته، في ظل مدينة تسحق كل إرادة وحرية. فحياة فقراء المدينة الوحل، ومصيرهم مجهول سواء بقوا فيها أم حاولوا الهروب.
نلتقي في قصة "نور في البيت" بالحلم نفسه، الحلم الذي تمثله القرية بما فيها من ذكريات جميلة، حلم لا يمكن أن يعود، والحلم الذي سحقته المدينة، حلم لا يمكن أن يتحقق، وبين الحلمين نرى "فردة" العجوز الذي يعيش مع زوجته، يعاني آلاما رهيبة في الظهر، لا يفلح علاج المستشفيات في شفائه، يعالجه مجبراتي بكاسات الهواء، يشفى، لكنه لا ينفذ تعليمات المجبراتي بالراحة التامة، يرقص طربا، يزور أحد أقارب زوجته فيصعد سلالم ثمانية أدوار، يتذكر بيته في الريف، فيحن إليه (حتشوفى لما نعاود هناك والجو يتحسن ونبيع الشجة دي. نسيتي جمال البلد.. الخضرة والراحة) (5) ويشعر بندم شديد لهجرته إلى المدينة، يدعى لزوجته أنه نسي نور البيت الريفي مضاء، يذهب إلى القرية، يقابل ذئبا ضخما على الجليد بعد أن تكون آلام الظهر قد عاودته بشدة، يهجم عليه الذئب، ويتمكن منه، بعد أن يلاحظ "فردة" أن نور البيت مضاء فعلا.
تراوح بناء القصة بين البيت / القرية / الحلم / النور، وذكريات السعادة والقوة.
وبين المدينة / الألم / البذاءة / التفكك / الضعف، والموت على أبواب الحلم.
وتركز على تفكك العلاقات الإنسانية وتفسخها، مؤكدة أن المدينة هى السبب، لأن القرية لا يمكن أن يحدث فيها ذلك، فعلاقة "فردة" بابنته خريجة الحقوق التي تعمل وكيلة للفنانين وأنجبت من موسيقى؛ علاقة مفككة. وعلاقة قريب زوجة "فردة" بابنيه اللذين تعديا الثلاثين من عمرهما ولم ينهيا تعليمهما، ولا يعملان، ويخشى الأب أن يلومهما فيضرباه ويطرداه من شقته؛ علاقة مفككة.
والقصة الأخيرة "البرميل" تصور مجموعة من الجنود الصعايدة فوق جبل في عز البرد، يتدفأون على نار في برميل، ويراقبون معسكر العدو، هم لا يعرفون سببا للحرب، يمضون وقتهم في الاستماع إلى حكايات أحدهم، حكايات عن الموتى والعفاريت والجنس، يعرفون أنها حكايات مختلقة، لكنها الشيء الوحيد الذي له معنى وسط كل ما يعيشونه، إنهم لا يفهمون لماذا هم هنا؟ إنهم يحاربون، لكن المدينة هي التي تتخذ قرار الحرب، المناوشات بينهم وبين العدو لا تنتهي، يقتلون أحد أفراد العدو، تفاجئهم امرأة / ربما زوجة القتيل أو حبيبته بإلقاء قنبلة عليهم، يقتلون جميعا بينما كانوا يحاولون قتل الوقت بحكاية أخرى مختلقة لكنها ذات معنى، هذا لأن حياتهم جميعا؛ في ظل المدينة وسطوتها وقسوتها، بلا معنى. حياتهم، وحياة شخصيات القصص السابقة، وربما حياتنا نحن أيضا. منير عتيبة ـ الإسكندرية هوامش:
* اسكيمو، مجموعة قصصية، ضامير قراقاش، ترجمة د. أسامة القفاش واينس بابيتش، مكتبة دار الكلمة، القاهرة 2009.
1 ـ ضامير قراقاش، كاتب وصحفي كرواتي من مواليد سبتمبر/أيلول 1967.
2 ـ قصة "لسنا من هنا" ص25.
3 ـ قصة "لسنا من هنا" ص36.
4 ـ قصة "سأخبرك عندما نصل هناك" ص58.
5 ـ قصة "نور فى البيت" ص76.