الإرهاب و«فقه الفتنة» بعد أحداث المدينة

قالوا: التكفير من الدين!

ماذا يمكن القول بعد أن وصلت موجة الإرهاب الجنوني أقدس الأماكن في أقدس الأزمان، فاستهدفت الحرم النبوي الشريف مروعة ملايين الزائرين لروضة نبيهم الكريم، مستهدفة رجال الأمن السعوديين الصائمين الذين يحرسون البقاع الطاهرة وروادها من مسلمي العالم؟

لا تكفي صيحات الإدانة والشجب، فالخطر الذي قوض مجتمعات وهدم دولاً وتسبب في قتل آلاف الأبرياء، يؤذن أن يجرف هذه الأمة بكاملها، إنْ لم نتدارك لتصحيح اختلالات جوهرية في ثقافتنا الدينية السائدة (لا في الإسلام ذاته) وفي خياراتنا الاستراتيجية والدبلوماسية.

كان الأديب الفرنسي الشهير «البير كامو» يقول: «إن عدم تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة يزيد مآسي العالم»، ومن هذا المنظور نرى أن بداية المواجهة الحقيقية لخطر الراديكالية العنيفة هو الإقرار بأن الحاضن الحقيقي لحساب التطرّف الدموي هو نمط من الخطاب الديني تشكل تدريجياً في العقود الخمسة الأخيرة، وأصبح شائعاً في المقررات التربوية والخطاب الدعوي والوعظي إلى حد أنه التبس مع الثقافة الشرعية، ولم يعد من السهل ضبطه وتنحيته. ومع أن هذا الخطاب يختلف نوعياً عن التقليد الإسلامي الكلاسيكي، وغريب عن أحكامه ومفاهيمه، فإنه يعتمد في انتشاره على استراتيجية تعبوية تقوم على الرجوع إلى الأقوال الشاذة والمرجوحة، والأفهام المغلوطة.

وسنقف هنا عند مثالين بارزين من هذا الخطاب الديني السائد، نعتبرهما من روافد التطرّف العنيف:

المثال الأول يتعلق بشرعية الحكم: أي تحديد الشرعية الدينية للدولة بتطبيق الحكم الإلهي المنزل، مختزلاً في ما يقدم على أنه قوانين منصوصة هي معيار إسلامية الحكم، وبالخروج عنها يعتبر الحاكم كافراً يجب الخروج عليه بالسلاح والعنف! ومع أن مجموع فقهاء الإسلام اعتبروا أن الحكم في الآيات القرآنية المشار إليها يعني الإيمان بالدِّين والانقياد له، وهو أمر تكليفي عام لكل العباد على اختلاف مسؤولياتهم ومواقعهم، إلا أن السياق يجري تحريفه لكي تصبح الأحكام الشرعية نمطاً من القوانين بالمفهوم الحديث، أي معايير تفصيلية لضبط شؤون الدولة والمجتمع على غرار المدونات المعيارية التي هي أساس الشرعية القانونية للدولة الحديثة (وهو تصور علماني ملتبس ينم عن الجهل العميق بمنطق الدولة الحديثة). إن هذا التصور يتعارض تماماً مع مفهوم الحكم في الشريعة الإسلامية الذي هو معيار تعبدي قيمي ليس الغرض منه تقنين شؤون الدولة، وإنما وضع موجهات سلوكية وأطر رادعة للشأن الإنساني في بعديه الفردي والجماعي، ولذا فإن بدعة «القوانين الإسلامية» التي نشرها الفكر الإخواني منذ ثلاثينيات القرن الماضي وكادت تصبح بديهية، لا مسوغ لها ولا دليل عليها في التقليد الإسلامي. وما لا يدركه الكثيرون هو أن هذه المقولة وإنْ كانت تبدو خالية من التطرّف والعنف، فإنها هي المصدر الحقيقي للعنف الراديكالي لأنها تؤسس شرعية الدولة على «القوانين الإسلامية»، وبالتالي تفضي إلى تبرير محاربة الدولة والخروج عليها حال عدم تطبيقها لهذه القوانين، ولا عبرة بكل الاحتياطات التي يقدمها من يتسمون بالمعتدلين الوسطيين من قبيل التفريق بين من يرفض الاحتكام للشرع اعتقاداً (وهو كافر) ومن يرفضه امتثالاً (وهو مجرد فاسق)!

أما المثال الثاني، فيتعلق بأحكام الجهاد التي شهدت تحريفاً خطيراً منذ ما سمي بالجهاد الأفغاني الذي قنن مقولتين جديدتين: الجهاد الجماعي والجهاد الانتحاري (الاستشهادي حسب تسميتهم). إن هذا النموذج الذي صدر إلى الساحة الفلسطينية قبل تصديره إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي (2003) أصبح من بعد هو المظهر البارز لهذه الموجة الجنونية العدمية التي لم تسلم منها بلاد أو دولة. ومع أن التقليد الإسلامي وضع قيوداً صارمة على الحرب الشرعية، تمحورت حول مبدأين ناظمين، هما ربط القتال الشرعي برد العدوان تحت قيادة حاكم شرعي وتحريم التعرض للعزل، وهم فئات عريضة تشمل النساء والأطفال ورجال الدين.. لكن أنماط «الجهاد» الجديدة انتهكت كل الأخلاقيات والضوابط التي وضعها الشرع، بل وانتهت إلى تسويغ عسكرة النضال السياسي كما هو شأن الفتاوى التي قدمها شيوخ الفتنة في مرحلة «الربيع العربي» وتداعياته الدموية الراهنة.

ما يلزم راهناً هو صدور حكم فقهي ملزم من كبار علماء الإسلام في مسألتي التكفير والجهاد، يرجع للدين تسامحه ونزوعه السلمي، ويحرم رفع السلاح على الدولة ومبدأ القتل الانتحاري الذي أفتى به القرضاوي وأضرابه.. فماذا يعني التردد بعد أن وصل الحريق مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وحرمة رمضان؟

عبد الله ولد أباه

كاتب موريتاني