الإرهاب بعد بوش!

بقلم: جواد البشيتي

"الإرهاب"، مع الحرب (العالمية) عليه، هل يعتريه، مفهوماً وممارسةً، تغيير في عهد الرئيس أوباما، الذي اتَّخذ "التغيير" شعاراً لحملته الانتخابية، وللسياسة التي سيسير عليها عندما ينتقل إلى البيت الأبيض؟

أوباما، وبخلاف بوش، ميَّز "الحرب على الإرهاب" من حرب العراق، معتبراً أنَّ إدارة الرئيس بوش الجمهورية أفسدت الجهود الدولية في "الحرب على الإرهاب" إذ تورَّطت، وورَّطت معها حكومات أخرى، في حرب العراق، التي صوِّرتها تلك الإدارة على أنَّها، في بعضٍ من أهم أهدافها وجوانبها ونتائجها، السبيل إلى استجماع "الإرهابيين" من كل حدب وصوب في أرض العراق، وقتالهم وقتلهم هنا، حتى لا تضطَّر الولايات المتحدة إلى محاربتهم في عقر دارها، أو في سواحلها.

والنتيجة النهائية، على ما يراها أوباما، هي أنَّ إدارة الرئيس بوش فشلت في حرب العراق، متسبِّبة، في الوقت نفسه، بإضعاف الولايات المتحدة، والعالم أجمع، في "الحرب على الإرهاب"، والتي يريد لها الرئيس المنتخَب أن تستعيد عافيتها وقوَّتها، وأنْ تُحْرِز نصرها المبين حيث تتركَّز "قوى الإرهاب"، أي في أفغانستان.

وهذا إنَّما يعني أنَّ عهد الرئيس أوباما هو عهد يمكن ويجب أن تستمر فيه "الحرب على الإرهاب"، وفي "جبهتها الحقيقية"، أي في أفغانستان، فـ "تصحيح المسار".. مسار "الحرب على الإرهاب"، هو أوَّل شيء سيفعله الرئيس الجديد، توصُّلاً إلى النصر، الذي من أجله تهون، أو يمكن أن تهون، التضحيات.

ولكنَّ الرئيس أوباما لم يوضِّح لنا، على افتراض أنَّ الأمر واضح لديه هو، كيف (ولماذا) ستتمخَّض الحرب (الجيِّدة والشرعية والعادلة..) في أفغانستان عن هذا النصر المبين، أي عن هزيمة كبرى وتاريخية يمنى بها "الإرهاب العالمي".

إنَّ على أوباما أن يُتَرْجِم لنا "شعار التغيير" بأمرين في منتهى الأهمية، وبفضلهما يصبح ممكناً تمييز عهده (تمييزاً إيجابياً) من عهد بوش. عليه أوَّلاً أن يُعرِّف لنا "الإرهاب" بما يجعل للحرب عليه شرعية دولية حقَّة؛ وعليه، من ثمَّ، أن يَحُول بين "الحرب على الإرهاب" وبين التضحية بالحقوق والحرِّيات الديمقراطية والمدنية في كل مجتمع ناشطٍ في هذه الحرب، فتجربة "الحرب على الإرهاب"، أثبتت، حتى الآن، أنَّ ما اتُّبِع من وسائل وأساليب، وما اسْتُخْدِم من أسلحة، قد أفضى إلى خفض منسوب الديمقراطية، من غير أن يرفع منسوب الأمن.

هل يجرؤ أوباما على أن يعرِّف "الإرهاب" بما يشحن الحرب عليه بشرعية دولية حقيقية، وبما يدرأ عن الحقوق والحرِّيات الديمقراطية والمدنية مخاطر "غول الأمن" الذي رأيناه التوأم لـ "الحرب على الإرهاب"؟

كلاَّ، لن يجرؤ؛ لأنَّ تعريف "الإرهاب" على ذلك النحو السليم لن ينزل برداً وسلاماً على الولايات المتحدة نفسها، وعلى كثيرٍ من حلفائها في "الحرب على الإرهاب"، فأنتَ لا تستطيع أن تعرِّف "الإرهاب" بما يجعل الحرب عليه تحظى بشرعية دولية حقيقية إلاَّ إذا كنتَ أنتَ نفسكَ بمنأى عن كل سلوك يشبه السلوك الذي يجعل الإرهابي إرهابياً.

لقد اجتهد كثيرون في تعريف "الإرهاب"؛ ولكن أين هو ذاك التعريف لـ "الإرهاب" الذي إنْ قرأته الولايات المتحدة (وبعض حلفائها) لا ترى فيه ما يشبه المرآة التي ترى فيها صورتها هي؟!

وهذا إنَّما يعني، رغب أوباما في ذلك أم لم يرغب، أنَّ "الحرب على الإرهاب"، وفي حقيقتها الموضوعية، لم تتعدَّ بَعْد، في محتواها وشكلها وأساليبها ووسائلها، حرباً يتبادل فيها الطرفان الإرهاب، وكأنَّها حرب بين الإرهابيين أنفسهم، أو "حرب ضد الإرهاب بالإرهاب"!

إنَّ "العمل"، والعمل وحده، هو ما يجعل الإرهابي إرهابياً، فأين هو "العمل الإرهابي" الذي قام به "إرهابيون"، ويمكن، في الوقت نفسه، تبرئة الولايات المتحدة من تهمة ارتكاب ما يماثله أو يشبهه؟!

لقد قتلت الولايات المتحدة (وحلفائها) من المدنيين الأبرياء العزَّل، ومن الأطفال والنساء والشيوخ، أكثر كثيراً ممَّا قتل الإرهابيون جميعاً؛ وكان كثيرٌ من هذا القتل عن عمد وقصد.

ولن تفلح الولايات المتحدة في أن تدفع عن نفسها تهمة ممارسة الإرهاب إنْ هي زعمت أنَّ قتلها للمدنيين كان من طريق الخطأ، فارتكابها الخطأ ذاته عشرات، ومئات المرَّات، إنَّما يؤكِّد أنَّ هذا القتل هو "سياسة"، يُلْزِمها عجزها عن الدفاع عنها وتبريرها أن تُلْبِسها لبوس "الخطأ".

و"الإرهاب" يتأكَّد وجوداً وممارسَةً إنْ قتلت الولايات المتحدة مدنيين أبرياء عزَّل بدعوى أنَّها، ومن وجهة نظر عسكرية صرف، لا تستطيع ضرب عدو، أو إرهابي، من غير أن تتسبَّب، في الوقت نفسه، بقتل مدنيين أبرياء عزَّل.

ويكفي أن تجادل الولايات المتحدة في صعوبة خوض "حرب نظيفة"، أي حرب لا يُقْتَل فيها مدنيون أبرياء عزَّل، في عصرنا، حتى تقيم الدليل بنفسها على أنَّ منسوب الإرهاب يرتفع أكثر فأكثر في كل حرب تخوضها، فكيف يمكن بعد ذلك، وبسبب ذلك، أن تظل حروب الولايات المتحدة شيئاً يستعصي إدراجه في "الإرهاب"، مفهوماً وممارَسةً؟!

الولايات المتحدة هي، في خاصية جوهرية لها، أسيرة مصالح، لا يمكنها الدفاع عنها، ولو حكمها غاندي نفسه، إلاَّ بما يجعلها تبذر بذور الإرهاب، فضحاياها، وهُم كُثْر، لا يملكون من وسيلة يُعْتَدُّ بها للعيش بما يجعلهم يشعرون أنَّ حقوقهم غير مهضومة. إنَّهم، إنْ اضطُّروا إلى قتالها، دفاعاً عن حقٍّ لهم، لا يملكون من وسيلة لخوض "حرب نظيفة"، فالقوى العسكرية للولايات المتحدة في بروج مشيَّدة لا يدركها الموت؛ أمَّا إذا اختاروا صندوق الاقتراع الديمقراطي سلاحاً حضارياً لقتالها دفاعاً عن حقوقهم ومصالحهم فإنَّهم لن ينتظروا طويلاً حتى يأتي اختيارهم هذا بنتائج تذهب بكل ما توقَّعوا، وكأنَّ الولايات المتحدة ملتزِمة أن تُثْبِت لضحاياها أن لا خلاص لهم، لا عبر صراعٍ يخوضونه بالحديد والنار، ولكن من غير تلويثه بالإرهاب، ولا عبر صناديق الاقتراع.

ولو كان بالصلاة وحدها يمكن نيل المطالب لرأينا كل ضحايا الولايات المتحدة يصلون ليل نهار توصُّلاً إلى الخلاص.

إنَّ "الإرهاب" و"الولايات المتحدة الآنية"، أي على ما هي عليه الآن من خواص، هما الضدَّان، ليس في صراعهما فحسب، وإنَّما في وحدتهما التي لا انفصام فيها؛ فهما معاً، في وجودهما، وفي زوالهما.

إننا ضد الإرهاب؛ لأننا لا يمكن أن نكون مع الولايات المتحدة، التي لا تملك الآن من المصالح والأهداف إلاَّ ما يجعلها مولِّداً للإرهاب كما يولِّد الفسفور اللمعان!

وعمَّا قريب، ومع اشتداد وتفاقم الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي أنتجتها المصالح ذاتها المنتِجة لحروب الولايات المتحدة، قد نعرف ألواناً جديدة من الإرهاب الدولي، فـ "القرصنة الصومالية" يمكن أن تتسع؛ وضحايا الفساد والفقر والجوع، والذين استبدَّ بهم اليأس والقنوط، قد يتَّخذون من الإرهاب المُطعَّم بما يشبه روح روبين هود وسيلة للدفاع عن المظلومين في العالم، فتوحُّش "الليبراليين الجدد"، مع تَعاظُم إنتاجهم من الفساد والفاسدين، لن يؤدِّي إلاَّ إلى عاقبته الحتمية والطبيعية وهي إنتاج "التوحُّش المضاد"! جواد البشيتي